شريط الأخبار

هل خرج «العسكر» العربي من الحروب مع إسرائيل؟ ..رفيق نصرالله

12:39 - 19 حزيران / فبراير 2009

المقاومــة أو الجيــوش المســتقيلة

 

ـ السفير 19/2/2009

يتساءل عسكريون مصريون ممن خاضوا حربي 1967 و1973، ماذا لو كانت شبه جزيرة سيناء تحضن مدناً وقرى ويعيش على أرضها بضعة ملايين من المصريين، ويذهب بعضهم الى السؤال لماذا لم نقم شريطاً بشرياً على طول الحدود ليشكل هذا الشريط حاجزاً ديموغرافياً نمده بمياه النيل وتتوزع شبكات الطرق والسكك الحديدية باتجاهه، هل كانت إسرائيل ستصل بمثل هذه السرعة نحو قناة السويس كما فعلت عامي 1956 و1967.

ولعل السؤال الأهم الذي يفرض نفسه، ألم يكن هذا سيساعد على نشوء المقاومة الشعبية في المدن والقرى. ولماذا تصر إسرائيل في الوثائق السرية لكامب ديفيد على عدم إقامة مدن وقرى مصرية في شبه الجزيرة وتسمح فقط بإقامة منتجعات سياحية.

إن إحدى مشكلات هضبة الجولان والتي يتحدث عنها بعض المحللين العسكريين هي ان هذه الهضبة شبه خالية من السكان إلا من بضع قرى أكبرها مجدل شمس وهو واقع لم يساعد على توفير مناخات ميدانية لولادة مقاومة شعبية على غرار ما كان قائماً في جنوب لبنان قبل العام 2000 وما يحصل الآن في الضفة الغربية أو قطاع غزة.

البشر بحضورهم الجغرافي هم الذين يشكلون عادة خط الدفاع الأول. كذلك المدن الكبيرة والتجمعات وهذا ما حملت دلالاته حروباً عالمية كجبهة المانيا ـ روسيا خلال الحربين الأولى والثانية.

خلال حرب العبور عام 1973 كان بإمكان الدبابات المصرية ان تتجه شرقاً لتحرر المزيد من الأرض في شبه جزيرة سيناء، لكنها الأرض المكشوفة مثل راحة اليد والتي يسهل على الطيران ان يقبض عليها جواً، لذلك كان القرار بأن تبقى هذه الدبابات عند حدود الخطة التي وضعت أي البقاء في مساحة محددة الى الشرق من قناة السويس، حتى لا تقع في الفخ الذي وقعت فيه القوات المصرية عام 1967 هذا ما أعلن على الأقل.

ماذا لو كانت ثمة مواقع ديموغرافية في هذه المنطقة، أي بقعة جغرافية سكانية من المدن والقرى وهي عادة التي تنتج المقاومات الشعبية وهي التي تحول دون أن تكون الأرض سهلة العبور أمام أي قوة تجتاحها، ربما لاختلف الواقع عما كان سائداً.

لهذا اختارت إسرائيل عام 1973 منطقة خالية لعمليات إنزال ومد جسور لإحداث الثغرة بعيداً عن مدن القناة.

بعد تجــربة المقاومة في لبنان منذ العام 1982 أي مع تنفــيذ أول عملــية ضد القوات الإسرائيلية التي اجتاحت بيروت الغربية صبيحة السادس عشر من أيلول بدا أن زمن حروب (العسكر) العــربي مع إسرائيل قد انتهى، وأننا دخلنا زمن حروب المقاومات مع إسرائيل، أو المجموعات المعسكرة القادرة على حرية الحركة.

وظهر جلياً ان الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر قد أجبر على تغيير تكتيكاته العسكرية بصورة متدحرجة راحت تتسع مع اتساع عمليات المقاومة في جنوبي لبنان ثم مع بدء عمليات ناجحة للمقاومة الفلسطينية والانتفاضات المتتالية. وظهر للعيان أن احتلال عاصمة عربية لم ولن يحرك جيشاً عربياً... لقد حُسم الأمر منذ ذلك الوقت.

فبعد العام 1982 نشأت ثقافتان:

ـ الأولى أكدت ميدانياً وسياسياً أن الجيوش العربية لم تعد قادرة على محاربة إسرائيل أو هي على الأقل في بنيويتها وفي مرجعية قرار القيادات السياسية لم تحضر لكي تواجه إسرائيل في حروب كالتي جرت عام 1967 أو 1973، بل راحت هذه الثقافة تتعزز مع تنامي روح الانهزام وروح التبعية، وما تلا ذلك من اتفاقيات معلنة وغير معلنة بينها كامب ديفيد ووادي عربة.

