شريط الأخبار

"الفسفور الأبيض" .. مارد الحروب وعنوان ويلاتها

10:39 - 01 حزيران / فبراير 2009

فلسطين اليوم-وكالات

بالرغم من اسمها الناصع، إلا أن مقدرتها على إحالة أجساد البشر إلى قطع كربونية سوداء فاق كل التوقعات، حتى تقديرات من ابتكروها، إنها قنبلة "الفسفور الأبيض"، التي تجرعها سكان المنطقة العربية خلال السنوات الماضية، وكانت أجسادهم مسرحا لتجربتها، وكان آخر من تجرعها هم أطفال غزة ونسائها وشيوخها.

وتشير تقارير عسكرية، إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي، استخدم "قنابل الفسفور الأبيض" بكثافة خلال عدوانه على قطاع غزة، خصوصا في الأيام التي تلت بدء المرحلة البرية من العدوان.

الفسفور الأبيض..ابتكار بشري:

يعتبر مركب الفسفور الأبيض أو الفسفور الرباعي الوحدات "P4" من المواد التي لا تتواجد في الطبيعة بشكل اعتيادي، بل يتم تحضيرها من صخور الفوسفات، لتدخل في تصنيع العديد من المنتجات على اختلاف أنواعها، كمعاجين الأسنان، الأسمدة الزراعية، المشروبات الغازية ومواد التنظيف وغيرها.

كما ويستخدم هذا المركب في مجال التصنيع العسكري لإنتاج قنابل الفسفور الأبيض، والتي من المفترض أن يتركز استخدامها على أغراض التمويه في الحروب، بإخفاء تحركات أرتال الجيوش، لقدرتها على إنتاج سحب كثيفة من الدخان الأبيض تحجب الرؤية، إلا أنها في الوقت نفسه تعد من القنابل الحارقة والمدمرة وبكفاءة عالية.

ويتميز الفسفور الأبيض برائحته المشابهة لرائحة الثوم، وبلونه الأبيض الناصع، عند تواجده بالشكل النقي، إلا أن الشكل المستخدم في مجالات التصنيع المختلفة له لون أصفر، نتيجة امتزاجه مع عدد من المركبات الكيمائية الأخرى.

البيئة... الضحية المستترة:

لا تقتصر مخاطر القنابل الفسفورية على القتل والحرق الذي يطال ضحاياها، بل يمتد تأثيرها إلى البيئة المحيطة، فتتسبب بتلويث الماء والتربة، بعد أن تنهي مهمتها في تلويث الأجواء بدخانها الخانق، وما ينتج عن ذلك من نوبات سعال شديد بين الأفراد، تكون مصحوبة بتهيج في الجلد  والأنسجة المعرضة للدخان، كما هو الحال بالنسبة للفم والحلق والرئتين .

ووفقاً لرأي خبراء في وكالة حماية البيئة الأمريكية، يعد الفسفور الأبيض من المواد الخطرة التي تلوث الهواء، لذا تشدد الوكالة على ضرورة متابعة رصد مستويات مادة الفسفور الأبيض في الأجواء في مختلف أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحديد في المناطق التي تحوي منشآت صناعية تستخدم هذا النوع من المواد، أو في الأماكن التي تضم مرافق تابعة للجيش والتي تشهد تدريبات عسكرية، تنطوي على استخدام ذخيرة تحوي تلك المادة.

ويؤكد مختصون في وكالة المواد السامة وسجل الأمراض الأمريكية؛ أن بقايا مكونات قنابل الفسفور الأبيض يمكن أن تنفذ إلى المياه القريبة من مواضع استخدامها، كما و تستقر في وراسب الأنهار والأحواض المائية المحيطة، بفعل مياه الأمطار التي تعمل على سحب المخلفات الكيميائية من تلك القنابل إلى مجارٍ مائية قريبة، إذ أن قابلية الفسفور الأبيض للتفاعل بسرعة مع الأكسجين في الهواء، يقلل من انتشاره إلى أماكن بعيدة عن مواضع استخدامه.

وبحسب بيانات الوكالة؛ قد يتفاعل الفسفور الأبيض بشكل رئيس - في البيئة المائية - مع جزيئات الأكسجين الموجودة فيها، أو قد يبقى على حاله فترة زمنية تصل إلى عدة أيام دون تفاعل، ليزيد ذلك من فرصة وصوله إلى أجسام الأسماك التي تعيش في تلك المياه، ، ما قد يتسبب بموتها. كما ويهدد ذلك صحة الأفراد الذين يعتمدون على تلك المياه لأغراض الشرب. بالإضافة إلى ذلك  قد يؤدي تلوث المياه إلى نفوق الطيور المائية  التي تعيش في محيطها، كالبط البري.

