أراهم يا أبي يتحدثون عن آبائهم وأريد أنْ أتحدث عنك بينهم".. تلك أمنية لطفلٍ يحنُّ لملامح أبيه صباحاً مساءً، لكنَّ "دياب" لا يجد ما يخبر به أقرانه في المدرسة عند حديثهم عن آبائهم سوى أنه كان له أب وفقده، ومع تلك الإجابة تزدحم مشاعر الألم والوجع في قلب ذلك الصغير.
قدرَ الإمكان يُحاول دياب نهاد أبو كميل (12 ربيعاً) أنْ يتمالك نفسه كي لا يبكي عندَ سماعه سيرة والده العطرة، لكنَ وجع الحنين إلى "حبيب قلبه" يكون في كلِ مرةٍ أقسى، فتسيلُ الدموع على وجنتيه، وسريعاً يهرب إلى قميص والده، فيجلس معه ساعاتٍ طويلة يشمّه، ويتأمّله بكل تفاصيله، ثم يخبّئه في خزانته الخاصة.
دياب فقد والده وهو لم يحظَ بأنْ يراه سوى لأشهرٍ تعدُ على أصابع اليد، وفقده بفعل رصاصة إسرائيلية حاقدة إبان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008-2009، وكان لدياب مع والده قصة عشق يتذكرها جيداً لحظةِ اصابته بالرصاص التي أودت بحياته.
دياب روى تفاصيل القصة التي سمعها عن امه وأعمامه بشيٍ من الألم والحُرقة، يكفي أن تسمع بداية القصة وهو يقول بصوتِ المشتاق "بابا استشهد وهو جاي على المستشفى علشان يشوفني بعد ما اصبت وأنا في الكفولة"، وكان دياب وأفراداً من عائلته أصيبوا في شظايا صاروخ إسرائيلي استهدف منزلاً لأحد جيرانهم في منطقة المُغراقة جنوب مدينة غزة.
"بابا كان في دير البلح، واجا على المستشفى يشوفني وهو في الطريق عند منطقة نتساريم أطلقوا عليه الرصاص، ومكث في المستشفى أيام، ثم استشهد"، وعلى الرغم من الوجع الذي يختلج صدره إلا أنه يشعر بفخرٍ كبيرٍ بوالده؛ كونه استشهد على ثرى فلسطين، وترك له أثراً وسمعة يتغنى بها مدى الحياة.
وعن عشقه الأبدي لوالده، يقول دياب "أنا مش يتيم، أنا بابا عايش جوايا وفي قلبي ومعايا"، لم يكتفِ بالتعبير عن حبه لوالده في تلك المقولة التي تثير دموع العين، بل قال بطريقة عفوية "بابا حلو، بحب أطلع في صوره، بشم ملابسه، وبحلم فيه كتير، حتى إني وضعت صورته خلفية لجوالي".
وتحرصُ عائلة الطفل دياب على أن تبقي ذاكرته حيَّة بوالده، إذ يستذكر دياب أحاديث امه، وجده، وجدته، وأعمامه، عن مآثر وأخلاق والده، "بابا محبوب من الناس، وكان يساعد الكبير والصغير، وسمعته كويسة بين الناس".
وأكثر ما يُسْعِدُ دياب عندما تقول له عائلته أو أصدقاء والده "فيك شبه من أبوك نهاد"، أو عندما يناديه بعض الناس بـ"أبو نهاد" على اسم والده.
وأسفرت الحرب التي استمرت 22 يوما عن استشهاد نحو 1600 فلسطيني (من بينهم 926 مدنياً و412 طفلاً و111 امرأة) وإصابة نحو 5 آلاف آخرين، وأبيدت خلال الحرب عائلات بأكملها من ضمنهم عائلة السموني التي فقدت 29 من أفرادها.