لم يخض أي جيش عربي منذ ذلك الوقت أي حرب حقيقية مع إسرائيل.

تحولت الى جيوش دفاعية راح عديدها يتناقص فيما يزداد عديد قوى الأمن الداخلي. راح الضباط العرب يقرؤون التطور العسكري في إسرائيل من خلال الوسائل الإعلامية وليس من خلال الاحتــكاك المسلح أو المتابعة الاستخباراتية، لأنه ليس على جدول أي جيش عربي احتمال الاشتباك في حرب كبيرة مع إسرائيل.

ـ ثانياً: ثقــافة شعبية أنتجت مقاومة معسكرة راحت تؤطر نفـسها، مستفيدة من بعض الوقائع العربية ميدانــياً، وبدأت تسجل انتصارات ولو بطيئة كتحقيق الانسحاب من لبنان بعد نضال طويل امتد من العام 1982 الى العام ألفين.

لقد ظهرت (المقاومات) وتحديداً الفلسطينية واللبنانية كنقيض (للعسكر العربي الرسمي)، وكثيراً ما اصطدم هذا الواقع عبر اشتباكات كانت مفصلية في مراحل مختلفة، لكن ديناميكية هذه المقاومات كانت قادرة على مغالبة الواقع الرسمي الذي قدم نفسه مهزوماً سلفاً أمام الإسرائيلي وفاقد خيارات، بل تحول في بعض الساحات الى قوة معادية للمقاومة نفسها.

إن بعض العسكريين الإسرائيليين يتهكم على ضباط وجنود بعض الجيوش العربية ممن التحقوا بالمدارس والكليات العسكرية منذ العام 1973، حيث وصلوا الى رتب كبيرة وتقاعدوا دون ان يخوضوا ولو حرباً محدودة ضد الجيش الإسرائيلي، فيما يظهر العسكريون في إسرائيل على عكس هذه الصورة، فهم نتاج حروب متعددة ومتلاحقة كانت تقود بعض الجنرالات الى المواقع السياسية المتقدمة في الكيان، ودائماً يبحث او ينتج بعض الجنرالات حروباً من أجل تكريس زعامات أو بطولات.

أليس معيباً أو على الأقل أليس لافتاً أن يقضي ضابط عربي، وتحديداً من دول المواجهة خدمة عسكرية على مدى ثلاثين عاماً من دون ان يخوض حرباً، أو على الأقل من دون ان ينام في ثكنته أو في مواقع متقدمة بعيداً عن فراش الزوجية، لأن حالة التأهب قد أعلنت، ولأن ثمة تحركات عسكرية إسرائيلية قد رصدت على هذه الجبهة أو تلك.

ومع هذا تضج صدور القادة العسكريين العرب بعشرات الأوسمة والنياشين التي حصلوا عليها من الخدمة، وليس لبطولات على أرض المعركة التي لم تقع.

لقد استقال العسكر العربي من الصراع مع الإسرائيلي، وهذه حقيقة يجب ان نسلم بها، وباتت واقعاً قائماً تعبر عنه الأنظمة بصراحة معلنة: (لن ندخل حرباً مع إسرائيل). هذه العبارة سمعناها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، ثم في محطات اخرى حتى خلال ما فعله الإسرائيليون من مجازر ضد الشعب الفلسطيني، وصولاً الى عدوان 1993 ضد لبنان وبعد ذلك عام 1996 الذي فرضت خلاله المقاومة معادلة جديدة على الأرض، وهي انه مع استقالة الجيوش والأنظمة يمكن لمقاومة شعبية ان تكرس معادلات وتفاهمات وان تأخذ الصراع الى ثقافة مختلفة.

إن بعض الجيوش في دول عربية تضع جدولة لتسلحها وهي تنظر إلى ما لدى إيران من أسلحة كخطر محتمل، ولا تلتفت هذه الأجندة لوجود احتمال لو واحد بالمئة للاحتكاك مع الإسرائيلي، بل إن ثقافة بعض الجــيوش العربيـة تقوم على الاطمئنان بأن الإســرائيلي هو الحامي لبعض هذه الجيوش أمام أخطار كالخطر الإيراني مثلاً.

كثيراً ما يردّد الساسة العرب عبارة «لن ندخل في حرب مع إسرائيل»...

سمعنا هذه العبارة في هذه العاصمة أو تلك خلال حرب تموز 2006، رغم كل وقائعها التي كانت كافية، لأن تسقط كل الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل (مثل كامب ديفيد).

