شريط الأخبار

قوات دولية لحماية فلسطينيي الداخل ..زهير اندراوس

10:40 - 21 تشرين أول / فبراير 2009

 

خلال النقاشات السياسية التي نشارك فيها مع الإسرائيليين، حول عدم اعتراف الدولة العبرية بنتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في فلسطين في العام 2006 وأفرزت فوزاً كاسحاً لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) يزعم هؤلاء على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم السياسية أنّ الزعيم النازي أدولف هتلر، وصل هو الآخر إلى سدة الحكم بصورة ديمقراطية وعن طريق صناديق الاقتراع. وعلى الرغم من عدم وجود تشابه بين الحالتين، النازية والحماسية، إلا أنّ الدعاية الإسرائيلية في العالم تؤكد بصورة منهجـــية على هذا التشابه، وبسبب حالة الضعف والهوان التي تعصف بالعالم العربي، فإنّ الرأي العام العالمي يتقبل الرواية الإسرائيلية نصاً وروحاً، وتُدرج الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية حركة حماس على أنّها حركة إرهابية، وتطالبها بالاعتراف بإسرائيل كأحد الشروط لقبولها كقوة سياسية في المشهد الفلسطيني الداخلي، الأمر الذي ترفضه حركة حماس.

 

إبعاد يورغ هايدر

إسرائيل الرسمية أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما انتخب الزعيم النمساوي يورغ هايدر، بانتخابات ديمقراطية، وتحوّل ديوان رئيس الوزراء في الدولة العبرية إلى مكتب علاقات عامة، وأعلن الحرب الضروس على انتخاب هايدر، باعتباره وفق المفهوم الإسرائيلي، مكملاً لنظرية هتلر النازية. المساعي الإسرائيلية الحثيثة التي قادها رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، ايهود باراك، لنزع الشرعية عن هايدر دفعت بالزعيم المنتخب ديمقراطياً في النمسا إلى التنحي عن منصبه، وبذلك سجّلت الدولة العبرية سابقة سياسية لم يعرفها العالم من ذي قبل: دولة عنصرية ومارقة بامتياز، أي الدولة العبرية، تمكنت من الإطاحة بزعيم أوروبي في بلاد بعيدة جغرافياً وسياسياً عن إسرائيل. هذه السابقة التاريخية شجعّت حكام تل أبيب على التدخل في شؤون دول غربية عديدة، زاعمة أنّ كل دعم يُقدّم من شعوب هذه الدول إلى الشعب الفلسطيني، نابع من كره اليهود، أو مما يُسمى إسرائيلياً باللا سامية، وكأنّ العرب ليسوا ساميين، أي أنّ الدولة العبرية احتكرت هذا المصطلح وبات كل اعتداء على يهودي في أي جزء من أصقاع العالم يدخل في إطار اللا سامية. ولا غضاضة في هذا السياق التذكير بما صرحت به وزيرة المعارف الإسرائيلية السابقة شولميت ألوني في مقابلة صحافية بأنّه إذا واصل اليهود اعتبار أنفسهم الضحية الكبرى، فإنّهم لن يُقدموا على صنع السلام لا مع الفلسطينيين، ولا مع العالم العربي والإسلامي.

 

الفاشي ليبرمان تحول إلى الحاكم بأمر الله

نسوق هذه المقدمة على خلفية النتائج التي أفرزتها الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في العاشر من شباط (فبراير) الحالي. اليمين المتطرف فاز في الانتخابات، لأنّ حزب العمل وحزب ميرتس وحزب كاديما، المحسوبين على ما يسمى اليسار والمركز الصهيوني، تمكنوا سوية من الحصول على 44 مقعداً في الكنيست الإسرائيلي، أما المعسكر اليميني واليميني المتطرف فقد حصل على 65 مقعداً، في حين حصلت الأحزاب العربية على 11 مقعداً، وهكذا وصلنا إلى 120 نائباً، وهو عدد أعضاء الكنيست الإسرائيلي، أو البرلمان الصهيوني.

