شريط الأخبار

ملاحظات أولية على نتائج الانتخابات الإسرائيلية ..برهوم جرايسي

01:24 - 12 حزيران / فبراير 2009

ـ الغد الأردنية 12/2/2009

من المفترض أن تظهر، اليوم الخميس، النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، التي جرت أول من أمس الثلاثاء، ولكن مهما تكن التغييرات الطفيفة، إلا أن الجوهر من هذه الانتخابات بات واضحا، ويؤكد معالم إسرائيل للمرحلة المقبلة، وعنوانها الرئيسي: أن إسرائيل اختارت مزيدا من التطرف وسياسة الرفض، التي ستقود المنطقة إلى مرحلة أزمة جديدة، إذا لم يكن هناك تحرك دولي ضاغط، غاب كليا في السنوات الأخيرة، ونستعرض هنا بعض النقاط المهمة، التي تشمل التطور المثير أيضا على ساحة فلسطينيي 48.

أولا: فإن تفوق حزب "كديما" بزعامة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، الذي قد يحافظ على حاله، أو يتقلص وحتى يختفي مع استكمال فرز الأصوات اليوم، يجب أن لا يقود إلى أي تفاؤل، وهذا لأن هذا الحزب وزعيمته اعتمدا سياسة يمينية متشددة، أكثر من تلك التي اتبعتها حكومة إيهود أولمرت، وهذا لأن المنافسة الانتخابية كلها جرت في حلبة اليمين، وسط تغييب كلي حتى لما تبقى من خطاب يساري صهيوني، كان يحاول أن يميز نفسه.

كذلك فإن تفوق "كديما" على حزب "الليكود" لا يعني أن يكون بإمكانية ليفني تشكيل حكومة جديدة برئاستها، لأن تكتل أحزاب اليمين المتشدد والأحزاب الدينية من حول حزب الليكود وزعيمه بنيامين نتنياهو، يشكل جسما مانعا، من 64 مقعدا، من أصل 120 مقعدا، ولهذا فإننا سنشهد في الأسابيع القليلة القادمة تحركات سياسية مكثفة في السباق نحو كرسي رئاسة الحكومة.

ولكن في الوقت  نفسه تجدر الإشارة إلى أنه وفق برامج الأحزاب والاصطفافات السياسية الجديدة، فإن أي حكومة ستقوم لن تدفع بإرادتها العملية السياسية في المنطقة، لا بل إنها ستقود مزيدا من التطرف وسياسة الرفض لآفاق الحل.

ومن هنا فإن الأنظار يجب أن تتجه نحو الحلبة الدولية، وما إذا كانت ستقوم بدورها، فإسرائيل عادت اليوم، وكليا، إلى مرحلة نهاية سنوات الثمانين ومطلع سنوات التسعين، قبل أن تتجه إلى أول مؤتمر دولي للسلام، فحتى وإن إسرائيل لم تتقدم من حيث الجوهر نحو حل الصراعات، فإن مجرد وجودها في عملية سياسية قد غير في سياستها شيئا ما، وهي تتراجع عنه اليوم.

ثانيا: إسرائيل أعلنت برلمانيا ورسميا، في هذه الانتخابات أنها توطد عقليتها العنصرية، فالشارع اليهودي صوت بالأساس للأحزاب التي تنتهج العنصرية، أو للأحزاب التي تتواطأ مع هذه الأحزاب ولا تتجرأ على المجاهرة كليا بسياستها العنصرية، وتضم في صفوفها شخصيات لا تقل عنصرية من أحزاب عنصرية أخرى.

فقد اتجهت الأنظار في هذه الانتخابات إلى حزب "يسرائيل بيتينو" اليميني العنصري، بزعامة الإرهابي أفيغدور ليبرمان، الذي حصل حتى الآن على 370 ألف صوت، ولكن هذا العدد سيرتفع إلى أكثر من 400 ألف صوت، يضاف إليها ما لا يقل عن 200 ألف صوت لحزبي المستوطنين، وهذه كمية تعني 19% من الأصوات الصافية التي تتدفق على أحزاب عنصرية مباشرة، ولكن هؤلاء يشكلون أكثر من 21% من أصوات اليهود وحدهم.

ولكن هذا ليس وحده، بل إن حزب الليكود الذي حمل في صفوفه نوابا من أبشع العنصريين، يساهم في رفع هذه النسبة، وكذلك الأمر في حزبي المتدينين الأصوليين، "شاس" و"يهدوت هتوراة"، بمعنى آخر إنه إذ كان في العام 2006 قد صوت 33% من اليهود لأحزاب عنصرية مباشرة وغير مباشرة، فإن هذه النسبة تسجل هذا العام، ارتفاعا إضافيا يحتاج إلى تحليل مستقبلي أكثر.

والأخطر في هذا المجال ليس ارتفاع النسبة فقط، وإنما تصعيد لهجة الخطاب العنصري ضد فلسطينيي 48، فقد اقتصر خطاب ليبرمان الانتخابي على العداء المباشر والحاقد على فلسطينيي 48، وكان جوهر خطابه يدعو إلى ترحيلهم من وطنهم، وكل من صوت له، فقد منحه صوته على هذا الأساس... ولكن.

وهي ثالثا: فلسطينيو 48، الذين حققوا نتائج مشرفة، جاءت ردا مباشرا على تصعيد الخطاب العنصري، وعلى الحرب الدموية على قطاع غزة، إذ نجحوا في كنس ما تبقى من وجود للأحزاب الصهيونية، في الشارع العربي، لتساعد بركة المطر التي أغرقت شوارعنا في غسل ما تبقى من ترسبات ماضية.

ففلسطينيو 48 حققوا في هذه الانتخابات انجازا مهما، رغم كل الظروف التي أحاطت بهذه الحملة الانتخابية، وخاصة الحرب على غزة، التي أدخلت قناعات "عدم الجدوى" من المشاركة في العملية السياسية، ولكن تمت محاصرة هذه الظاهرة، وبلغت نسبة المشاركة حوالي 55% مقابل 66% لدى اليهود، إذ إن الغالبية الساحقة من الذين لم يصوتوا ينبع قرارهم من اللامبالاة.

وقد حققت القوائم الانتخابية الثلاث الناشطة بين فلسطينيي 48 زيادة بعدد أصواتها مجتمعة بلغت 21%، وحققت مقعدا برلمانيا إضافيا، رغم كل المراهنات على تراجع قوتها مجتمعة، فقد حافظت القائمة العربية الموحدة- العربية للتغيير، على قوتها بحصولها على 4 مقاعد، فيما حققت قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة مقعدا إضافيا، لتصبح قوتها من 4 مقاعد، وحافظت كتلة التجمع الوطني الديمقراطي على قوتها من 3 مقاعد.

لقد شهدت الأحزاب الصهيونية اندحارا غير مسبوق، وبلغت نسبتها مجتمعة في كبرى التجمعات السكانية، وحتى الصغيرة منها، ما بين 3% إلى 5%، بعد أن كانت حصتها حتى ماضٍ قريب 25%، وهذا بحد ذاته رسالة واضحة من فلسطينيي 48، في عزمهم مواصلة التحدي والصمود على أرض الآباء والأجداد. 


انشر عبر