ولعل النظام الرسمي العربي كان أكثر جرأة ووضوحاً خلال حرب غزه في أن (العسكر العربي الرسمي) غير معــني يهذه الحرب، وانه لو أبيدت غزة وأهلها ورمى بها الإسرائيليون في البحر كما كان يشــتهي رابين، فإن حالة التأهب لن تعلن بين صـــفوف أي جــيش عربي، بل على العكس كانت بعض وحــدات جيوش عربية مستنفرة ضد المقــاومين، ولو شكلاً، انطلاقاً من المواقف السياسية المعلنة لهذا الطرف أو ذاك.

إنها استقالة (جماعية) من الصـراع، وكلمة جماعية هنا تكاد ان تكون شاملة، لأنه حتى في خط الممانعة لا توجد وقائع واضحة تملك مقوماتها على ان جيشاً ما قد أعد لمقاتلة إسرائيل إلا اذا أجبرته إسرائيل على ذلك.

وإسرائيل في كل حروبها هي التي كانت تدفع الجيوش العربية للقتال، وهي التي كانت توفر المناخات التي تؤسس لقرار القتال، وهو ما تجلى عام 1948، فإنشاء الكيان وطرد الفلسطينيين والعمليات التي جرت عند أطراف غزة وفي مناطق اخرى في حدود الأردن وجنوبي لبنان هي التي أحرجت النظام الرسمي العربي لكي يحرك وقتها الجيوش العربية التي هزمت.

كذلك كان الواقع عام 1956 رغم اختلاف الظروف، فالعدوان الثلاثي هو الذي أوجد مناخ التشتباك ونجح المصريون بالمقاومة الشعبية وليس (بالعسكر الرسمي) الى جانب المقاومة السياسية والظروف الدولية (مقاومة بور سعيد ومدن القناة).

وفي حرب 1967 أيضاً ما وفرته إسرائيل من استدراج ومعطيات على الجبهة السورية، الى جانب انها هي التي قامت بالضربة الأولى، وربما لم يكن الجــيش المصري في جو مهاجمة إسرائيل يومها بل التحشيد لفك الضغوط عن سوريا.

ولعل حرب 1973 تكاد تكون الحرب الأولى التي يمكن القول إنها كانت قراراً بالحرب من قبل الجانب العربي، لكن أيضاً نتاج ذلك صادر عبر واقع فشل قرار مجلس الأمن 242، وغير ذلك من معطيات، وكانت حرب عبور ضمن خطة محددة سرعان ما ظهر رغم بطولة الجيش المصري أنها لتحريك عملية السلام.

وعلى عكس ذلك فإن ثقافة المقاومة هي التي تصنع فعل الحركة، وتملك قرارها وديناميكية حركتها، ولهذا فإن الإسرائيلي بعد العام 1982 بدأ ينشئ ألوية وفرقاً، ويعمم ثقافة عسكرية جديدة بين وحداته، لأنه وان كان نجح في تحييد الجــيوش الرسمــية وقيّد بعضها وساعده الأميركي في تبديــل ثقــافة الصراع لدى مركــزية القرار الســياسي الرسمي العربي، إلا ان إسـرائيل ظهرت انــها أمام حالة جديدة وانها في حرب مفتوحة منذ العام 1982 وحتى الساعة مع مــقاومات عربية تأخذ أشكالها المختلفة (الآن حزب الله وحماس) كامتداد لقوى أخرى كانت جزءاً من بنيوية المقاومة بما في ذلك فتح أو أحزاب لبنانية وغيرها.

إن إحصاءات شبه رسمية بما في ذلك بعض مراكز الأبحاث في لندن تشير إلى أن عديد جيوش البلدان العربية المنضوية جميعها الى جامعة الدول العربية والموقعة على اتفاق الدفاع العربي المشترك تزيد عن ستة ملايين عسكري أي ما يزيد قليلاً عن عدد سكان الكيان الإسرائيلي، فيما لا تستطيع إسرائيل الآن تحشيد أكثر من ثلاثمئة وخمسين ألف عسكري مع قوات الاحتياط، حيث تشكك بعض مراكز المتابعة بقدرة إسرائيل على حشد هذا الكم، وهو ما أثبتته حرب تموز 2006 ثم حرب غزة.

لعل البعض سيتحدث عن اتساع الهوة في فارق التــسليح وقــد قطعت إسرائيل اشواطاً في هذا الميدان، الى جانب ما تقدمه الولايات المتحدة الأميركية من مساعدات وآخرها الـ (أف 38) وغير ذلك مع استمرار تحول الجيوش العربية الى مستهلك مستورد لأنواع من الأسلحة الغربية أو الشــرقية وفق شروط معينة.

