ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أ. محمد حميد "أبو الحسن"
"وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا" الجن) 10).
يجتاح العالم منذ منتصف كانون الأول (ديسمبر) 2019م فيروس كورونا فائق العدوى الذي ينتقل من شخصٍ مصاب إلى آخر سليم عبر التماس المباشر أو نتيجة الاقتراب من المصاب عدة أقدام، ويزداد تأثير العدوى في الأماكن المكتظة. ظهرت النواة الأولى لهذه الجائحة في مدينة ووهان الصينية لتنتقل بعد ذلك إلى معظم دول العالم وخاصة القارة الأوروبية المزدهرة بحركة سكانها وتبادلها التجاري ما أدى إلى تسارع أعداد المصابين وبلوغها مبلغاً كبيراً. أربعمائة ألف مصابٍ هو العدد الذي خلّفته هذه الجائحة حتى وقت كتابة هذا المقال، وحالةٌ من الركود والكساد الاقتصادي لدى أمم العالم هي النتيجة المبدئية لهذه الجائحة التي حولت ميادين العالم المكتظة إلى صحراء قاحلة لا يُسمع فيها همسٌ بشري ولا ضجيجٌ آلي، وأعلنت في أعقابه كثير من الدول حالة الطوارئ وأجبر المواطنون فيها التزام مساكنهم قطعاً للطريق أمام هذه الجائحة وفق إجراءات محكمة وفقاً للجهات الطبية المختصة، وأصدرت قراراتها بحظر التجمعات الجماهيرية سواءً في دور العبادة أو أيٍ من الفعاليات الجماهيرية، وامتد الأمر ليصل إلى حظر تجولٍ شامل في بعض الدول.
لقد دخل العالم أجمع في تحدٍ أمام هذا الفيروس القاتل، وتغيرت وجهات الجيوش العالمية التي كانت تضع نصب أعينها التهديد الخارجي لتتحول وجهتها إلى حماية جبهتها الداخلية، فلم تعد مهمة حماية الحدود أولوية لتلك الجيوش بقدر ما أصبح يهمها تطبيق قرارات حظر التجول وملاحقة المخالفين، والقيام بعمليات التطهير في الشوارع والأماكن العامة. لقد أصبح العالم الضاج بالحركة عالماً يحث الناس على البقاء في بيوتهم، ولهذا الأمر ما يبرره في ظل فتك هذا الفيروس الذي لا يرى بالعين المجردة. ولا يعلم أحدٌ الخطوات القادمة إلا الله تعالى.
الأزمة حادةٌ جداً وحالة القلق المتولدة عنها مستمرة والإصابات في تزايد والعالم يواجه السيناريو الأسوأ المتمثل في تفشي هذا الوباء وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، وفي ظل هذه المعركة تتجلى قدرة الله –عز وجل-في بسط الأمر وقدره عبر فيروسٍ دقيق الحجم هو آية من آيات الله تعالى، إذ استطاع إيقاف حركة العالم بأسره، فلا بورصات ولا شركات ولا إنتاج ولا تنقل، وحالة سكون عالمي تعم العالم، قال تعالى: "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ"، سورة المدثر (31). وفي ذات الوقت ترنو عيون القوم وقلوبهم إلى الخبراء المختصين في علوم الفيروسات أملاً في إنتاج اللقاح اللازم، ويقف زعماء الدول العظمى والدنيا خلف هؤلاء العلماء في المؤتمرات الصحفية المقررة لإعلام الناس عن كل جديد في هذا الملف، وهذا يستدعي التأمل في إجحاف العالم بحق هؤلاء العلماء والأطباء والمختصين في كل المجالات، والذين تأخروا في أوقات الراحة وتقدم عليهم الفنانون والرياضيون في المدح والثناء وأُجزل لهم العطاء، في حين أن منقذي البشرية من الأطباء والخبراء والمختصين يتلقَوْن رواتب وحوافز متدنية وهم أدنى سلم أولويات التكريم المعنوي والمادي، سيٌّ في ذلك دول العالم المتقدمة وتلك المتأخرة لا يميزهما إلا اختلاف في بعض الظروف النسبية لهذه الفئة في الدول المتقدمة وهي الحافز أمام العلماء في العالم الثالث الذين لا يجدون مكاناً للإبداع لهجرة بلدانهم والسفر إلى تلك الدول المتقدمة في إطار ما يسمى "هجرة الأدمغة البشرية "، هذه الكارثة الوبائية كانت كفيلةً بالكشف عن أزمة قيم الطعام والشراب والنظافة المتأصلة في عددٍ من بلدان العالم، فنقص النظافة والعادات الغذائية السيئة من الأسباب الرئيسة لتفشي كثيرٍ من الفيروسات، وهذا يعيدنا مرةً أخرى إلى فقه الطهارة وما حددته سيرة النبي –صلى الله عليه وآله وسلم-من ضوابط متفرقة تعتبر الحد الأدنى من نظافة الإنسان المسلم.
وفي أتون مواجهة العالم لهذه الجائحة سُلّط الضوء على الضيم الذي يعيشه المحاصرون في فلسطين وإيران ولبنان واليمن وغيرها من شعوب العالم الحرة التي تدفع اليوم ثمن حقها في تقرير مصيرهم وثمن كلمة "لا" أمام القوى الاستعمارية المحتلة التي أحكمت حصارها حتى أصبح الواقع الصحي فيها منهكاً بدرجاتٍ متفاوتةٍ، وربح فيه الإمبرياليون المستعمرون نقاطاً من رصيد الإنسانية على صعيد عدد كبير من الضحايا والمصابين، وظهر بجلاء حجم التغول في سرقة المواد الخام من الدول الفقيرة بأقل الأسعار ومعالجتها في البلدان المتقدمة وإعادة بيعهما مرة أخرى إلى تلك الدول دون أدنى اهتمامٍ لإمكانيات تلك الدول، نسأل الله أن يزيل الغمامة عن هذه الشعوب الحرة.
هذه الجائحة إيذانٌ لبني البشر لإيجاد فكرة عالمٍ جديد يأخذ بعين الاعتبار الإنسان كإنسان، عالمٍ أكثر عدالةً ينظر بعين الإنصاف إلى الأفراد وفق مقياس الإمام علي –كرم الله وجهه- والذي اعتبر الناس إخوة في الدين فإن لم يكونوا كذلك كانوا إخوة في الإنسانية إذا ما استُثنِيَ المحاربون، عالمٍ تتلاشى فيه الهوة اللامنطقية بين ذوي الثراء الفاحش وبين بؤساء الفقر، عالمٍ يستعيد فيه ذوو النبوغ دورهم ومكانتهم المعهودة، ويُعاد فيه ترتيب الأولويات بمستوىً معقول من العدل الاجتماعي، عالمٍ دون إجحافٍ بالحقوق ودون نهبٍ للثروات ودون استعبادٍ للناس، قال تعالى:" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" )سورة النحل (90.