بقلم : فارس عز الدين
انتشرت مؤخرًا مصطلحات تنطوي على دلالات ترتبط بفلسفة مطلقيها، في هذا السياق تم الترويج لمفهوم جديد هو "الحرب الناعمة" كمصطلحٍ موازٍ للحرب الصلبة التي تقوم على القتل والتدمير واستخدام السلاح. هذا المفهوم لا زال موضع اهتمام الباحثين في حقول المعرفة والاستراتيجيات السياسية والعسكرية لحداثته وأهميته في تشكيل الوعي والتأثير على الرأي العام. هذه "الحرب الناعمة" تتقاطع في أهدافها مع الاصطلاحات القديمة كحرب المعنويات وغسل العقول والغزو الثقافي والحرب السياسية.
وبالتالي عندما نتحدث عن قوة ناعمة تريد أن تقتحم بلداننا وتغزو المكون المعرفي والثقافي والقيمي لشعوبنا، إنما نقصد مشروعاً استكباريًا أمريكيًا عبر استراتيجيات مدروسة ومنظمة في مواجهتنا، لكي الوعي عندنا وسلخ مجتمعاتنا عن دينها وأوطانها وثقافتها وانتمائها للأمة بصفتها الكيان الجامع. حيث لجأ أعداؤنا إلى "الحرب الناعمة"، لعجزهم عن الوصول إلى أهدافهم عن طريق الحروب العسكرية، ولقلة التكلفة الباهظة المترتبة عليها. وأيضًا ليسقطونا من داخلنا، بأيدينا وأدواتنا.
في وثيقة قدمتها "مؤسسة راند للأبحاث الدفاعية" التابعة للبنتاغون تحت عنوان: "بناء شبكات إسلامية معتدلة" قدمت فيها توصيات بكسب ود طبقة الشباب، ورجال الأعمال المسلمين، وهذا يضمن إبعادهم عن الأنظمة والحركات التي تسعى لاستنهاض طاقات الأمة وصهرها في بوتقة المواجهة الشاملة. كما تدعو الدراسة إلى ضرورة دعم الإسلام المعتدل -حسب وجهة نظرهم-، ويقصدون بذلك الذين يتلقون الثقافة الغربية برحابة صدر، ويقبلون المشروع السياسي الغربي الذي يتضمن التطبيع مع "إسرائيل" ونبذ فكرة أنها كيان لقيط ونبتة شيطانية وطعنة في خاصرة الأمة، فالاعتدال بالنسبة إليهم ألا يحرّك التابعون "المعتدلون" ساكناً في مواجهة مشاريع الاستكبار.
وفي مجال التأكيد على أولويَّة الحرب الناعمة والتأثير الفكري، يقول "روبرت رايلي" مدير إذاعة صوت أمريكا: "إن الطبيعة الحقيقية للصراع اليوم هو صراع المشروعية في عقول وقلوب الناس والرأي العام، وليس صراع القوى العسكرية، إن الحروب تخاض ويتم تحقيق النصر أو الهزيمة فيها في ساحات العقول والقلوب قبل أن تصل إلى ميادين القتال".
ومن هنا نجد أن الحرب الناعمة صامتة، تحدث دون ضجيج، فلا يسمع فيها أزيز قذائف المدافع ولا أصوات جنازير الدبابات، ولا تستخدم فيها أسراب الطائرات والغارات الجوية. إنها نوع وشكل جديد من الحروب، يتسم بالسرية والتعقيد، ويديرها المختصون عن بعد، وينفذها العملاء والناشطون والشرائح المضللة، وثمرتها احتلال العقول وتبديل القيم، ورغم أن الحرب الناعمة أصبحت مادة تدرس في كلية الدراسات العسكرية لقوات البحرية الأميركية وأنها استراتيجية رسمية للإدارة الاميركية تحت عنوان "المكافحة الناعمة لحركات التمرد" لا يزال البعض في ساحتنا يتجاهل وجودها، أو يشكك بمدى فعاليتها في ضرب وزعزعة أركان جبهتنا.
الحرب الناعمة هي الشكل الجديد من الحروب، الأكثر فعالية، تغيرت فيها المعادلات، فأصبحت الفضائيات المسمومة تعادل سلاح الجو، ومواقع وشبكات الإنترنت تعادل المدرعات، والمدارس والجامعات تعادل الثكنـات والكليات العسكرية. صحيح أن الحرب الناعمة لا تُرى بالإدراك الحسي للوهلة الأولى لكنها تُرى بعين البصيرة وهذا دور مثقفي الأمة والعلماء والساسة، فالمطلوب نموذج المثقف الواعي البصير الذي يكون طليعة مقاومة الحرب الناعمة ولا ينكسر أمام طوفانها وأدواتها المضللة.
إن منظومة الاستكبار التي تملك السلاح والمال العالمي، والتي تدير الحروب وتشعل العالم فتنة من أقصاه إلى أقصاه، وجدت في العناوين الإنسانية المضللة ما يشبع حاجتها من بلوغ الأهداف، وما يطمس الجرائم، ويتعامى عن الحقائق، ويجعل منا شعوبًا هامشية أقصى أهدافها أن تلبى شهواتها وتسعى نحو رزقها وكسرة الخبز المغمسة بذل الصمت أمام مسلسل استهداف هويتنا وحاضرنا ومستقبلنا.
لذلك فإن المرحلة القاسية التي عاشتها أمتنا في السنوات الأخيرة المسماة زورًا "الربيع العربي" جاءت نتيجة جهود خبيثة استمرت لسنوات سابقة كجزء من الحرب الناعمة، وهنا سقط المغفلون في شرك هذه الحرب وأدواتها وداروا في فلكها وتطاحنوا في أتونها حول سراب الديمقراطية وحقوق الشعوب في تقرير مصائرها. وتساوقوا مع المطلب الاستكباري الذي أراد تقسيم الأمة مذهبيًا في جو من الصراع المذهبي المصطنع بين جناحي الأمة السنة والشيعة، وكذلك تقسيم دولنا إلى دويلات متصارعة، بما يضمن حالة الاستقرار للكيان الصهيوني وخلق الأجواء الداعمة للتطبيع معه عبر تحييد كل القوى المقاومة والرافضة للوجود الصهيوني على أرض فلسطين.
المطلوب هو الوعي بحقيقة وطبيعة عدونا وأداوته التي يستخدمها ووسائل تحقيق ذلك، لأنه لو وقعنا في حبائل مكائده فإننا سنقتل ونقاتل أنفسنا بأنفسنا وبسلاحنا وبإعلامنا وبمثقفي الهزيمة الذين تعج بهم الفضائيات والصحف والمجلات ودور النشر والأحزاب السياسية. يجب أن نقف سدًا منيعًا في وجه هذه الحرب التي تدور رحاها على أرضنا وفي إعلامنا لنوقف مهزلة تقرير مصائرنا بمعزل عن إرادتنا، لنصنع لشعوبنا وأمتنا كيانًا قويًا وحضارة واعدة تشرف بها أجيالنا القادمة.