لكن اتضح ان هذا لا يعني ان قرار سحب العسكر العربي من المواجهة هو نتيجة هذه المعادلة، فالمقاومة في تجربتها ومع محدودية ما تملك من أسلحة بدلت من هذه المعادلة، فالمسألة ليست نوعية السلاح بل في قرار استخدام السلاح مع أهمية ان يكون هناك توازن عسكري ـ استراتيجي.

أذكر مرة وعام 1976 كان المرحوم كمال جنبلاط أمام بضعة صحفيين، وكان الجدل يومها كبيراً على مستوى الصراع حول ما يملكه العرب من أسلحة وأنهم يفتقرون للسلاح الهجومي، وكان السادات يقود حملة كبيرة مع إعلامه، بأن السوفييت لا يقدمــون أسلحــة هجومية للعرب، يومها قال جنبلاط بلهجته المحببة «المسألة يا عــمي بسيطة المسدس باليد يمكن أن يكون هجومي ويمكن أن يكون دفاعي»، المشكلة باليد التي تحمل هذا المسدس وبصاحب اليد.

اليد صارت يد المقاومة، والمسدس هو مسدس المقاومة، فيما لم تعد الجيوش العربية حاضرة في منطوق الصراع. هذا الواقع أوجد نوعاً من الحقائق على خارطة العمليات العسكرية الإسرائيلية.

أمام هذه المشهدية في المواجهة تبدو هنا أهمية الاستراتيجيات التي نرفض القول بتوصيفها بأنها استراتيجيات دفاعية إذ ان التوصيف الأمثل هو الاستراتيجية المتوازنة للمواجهة، بمعنى امتلاك قدرة (المدافعة) وقدرة (المواجهة) وحتى قدرة الهجوم لفرض الوقائع ضمن مسار الصراع.

بالمقابل، إن الأنظمة الرسمية العربية لم تعد تملك استراتيجية دفاعية أو هجومية في سياق الصراع العــربي ـ الإسرائيلي، وهذا فرض على المقاومات ان تمــتلك هذه الإستــراتيجية بوسائل مختلفة أكـدت حــضورها وفاعليتها، ولو النسبية أحياناً، حتــى في حرب غزة الأخيرة.

لا أحد يستطيع في قيادة أي جيش عربي أن يدّعي بأنه على مدى الثلاثين عاماً الماضية كانت ثمة خطط وضعت لاحتمال المواجهة مع الجيش الإسرائيلي.

فكما استقال القرار الرسمي العربي من فكرة قتال إسرائيل، استقالت الجيوش العربية من هذه الفكرة، بل تبــدو بعض الجيوش العربية أنها تفضل أن تحميها قــوات طوارئ دولية وهو ما يحيط الآن بإســرائيل التي تشترط دائماً بقاء انتشار القــوات الدولية فوق الأرض العربية لتفصل ما بينها وبين الجيوش العربية الأخرى (نموذج لبنان ـ الجولان ـ شبه جزيرة سيناء).

إن العسكر العربي استقال أو أقيل فعلاً من خارطة الصراع... والمقاومة صارت هي (عسكر العرب) وهذا ربما قد يؤدي يوماً إلى نوع من الثقافة الجديدة في مسار الصراع بأن تتحول هذه الجيوش الى (مقاومة) أو مجموعات صغيرة في جغرافية محددة تفقد العدو قدرته على التحرك وتجبره على التسليم بوجود توازن الرعب على الأرض، مع هذا التحول الذي يجب أن يتحول الى استراتيجية كاملة للمواجهة بعدما فقدنا قدرة امتلاك القرار السياسي والإرادي، وكذلك قدرة حــرية امتلاك السلاح وفاعليته ضمن التوازنات الدوليــة، وبعد ان قطعت إسرائيل شوطاً كبيراً في الإنتاج العسكري الذي فقدنا كعرب فرصة تاريخية لاستكماله رغم الإمكانيات عندما تمّ إنشاء مصانع للإنتاج العسكري.

العسكر العربي مؤجل حتى الساعة... أمام العسكر الإسرائيلي.

المقــاومة تبــدو أنها صارت فعلاً (عسكر العرب) اذا ما فلتت من حصار العسكر العربي نفسه!... وهي بالتالي تمتلك استراتيجيتها، وعليها ان تمتلك جهوزيتها وسلاحها المؤثر لإحداث التوازن الذي فقده العسكر العربي النظامي ! ... 

انشر عبر