لماذا يجب على العرب أن يصوتوا - هآرتس

الساعة 01:54 م|26 أغسطس 2019

بقلم: عبد ل. عزب

(المضمون: لم اسمع في أي مرة أي مثقف عربي يطلب مقاطعة الانتخابات للسلطات المحلية رغم أنها ليست نموذجا للديمقراطية. وأنا اطلب التصويت للمعسكر الديمقراطي من اجل التأثير - المصدر).

احدى الفترات المزدهرة في التاريخ العربي – الاسلامي كانت عندما انضم الى الثورة الثقافية العلمية التي جاءت في اعقاب استقرار الامبراطورية الاسلامية في العصور الوسطى، عشرات العلماء والمفكرين الذين لم يكن أصلهم عربي. لقد كان لعدد منهم اسهام حاسم في تقدم العلوم والفكر، ونتيجة لذلك، تقدم الانسانية بشكل عام. من البارزين منهم كان إبن سينا، الطبيب في مجال الجسد والروح. والفيلسوف والعالم الشهير الخوارزمي، الذي له انتاجات كبيرة، والرياضي العظيم الذي من اسمه اشتقت كلمة "الخوارزمية" في لغة الغرب. ورجل القواعد العربية البارز والشاعر والفيلسوف الزمخشري (1074 – 1143) من مواليد وسط آسيا.

رغم اصله غير العربي، إلا أن كتاب الزمخشري "القواعد العربية المفصلة" ربما يكون كتاب اللغة العربية الاهم والاشمل الذي صدر حتى الآن. في قصيدة من قصائده التي اراد فيها التعبير عن دهشته من أمر ما، قال "أنا مندهش لأن السيوف والرماح، رغم أنها مذكرة، إلا أنها تحيض (تنزف) على أيدي المحاربين/ وما يثير الدهشة عندما تكون في أيديهم فانها تثير الشرار والنار رغم أن أيدي المحاربين مثل الانهار (العرق)/ أن الظبي (المرأة الجميلة) يصيد الأسود (الرجال) وهم يولون هاربين".

لقد تذكرت هذه السطور عند قراءة مقال سلمان مصالحة بعنوان "لماذا يصوت العربي" ("هآرتس"، 21/8). دهشتي واستغرابي لا ينبعان من أن هناك من يدعو الى مقاطعة الانتخابات أو الامتناع عن ذلك، بل من هوية الكاتب. حيث أن الامر لا يدور حول شخص من الحركة الاسلامية الذي يعتبر من قبل زعمائها ومؤيديها "كل أمة الكفار هي أمة واحدة"، لذلك، يجب محاربتها والقضاء عليها. الحديث لا يدور عن عضو في حركة علمانية مثل "أبناء البلد" التي ايديولوجيتها تتلخص بكلمة واحدة هي "لا". وليس مهما ما هو السؤال. ايضا الحديث لا يدور عن شخص ينتمي لتيار المقاطعين المهنيين، الذين يطفون على السطح مثل العلق قبل كل حملة انتخابية. وفي كل مرة يخترعون ذريعة جديدة. ويدخلون الى سبات انتخابي على الفور بعد الحملة.

ايضا يدهشني أن شخص بليغ مثل مصالحة بدأ اقواله بما سماه "تعميم عام" عن ماهية الديمقراطية. ولكن بعد ذلك يتبين أن التعميم غير تقريبي على الاطلاق. وفي الواقع هو يعبر عن جوهر الديمقراطية. مصالحة ايضا محق في قوله بأن اسرائيل هي ديمقراطية زائفة في احسن الحالات.

لماذا اذا، كما يسأل مصالحة، يذهب العربي للتصويت؟ أولا، لسعادته ايضا كبار مؤيدي القائمة المشتركة بدأو باليأس منها (قائمة مشتركة بدون بشرى – عودة بشارات، "هآرتس"، 19/8). هذا تغيير ايجابي ومبارك. المشاركة في الانتخابات هي تعبير عن عقلية ديمقراطية ورفض لنموذج تفكير القطيع، الحمولة، لأنه في الانتخابات للكنيست فان التصويت هو على المستوى القطري.

المجتمع العربي في اسرائيل ما زال يعاني من مرض القبلية، وحقيقة أن القائمة المشتركة تطرح نفسها كخيار وحيد لتصويت المواطن العربي هي أمر غير ديمقراطي بشكل واضح، وتعزز عقلية القطيع وتعيق تحديث المجتمع العربية. ايضا انظمة تسوية الخلافات للقائمة المشتركة وعلى رأسها "لجنة المصالحة"، هي تخليد للعقلية الحقيرة، مع الاخذ في الحسبان بأن اعضاءها لم ينتخبوا بصورة ديمقراطية أو على قاعدة مهنية، وحتى لا توجد امرأة واحدة بينهم. لذلك، هذا ايضا يعتبر تخليد للتفوق الذكوري في الوسط العربي.

اذا واصلنا الدهشة فانه يثير استغرابي سؤال مصالحة "كيف يجب على المواطن العربي الذي يعيش في وطنه والذي في ظروف تاريخية معينة اصبح اسمه اسرائيل، أن يتعامل مع الجنسية التي فرضت على آبائه أو حصل عليها بمجرد ولادته في بلاده؟". كيف يجب أن يتعامل مواطن من الكويت مع جنسيته في دولة اوجدتها الامبريالية البريطانية؟ والاهم من ذلك: لقد تم اقتراح، وربما هذه المسألة ستثار مرة اخرى، تنفيذ تبادل مناطق وجنسيات مع السلطة الفلسطينية التي في اطارها العرب من مواطني اسرائيل سيبقون على ارض وطنهم، لكن يتم ضمهم الى "فردوس فلسطين". الاغلبية الساحقة من مواطني اسرائيل العرب رفضوا هذا الامر تماما.

هيا نشير الى الحقائق الثابتة، وهي ستشكل بالنسبة لنا مخطط لكل العمل. مواطنو اسرائيل العرب يوجدون على اراضيهم وفي وطنهم. وهم معنيون بأن يكونوا مواطنين اسرائيليين، ولا يهم لقضيتنا كيف حصلوا على هذه المواطنة. من هنا فان الاستنتاج بسيط: المشاركة في الانتخابات هي جزء مهم جدا في هذه المواطنة، جزء جوهري وحاسم في الشراكة المدنية مع الاغلبية اليهودية، والطريق الافضل وتقريبا الوحيدة لتحقيق المساواة المدنية.

لقد كنت شابا وكبرت ولم اشاهد أي مثقف عربي مثل مصالحة يطلب مقاطعة الانتخابات للسلطات المحلية رغم انها تجري في معظم الحالات على اساس قبلي عائلي. مثلما في كل حملة انتخابية توجد لنا فرصة للتصويت والتأثير. وهذه المرة نحن مجبرون على فعل ذلك لانهاء كابوس حكم اليمين. اذا خرجنا من جمود القائمة المشتركة الفكري و "رغبة الشعب لديها"، يوجد بالتأكيد لمن نصوت "المعسكر الديمقراطي".