قبورٌ ملتصقةٌ ومتتابعة، برهبةٍ عالية يحفرها الشباب والرجال، يُخيلُ إليكَ في البداية أن مصيبةً أو أمرًا جللًا حلَّ بهذه العائلة، مما دفعها لتجهيز كل هذه القبور، لكن بُعدًا آخرًا كان يدور في أذهانهم، ولربما فكرةٌ جديدة فيها من الإنسانية والعِبر الكثير.
قبور بلا موتى جهزتها عائلة الأسطل في المقبرة الخاصة بها غرب مدينة خان يونس، ضمن مبادرة تكافلية قامت بها، لمساعدة فقراء العائلة ومشاركتهم أحزانهم دون أن يشعروا بالعجز والحاجة.
بدأت قصة المبادرة التكافلية من درسٍ قاسٍ عاشته عائلة الأسطل مثلها مثل عائلات غزة خلال عدوان عام 2014، فمع توالي الشهداء لم تجد العائلة أحجارًا للقبور لدفن شهدائها، ومن الذكريات المؤلمة جاءت مبادرة إنسانية طيبة.
ويقول أحد أفراد العائلة لمراسل "فلسطين اليوم الإخبارية"، أن ثمن تجهيز القبور وشراء الأحجار يدفعه المقتدرون من العائلة كل عدة أشهر، فيتم تجهيز قرابة الأربعين قبرًا جديدًا، في المقبرة التي تبلغ مساحتها 15 دونمًا.
العشرات من أفراد العائلة دفنوا موتاهم دون أن يحملوا همَّ الوضع الاقتصادي الذي وصل لحالة مزرية أصبح الناس فيها لا يجدون قوت يومهم، فيما تأتي المبادرة ضمن عددٍ من النشاطات التي تقوم بها العائلة لمساعدة أبنائها الفقراء.
ويضيف الأسطل: مشاركة ذوي المتوفى حُزنه بأي شكل كان هو أمر عظيم، ويدلل على التكافل العائلي والمجتمعي، داعيًا جميع العائلات في قطاع غزة إلى خلق مبادرات تساعد الفقراء في وقت هُم بأمس الحاجة لذلك.
أما عن تكلفة القبر الواحد فيقول الأسطل أن سعر القبر يبلغ 250 شيقلًا أو أقل قليلًا في الوقت الحالي، وهو مبلغ لا يتوفر لدى الجميع في ظل الأوضاع الصعبة.
ولا يقتصر الأمر على حفر القبور، بل يقوم أبناء العائلة بالاهتمام بنظافة المقبرة من وقت لآخر بشكل تطوعي جماعي، كما يساهم أصحاب مصانع الأحجار في المبادرة من خلال تخفيض أسعار الأحجار الخاصة بالقبور على سبيل المثال.
وتخصص بعض البلديات في قطاع غزة مقابر خاصة للعائلات مثل عائلة الأسطل، كونها واحدة من أكبر العائلات في القطاع.
وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، فإن نسبة الفقر والبطالة في القطاع، في عام 2019، وصلت لما يقارب 75%، إضافةً إلى أن 70 % من سكان قطاع غزة غير آمنين غذائياً.
وترجع الوزارة سبب الفقر إلى يرجع لـ"الممارسات الإسرائيلية العدوانية المتراكمة منذ الانتفاضة الثانية عام 2000، وحرمان الآلاف من أرباب الأسر الفلسطينية من سبل عيشهم، إضافة إلى عجز الاقتصاد الفلسطيني لم يستطع "خلق فرص عمل جديدة تستوعب هذه العمالة غير المدربة".
يضاف إلى ذلك الحصار الإسرائيلي الذي المفروض على قطاع غزة منذ العام 2006، وتقييد حركة المواطنين والبضائع، إضافة إلى ثلاث حروب في الأعوام 2008-2012-2014، بالإضافة للانقسام الفلسطيني والذي أنشأ واقعًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا معقدًا وصعبًا.




