ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

بقلم: ناحوم برنياع

(المضمون: لا يحتمل أن تكون مكانة شخص واحد، مهما كان كفؤا ومقدرا، ان تجر الدولة الى ازمة عضال. في النصف الاول من الستينيات دخلت الساحة السياسية في أزمة مشابهة، بسبب شخص واحد، دافيد بن غوريون، هام ومقدر بقدر لا يقل عن رئيس الوزراء الحالي. الرجل رحل، والدولة بقيت، وليس العكس - المصدر).

 

لاسبوعين انتظر كل طرف في الساحة السياسية أن يتراجع الطرف الآخر أولا. انتظر وانتظر، وأحد لم يتراجع. أما أمس، وقبيل احتفال اليمين القانونية الاضطراري، البشع، للكنيست الجديدة، فقد طلت مؤشرات اولى على الصحوة. فالرئيس، في خطاب حاد، لاذع، حذر أعضاء الكنيست من الثمن الذي سيدفعوه اذا ما دهوروا الدولة الى حملة انتخابات اخرى. وطلب منهم ان "حافظوا على ثقة هذا الشعب".

 

أما نتنياهو، الابداعي مثلما هو دوما، مركز على ذاته مثلما هو دوما، فقد القى الى الفضاء باقتراح انتخابات تمهيدية سريعة في الليكود، أداء قسم جماعي يعطل كل محاولة لاستبدال القيادة. هذه هي القشة الرابعة التي يتعلق بها نتنياهو في الاسابيع الاخيرة. فعشية الانتخابات عمل على انشاء حكومة حصانة. وعندما فهم أن الناخب حرمه من هذا الترف حاول اقناع أزرق أبيض بالانضمام الى ائتلاف يشكل فيه اقلية. يكون هو رئيس الوزراء في السنتين الاوليين، وبعد ذلك، الله اكبر. غانتس رفض، ودفع نتنياهو نحو جولة انتخابات ثالثة بخلاف مصالح زملائه في الليكود. والان انتخابات تمهيدية، وهي ايضا بخلاف مصالح زملائه.

 

عشية الانتخابات في ايلول عقد لقاء مع وسائل الاعلام على سطح فندق، في دراما كبيرة كي يعلن بانه قرر ان يضم لاسرائيل غور الاردن. وكانت الخطة التي عرضها ارتجالية، غير جدية، غير مخبوزة. وعلل الدراما بالحاجة الى الرد الى خطة السلام لترامب والتي ستنشر بعد يومين من الانتخابات. مر اسبوع، مر اسبوعان، ولا خطة سلام ولا خطة ضم. كله حكي. اراد أن يشن حملة عسكرية في غزة قبل يوم من الانتخابات إذ هكذا لا يمكن الاستمرار. الحملة لم تكن ويتبين ان هكذا يمكن الاستمرار. وبالطبع، ايران. امس كاد يستجدي الايرانيين ان يفعلوا شيئا ما، ان يهاجموا هنا مثلما هاجموا في السعودية، مثلما هاجموا في الخليج، المهم ان يتمكن من الاعلان عن حالة طواريء ويشكل حكومة كما يشاء.

 

ليس التهديد الفوري بالحرب هو ما يقلق حاليا جهاز الامن بل الشلل في عمل الحكومة. فالجيش بحاجة الى ميزانية اضافية كي ينفذ خطته للتسلح. ويدور الحديث عن مشكلة حقيقية: الرئيس ألمح بها في خطابه حين تحدث عن "حاجة اقتصادية – امنية". لا توجد هنا اي صلة بمساعي نتنياهو للبقاء. كما أن فكرة الانتخابات التمهيدية اطلقها للحظة وتوقف. اما جدعون ساعر، الذي يفهم شيئا او شيئين في السياسة الداخلية لليكود، فقد سارع للاعلان "انا جاهز". ولحق به اعضاء كنيست آخرون ولكن بهمس. وفجأة يظهر أن الفكرة لم تعد تبدو جيدة بما يكفي: ففي مكتب نتنياهو سارعوا الى وضعها على الرف.

 

من اللحظة التي اغلقت فيها الصناديق كان واضحا بان أحدا لا يمكنه أن يخرج من الازمة فيما يجمع في يديه كل ما يريد. وفي افضل الاحوال سيحصل على نصف ما يريد، او ثلث، او ربع. يئير لبيد كان أول من فعل فعلا: فقد أعلن أمس عن انه يتنازل عن التداول مع غانتس.

 

تنازل عن شيء ما ليس له في كل الاحوال، ومع ذلك كان في بيانه رساله: حان الوقت للنزول عن السلم. هذا ليس السلم الاخير الذي سيتعين على لبيد النزول عنه في الطريق الى تشكيل الحكومة.

 

لقد وعد أزرق أبيض ناخبيه بحكومة وحدة علمانية يكون غانتس أول من يقف على رأسها. على واحد من الطلبين سيتعين على أزرق أبيض ان يساوم. درعي وليتسمان وعدا بان يكونا مخلصين لنتنياهو بالنار وبالماء. هذا ايضا لن يحصل. درعي، الذي في سنواته الاولى في السياسة كان يدخل الى مثل هذه الازمة بقدميه، فيتوسط ويستخدم الحاخامين ويجند الصحافيين، تغير على نحو عجيب. وهو يفضل اليوم ان ينتظر في الخندق الذي بناه له نتنياهو.

 

لعلي اكون مخطئا، ولكن لا زلت اؤمن بانه لن تكون جولة انتخابات ثالثة. فساحتنا السياسية ليست منغلقة الحس جدا لمشاعر الجمهور، وليست فزعة جدا. الازمة الحالية ليست ايديولوجية، ليست اخلاقية وليست وجودية. انها أزمة سياسية. والمسافة بين الحزبين الكبيرين اقصر من مسافة كل واحد منهما عن اقصى كتلته. وهما ينقسمان في هذه اللحظة اساسا حول موضوع واحد. عمليا، حول شخص واحد. لا يحتمل أن تكون مكانة شخص واحد، مهما كان كفؤا ومقدرا، ان تجر الدولة الى ازمة عضال. في النصف الاول من الستينيات دخلت الساحة السياسية في أزمة مشابهة، بسبب شخص واحد، دافيد بن غوريون، هام ومقدر بقدر لا يقل عن رئيس الوزراء الحالي. الرجل رحل، والدولة بقيت، وليس العكس.