ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

بقلم :فايز رشيد

لو عرف آباء الصهيونية، الذين خططوا لإنشاء دولة لليهود في فلسطين، بأن فئات كثيرة صهيونية الانتماء، ستشكك ببقاء وجود هذه الدولة، لاشتغلوا كثيرا في البداية على إقناع الجماعات اليهودية في مختلف البقاع بأهمية وجودها لهم.

ما يحصل فعليا، أنه منذ عشرينيات القرن الماضي بعد المؤتمر الصهيوني الأول، ازدادت الحركة الصهيونية انقساما إلى جماعات، إحداها بقيادة بن غوريون، وهو من اعتُبر زعيما لما يسمى بالصهيونية العمالية، ذات الرؤية الليبرالية، وربط بين إنشاء إسرائيل وديمومة وجودها، وإنشاء دويلات عميلة لها في كلّ من لبنان، الأردن، سوريا والعراق، ومثّل هذا الاتجاه ظهر فيما في حزب العمل.

أما زئيف جابوتنسكي، الذي يعتبر مؤسس للصهيونية التحريفية، والأب الروحي لليمين الصهيوني الأكثر تطرفا، فقد ربط بين استمرارية وجود إسرائيل وبقائها الدائم، وإنشاء دولة إسرائيل الكبرى، وتمثل هذا الاتجاه في حزب حيروت وصولا إلى الليكود، بالنسبة لأصحاب الاتجاه الحريدي (الديني القومي) فقد انقسموا إلى تيارات عدة: اتجاه يرفض وجود الدولة لاعتبارات دينية توراتية (بعد إنشاء إسرائيل بالطبع) مثّلته جماعة «ناتوري كارتا»، وأصحاب دولة إسرائيل الكبرى انقسموا إلى حريديم شرقيين تمثلهم «شاس»، وغربيين تمثلهم عدة أحزاب أهمها «يهودات هاتوراة».

بدورها، فإن كافة هذه الأحزاب كانت عرضة لانقسامات كثيرة، وائتلافات أكثر وانشقاقات متعددة، أثّرت على البنية الحزبية في دولة الكيان. بالتالي، فإن إحدى سمات إسرائيل هو افتقادها إلى بنية حزبية مثل كافة الدول طبيعية النشأة والتشكيل، وبذلك فإن افتقاد هذه السمة تشير إلى عناصر سلبية في استمرارية وجودها. ورغم قيادته المعارضة للتيار الصهيوني الرئيسي، فإن جابوتنسكي كان المهندس الرئيسي للاستراتيجية، التي حدّدت مسار الحركة بأسرها، في المواجهة مع الفلسطينيين والعرب والمؤيدين لهم. إنها استراتيجية «الجدار الحديدي» والاعتماد على القوة، وصولا إلى ارتكاب المذابح، وسياسة الترانسفير للسكان الأصليين، وتحديد المبادئ الأمنية لإسرائيل: خوض الحروب في أراضي الغير، ضرب عناصر القوة لدى العرب، وعدم السماح لهم بامتلاك أدواتها، التي قد تهدد إسرائيل مستقبلا، اتباع نهج الضربات الاستباقية، عقد صداقات عميقة مع الزعماء العرب المؤثرين، إيجاد حلف إسرائيلي عربي، إلهاء الدول العربية بأعداء آخرين غير إسرائيل، إشعال عناصر الفتنة الداخلية في البلدان العربية. لقد تشكلت هذه الاستراتيجيةعلى مراحل: بناء جدار حديدي من القوة العسكرية تحيط بفلسطين، وكان لب هذه الاستراتيجية هو المفاوضات من موقع القوة، عقد اتفاقيات مع من يقبل من العرب بالشروط الإسرائيلية. كانت هذه الأسس الموضوعية لانعقاد مؤتمرات الأمن القومي الاستراتيجي الإسرائيلي فيما بعد، وقراراتها التي تعتبر هاديا للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وقد بدأت مؤتمرات هرتسيليا عام 2000 ولا تزال تنعقد سنويا حتى اللحظة. بالمعنى الموضوعي شكلت هذه الأسس حجر الأساس لسياسة وقرارات ونهج الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، كما الأحزاب أيضا، وسببت نشوء وزيادة التطرف في الشارع الإسرائيلي، ووفقا لإحصائيات كثيرة ففي عام 2025 ستبلغ نسبة المتشددين 57% من اليهود الإسرائيليين.

اتفق بن غوريون وجابوتنسكي عام 1947على ترسيم حدود دولة إسرائيل فقط حين تحقيق أهدافها النهائية (ولم يتطرقا إلى ماهية الهدف النهائي).

ما سبق بحقائقه وتداعياته يؤشر إلى الانحراف الإسرائيلي عن مسار الدول الطبيعية، لإدراك قادتها وسياسييها واستراتيجييها بعدم تشكلها طبيعيا، وإنما بشكل قسري، بالتالي فكل هؤلاء وكل سابقيهم ولاحقيهم وقادميهم سيظلوا يحملون بذور الشك في نفوسهم، ببقاء مثل هذه الدولة باعتبارها عابرة في التاريخ.