اللافت، ولكن المتوقع، هو حصول حزب إسرائيل بيتنا، بزعامة المتشدد من أصول روسية أفيغدور ليبرمان، على 15 مقعداً في الانتخابات، الأمر الذي حوّله إلى الحزب الثالث في الخريطة السياسية في الدولة العبرية، والأخطر من ذلك، بات كالفتاة الجميلة التي يلاحقها الشباب للزواج منها. ليبرمان، الذي يحمل أفكاراً لا تبعد بالمرة عن هايدر في النمسا، بات قبة الميزان، وبدونه لا يمكن تشكيل حكومة في إسرائيل. مضافاً إلى ذلك، خلال المعركة الانتخابية ركّز هذا الحزب على تأجيج مشاعر الكره لدى الإسرائيليين للفلسطينيين، أصحاب الأرض الأصلنيين، وبات المستجلب ليبرمان، يطالب بطرد أصحاب الأرض وسحب جنسياتهم وتضييق الخناق عليهم. وخلافاً لتعاملها مع الفاشيين والنازيين في العالم، استوعبت الدولة العبرية هذا الفاشي، ونصبته حاكماً بأمر الله، وبدلاً من أن تتنصل منه وتعلن على الملأ أنّ هذا الشخص مرفوض وأفكاره فاشية، ويُهدد ما يسمى بالديمقراطية الإسرائيلية، بات اللهاث وراء ليبرمان رياضة وطنية تمارسها الأحزاب الإسرائيلية، التي لا ترفض الجلوس معه في الحكومة، ولا ترفض أيضاً إسناد حقيبة الأمن إليه، وهو الذي هدد في الماضي غير البعيد بقصف سد أسوان في مصر وبمحو غزة عن الخارطة، وتلفظ بألفاظ بذيئة ضد الرئيس المصري، محمد حسني مبارك، وقال فليذهب إلى الجحيم، كما أنّه دعا خلال الحرب على غزة بقصف قطاع غزة بسلاح نووي عندما قال إنّه ينبغي العمل بالضبط كما فعلت الولايات المتحدة مع اليابان في الحرب العالمية الثانية. ربما تُمارس هذا الرياضة في إسرائيل، على خلفية إخفاقات الرياضيين الإسرائيليين في جلب الميداليات في الألعاب الأولمبية. من هنا يمكننا القول الفصل إنّ الدولة العبرية تتعامل بمكيالين مع الحركات والأحزاب الفاشية: لماذا هايدر في النمسا رُفض من قبل صنّاع القرار في تل أبيب، وفي نفس الوقت أصبح شبيهه ليبرمان الآمر الناهي في الدولة العبرية؟. وكان قيادي في حزب (إسرائيل بيتنا) قد قال قبل الانتخابات إنّه إذا كان ليبرمان يتطلع إلى تولي رئاسة الحكومة بعد عدة سنوات، فإن عليه أن يمر عبر وزارة الدفاع والحصول على خبرة أمنية.

الانتفاضة في الداخل الفلسطيني قادمة لا محال مضافاً إلى ما ذكر أعلاه، عن طريق الدعاية الانتخابية لهذا الحزب التي تُذكر بدعايات انتخابية أخرى في بلدان أخرى، يريد هذا المستجلب أن يُحّول الدولة العبرية إلى دولة ابارتهايد، بحيث تصبح الضحية (الفلسطينيون في إسرائيل) أقلية مضطهدة ودونية. هذه الحالة المستعصية، ستقود عاجلاً أم آجلاً، إلى انتفاضة داخل ما يُسمى بالخط الأخضر، لأنّ خمس سكان إسرائيل، هم من العرب الفلسطينيين، الذي بقوا في أرضهم ووطنهم، على الرغم من السياسات الإسرائيلية ضدهم منذ إقامة الدولة العبرية على أنقاض الشعب العربي الفلسطيني في نكبة العام 1948.

وفي هذا السياق، نرى لزاماً على أنفسنا التذكير بأنّه منذ هبة القدس والأقصى في العام 2000، والتي استشهد خلالها 13 شاباً عربياً برصاص أجهزة الأمن الإسرائيلية، بات قتل العربي في مناطق الـ48 أمراً عادياً للغاية، وللتدليل على ذلك، فإنّ النيابة العامة الإسرائيلية والمستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، قررا عدم تقديم حتى لائحة اتهام واحدة ضد القتلة والمجرمين، لا بل أكثر من ذلك، فوفق الإحصائيات الرسمية، قامت أجهزة الأمن الإسرائيلية، بعد هبة القدس والأقصى بقتل 34 عربياً فلسطينياً من أراضي الـ48 ولم تقدم لوائح اتهام ضد أيّ من رجال الشرطة التي نفذوا الجرائم، وهذه ليست وصمة عار في جبين حكام إسرائيل، بل إعلان رسمي عن أنّ الدولة العبرية هي ديمقراطية لليهود، ويهودية للعرب الفلسطينيين، إنّها دولة عنصرية بامتياز.

التمييز العنصري ضد فلسطينيي الداخل من قبل المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة يشمل جميع المرافق، فحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية فإنّ أول عشرين مدينة وقرية وبلدة مصنفة على أنّها بؤرة بطالة، هي عربية. وتنامي العنصرية في إسرائيل أصبحت علانية، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، شركة الكهرباء الإسرائيلية التي تُشغل 14 ألف موظف، استوعبت منذ تأسيسها وحتى اليوم خمسة عمال غير يهود، أي من أبناء الطائفة الدرزية الذين خدموا في جيش الاحتلال. شركة الهواتف بيزك، كذلك الأمر، والأخطر من ذلك، أنّ الشركتين لا تستوعبان موظفين يجيدون اللغة العربية، بمعنى أنّ العربي الذي يريد الاتصال بالشركة عليه أن يجيد اللغة العبرية، وحتى في حال إبلاغ الشركة بعطل ما في شبكة الكهرباء أو الهواتف، فإنّ الأوامر التي يعمل وفقها الموظفون في الشركتين تمنعهم من الدخول إلى القرى والمدن والمجمعات العربية لأسباب أمنية، وبالتالي فإنّ العربي عليه أن ينتظر حتى يتمكن العمال في الشركتين من الحصول على الإذن بالدخول إلى البلدات العربية في أراضي الـ48 تحت حراسة أمنية مشددة. ولكنّ الخطير في الأمر أنّ عدم تشغيل العرب لا يقتصر فقط على الشركات الحكومية والشركات الخاصة الكبيرة، بل ينسحب أيضاً على الحوانيت الصغيرة: إذا أردت أن تجد عملاً في مكان ما، حتى في دكان ملابس، فإنّ الشرط الأساسي الذي يشطبك هو التالي: على المتقدم أو المتقدمة للعمل أن يكون بعد الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

 

في رأس كل إسرائيلي ليبرمان صغير

العنصرية الإسرائيلية المؤسساتية والشعبية باتت متفشية في جميع الأماكن، والتنكيل بفلسطينيي الداخل، أصبح أمراً مقبولاً ومرحباً به في المجتمع الإسرائيلي على مختلف شرائحه، والعنصرية مرشحة للتنامي أكثر فأكثر مع تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة. فبالإضافة إلى العنصري ليبرمان، لا بدّ من التذكير بأنّ المرشح الأوفر حظاً لتشكيل الحكومة، رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الليكود اليميني، بنيامين نتنياهو، هو صاحب المقولة المشهورة بأنّ العرب في إسرائيل هم قنبلة ديمغرافية موقوتة، لا غضاضة في هذه العجّالة التذكير بأقوال رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك الإسرائيلي) يوفال ديسكين، بأنّ جهازه سيلاحق كل عربي فلسطيني يرفض الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية، وهو الشعار الذي يرفضه السواد الأعظم من فلسطينيي الـ48، كما أنّ وزيرة الخارجية وزعيمة حزب كاديما هي صاحبة المقولة المشهورة بأنّ الدولة الفلسطينية العتيدة هي المكان الوحيد للفلسطينيين من ثلاثة أضلاع المثلث: الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، والفلسطينيون في إسرائيل والفلسطينيون في الشتات لتحقيق أحلامهم الوطنية، بمعنى أو بآخر، هذه مقولة خطيرة تنادي بشكل مبطن بترحيل فلسطينيي الداخل إلى الدولة الفلسطينية التي ستقوم. أما عامي أيلون، الوزير السابق ورئيس الشاباك في الماضي، الذي يفتخر ويتباهى بأنّه قتل فلسطينيين، أكثر من اليهود والإسرائيليين الذين قتلتهم حركة حماس، فقد قال في مقابلة صحافية أدلى بها في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2000 إنّه في حال شعور الدولة العبرية بوجود خطر وجودي حقيقي عليها، فإنّها لن تتورع عن القيام بما قامت به في العام 1948، وكما نعلم فإنّه في ذلك العام المشؤوم نفذت العصابات الصهيونية المجازر ضد الفلسطينيين وطردت شعباً من وطنه متسلحة بالمقولة الصهيونية الكاذبة بأنّ فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. ويمكن الإيجاز والقول إنّه في عقل كل يهودي إسرائيلي يعشعش ليبرمان صغير.