قادة إسرائيل الحاليين، رغم الفوارق السياسية الثانوية بينهم، فإن لديهم جميعا قواسم مشتركة تتلخص في رفض حقوق الفلسطينيين والعرب جملة وتفصيلا، إسرائيل بالمعنى الجغرافي، كما يحدد قادتها، تعني كافة أرض فلسطين التاريخية وهي يهودية خالصة، وهي تمارس التمييز العنصري ضد فلسطينيي منطقة 48 لدفعهم إلى الهجرة، كما تعمل على ضم 75% من أراضي الضفة الغربية، وتسنّ القوانين الضامنة لبقاء إسرائيل كـ»دولة يهودية» خاصة باليهود دون غيرهم. وهذا ما حصل في يوليو 2018 حين وافق الكنيست بتصويت كافة ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي (يمين، وسط، وما يسمى بـ»اليسار» باستثناء راكاح والنواب العرب) على هذا القانون، الذي كان بمثابة استفتاء على استمرار اتفاق بن غوريون جابوتنسكي حتى اللحظة، ما يعني أن إسرائيل ماضيةٌ في تحقيق أهدافها بغض النظر عن أي اطروحات وتصورات «سلامية»، يطرحها ويؤمن بها الفلسطينيون والعرب (اتفاقيات كمب ديفيد، أوسلو، وادي عربة، مبادرة السلام العربية، وغيرها من الاتفاقيات الفرعية – ممثليات، مكاتب تجارية ودبلوماسية وغيرها).

إسرائيل تريد استسلاما من كافة الأنظمة العربية والفلسطينيين لشروطها ورؤاها السياسية دون دفع أي أكلاف سياسية. وكمثل على السلوك الصهيوني والاستجابة الرسمية العربية له: لقد كشفت «القناة الـ12» الصهيونية عن مبادرة إسرائيلية، تعرض على الدول الخليجية وتقضي بـ»إنهاء النزاع مع إسرائيل»، والتطبيع الكامل معها، بغضّ النظر عن مصير القضية الفلسطينية. وأضافت القناة: إن وزير الخارجية الإسرائيلي إسرائيل كاتس، عرض المبادرة على وزراء خارجية وممثلين عن دول خليجية، خلال سلسلة لقاءات جمعتهم في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي. وتتركّز المبادرة حول «المصالح المشتركة»، وضرورة «الحدّ من النفوذ الإيراني» في المنطقة، عبر «التعاون الأمني المشترك وتعزيز العلاقات الاقتصادية» في ظلّ إدراك تل أبيب، كما نُقل عن كاتس الذي أكد المتحدث باسمه صحّة ما ورد في التقرير، استحالة إبرام تسوية تُنهي الصراع مع الفلسطينيين. وأشارت القناة إلى أن ردّ الدول الخليجية كان إيجابياً، بل إن الجانبين اتفقا على تشكيل طواقم مشتركة للعمل على دفع المبادرة.

ما سبق يوحي بنجاحات صهيونية مجانية على حساب الحقوق الفلسطينية والعربية، وهذا تكريس للظلم التاريخي الذي حاق بالفلسطينيين وبعض الشعوب العربية، ولم يُعرف في التاريخ أن استمرّ ظلم احتلالي لأراضي الغير. قد يستمر اغتصاب الحقوق عقودا طويلة، لكن مراحل التاريخ متحركة، كما الظروف متغيرة، والعوامل المؤثرة في الصراع أيضا. كان هذا تاريخ فلسطين على مدى قرون طويلة، لكن الغزاة جميعهم رحلو أو رُحّلوا عنها وعن الأقطار العربية. يدرك قادة إسرائيل هذه الحقائق برمتها، كما يوقنون أن أضاليلهم «التوراتية كـ»شعب الله المختار»، أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، افتراء وكذب، ولذلك تملأهم الهواجس بعدم استمرار وبقاء دولتهم.. أي أن الصراع عائد إلى مربعه الأول وأرضيته التاريخية، وهذا ليس ولن يكون في صالحهم…روني دانييل المحلل العسكري في القناة 12 الثانية قال في مقابلة له: «أنا غير مطمئن أن أولادي سيكون لهم مستقبل في هذه الدولة، ولا أظن أنهم سيبقون في هذه البلاد». في السياق نفسه قال المحلل السياسي أمنون أبراموفيتش أثناء تشييع بيريز عام 2016، «هؤلاء الزعماء لم يحضروا لتشييع شمعون بيرس وإنما لتشييع دولة إسرائيل». وهو نفسه الذي قال بعد انتخابات الكنيست الأولى 2019 إن أخطر ملف تواجهه إسرائيل هو ليس ملفات فساد نتنياهو،وإنما ملف خراب إسرائيل. ناحوم برنييع، المحلل السياسي في صحيفة «يديعوت أحرونوت» كتب قائلا:»إنه وخلال سنوات سينتصر العرب والمسلمون، ويكون اليهود أقلية في هذه الأرض إما مطاردة أو مقتولة، وصاحب الحظ هو من يستطيع الهرب إلى أمريكا أو أوروبا. بنيامين نتنياهو نفسه قال في عيد العرش 2017: سأجتهد لأن تبلغ إسرائيل عيد ميلادها المئة لكن هذا ليس بديهيا. إن المتابعة الحثيثة للتفاعلات داخل الشارع والمؤسسات الإسرائيلية كافة، تظهر جدلا حقيقيا متسعا حول مستقبل إسرائيل والصهيونية وبقائهما.