 

أن تكون يسارياً وصهيونياً

من ناحيته قال المعلق والمفكر جدعون ليفي، المحسوب في إسرائيل على اليسار الراديكالي، والذي يكتب في صحيفة (هآرتس) العبرية إنّ اليسار الإسرائيلي مات في عام 2000، بعد اندلاع انتفاضة الأقصى وجثته الهامدة تدحرجت على رؤوس الإشهاد منذ ذلك الحين إلى أن صدرت يوم الانتخابات أخيراً شهادة الوفاة وفقا للمراسيم، على حد تعبيره. وزاد ليفي، في مقال نشره في صحيفة (هآرتس) العبرية أنّ زعيم حزب العمل ايهود باراك هو الذي اعدم اليسار في عام 2000، وهو الذي دفنه في عام 2009، عندما اقنع الرأي العام الإسرائيلي أنه لا يوجد شريك فلسطيني في عملية التسوية، واعتبر ليفي أنّ اليسار يحمل اسم معسكر السلام زوراً وبهتاناً، مشيراً إلى أنّ هذا المعسكر ممثل في حزبي العمل وكاديما، وهما اللذان قادا حربين في عامين (حرب لبنان الثانية في صيف العام 2006 وحرب غزة الشهر الماضي)، وجزم الكاتب الإسرائيلي أنّ قيم اليسار تتنافى مع الصهيونية، وقال: من يريد يساراً ذو أهمية عليه ان ينفي الصهيونية ويخرجها من داخله، لن يكون هنا يسار عريض إذا لم يقم التيار المركزي بإعادة تعريف الصهيونية. لا يمكن أن يكون الواحد يسارياً وفي نفس الوقت صهيونياً، على حد تعبيره.

 

نتائج الانتخابات شهادة وفاة رسمية للعملية السلمية

لا نريد في هذه العجّالة التطرق إلى العملية السلمية مع الفلسطينيين بعـــد تشكــــيل الحكـــومة الجديدة، بل نكتفي بالقول إنّ ليبرمان، وزير التهديدات الإســـتراتيجية في حكومة أولمرت - ليفني- باراك، استقال من الحكومة بعد أن أعلن رئيــــس الوزراء الإسرائيلي المنصرف ايهود أولمرت، عن نيته في التفاوض مع الفلسطينيين على قضايا الحل النــــهائي، ومع أنّ المفــــاوضات التي أجراها رئيس سلطة رام اللــــه المنقوصة والمنتهية ولايته، محـــــمود عبّاس (أبو مازن)، كانت عبثية ومضيعة للوقت، واستغلتها إسرائيل لبناء المستوطنات الكولونيالية في الضفة الغربية المحتلة وتوســـيع المستوطنات القائمة، وعزلت عملـــــياً القدس بجزأيها، الشرقي والغربي، عن محيطها الفلسطيني، إلا أننّا نعتقد أنّه يتحتم على القيادة الفلسطينية التي ما زالت تتمسك بالحكم، أن تًعلن رسمياً عن وفاة العملية السلمية، وأن تعود إلى خيار المقاومة، وأن لا تحول القضية الفلسطينية إلى قضية إدخال الخيار والبندورة إلى قطاع غزة المحاصر.

أما فيما يتعلق بفلسطينيي الداخل، فها نحن نقولها بصريح العبارة: إنّا هنا باقون، فلتشربوا البحر، وإذا لم يعجب الفاشي ليبرمان ومن لف لفه، فبإمكانهم العودة من حيت أتوا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، نرى لزاماً على الدول العربية والغربية، التي تدّعي التنور والتقدم والتطور والديمقراطية والحفاظ على حقوق الإنسان، أن تدرس جيداً اقتراحنا باستجلاب قوات دولية لحماية فلسطينيي الداخل من النظام الإسرائيلي الفاشي، فعندما لا تريد الدولة حماية 'مواطنيها'، على الأسرة الدولية أن تقدم لهم الحماية، لأننّا لسنا عابري سبيل ولسنا ضيوفاً في موطننا، وليس دولتنا، ومثلما تجندت أوروبا لعزل هايدر، عليها أن تشحذ الهمم لمنع المواجهة القادمة لا محال بين أصحاب الأرض الاصليين في فلسطين وبين المستجلبين اليهود إلى أرض فلسطين.

 

' كاتب فلسطيني

 

انشر عبر