أما بالنسبة للمياه التي تنخفض فيها مستويات الأوكسجين كالمياه الجوفية وقيعان الأنهار، فتشير المعلومات الواردة في هذا المجال؛ بأن  مركب الفسفور الأبيض يبقى فيها دون أن يتفاعل مع الجزيئات الأخرى، وذلك لفترة قد تمتد لآلاف السنين. أو قد يتحلل إلى غاز شديد السمية يعرف بالفوسفين، وهو يتحول عند تعرضه للهواء إلى مادة  كيميائية أقل سمية.

وتشير تقارير علمية  إلى أنه وبالرغم من القابلية التي يبديها الفسفور الأبيض في التفاعل مع جزئيات الأوكسجين، إلا أن بعض جزيئات تلك المادة  قد لا تتفاعل مع الأوكسجين، بل تصبح محاطة بغطاء يحول دون تفاعلها مع الهواء، ولفترة زمنية طويلة، فتستقر في المياه الجوفية أو الطبقات العميقة من التربة بضع سنوات.

دخان الفسفور الأبيض .. تأثيرات صحية غامضة:

يترافق استنشاق الدخان الصادر عن قنابل الفسفور الأبيض فترة طويلة، أو التعرض المزمن للهواء الملوث بتلك المادة وظهور إصابات وتشوهات في عظام الفك؛ والتي تُسمى  بحالة " Phossy Jaw"؛ وهي تتميز بحدوث ضمور في الأنسجة الطرية والعظام للتجويف الفموي، يرافق ذلك صعوبة في التئام الجروح و تكسر في عظام الفك، بالإضافة إلى نشوء أكياس صديدية (تحوي القيح) في تلك المنطقة، بسبب تفاعل الفسفور مع البكتيريا الموجودة في الفم، الأمر الذي قد ينتهي بالموت في بعض الحالات بسبب نفاذ الالتهاب إلى مجرى الدم. كما وقد يؤدي استنشاق الفسفور الأبيض إلى تلف الأوعية الدموية في الفم.

أما عن تأثير دخان الفسفور على بقية أجزاء الجسم فهو أمر لا يزال يكتنفه الغموض، إذ أن أغلب المعلومات التي جمعت حول تأثير استنشاق هذه المادة على صحة الفرد، تم استقاءها من دراسات أجريت على العاملين في مجال تصنيع منتجات تحوي الفسفور الأبيض، من خلال ما يعرف بالتعرض المزمن للمادة، وبمستويات تنخفض عن تلك التي قد تنتشر عند إطلاق قنابل الفسفور الأبيض.

ومن وجهة نظر خبراء من وكالة المواد السامة وسجل الأمراض، في الولايات المتحدة الأمريكية، فلا يمكن التكهن بمصير ما ينفذ من مادة الفسفور الأبيض إلى الرئتين أثناء استنشاقه، فهو إما أن يستقر في الرئتين أو أن يغادرهما عبر مجرى الدم إلى الانسجة الأخرى.

وفيما يختص بالاحتمال الأول؛ تشير دراسات أجريت على حيوانات مخبرية،  إلى أن استنشاق الفسفور الأبيض قد يؤدي إلى حدوث احتقان في الرئتين، علاوة على تجمع السوائل فيهما. كما وقد يتسبب استنشاق هذا الدخان بنزف داخل النسيج الرئوي.

 

 أما في حال نفاذ الفسفور إلى مجرى الدم، وهو يحدث في الغالب عند المصابين بالحروق الشديدة الناجمة عن التعرض لتلك المادة بعد اشتعالها، فإن ذلك يؤدي إلى اضطراب أجهزة الجسم، ما قد ينتهي بإصابة الفرد بفشل متعدد (يصيب عدداً من أعضاء الجسم كالقلب والكلى وغيرها)، وفقاً لمختصين.

فيما لا يمكن تأكيد نفاذ الفسفور الأبيض عن طريق طبقات الجلد، بالنسبة للأشخاص الذين لم يصابوا بحروق الفسفور الأبيض؛ وذلك لشح المعلومات في هذا الجانب.

مياه ملوثة .. وضحايا جدد:

وطبقاً لبيانات وكالة حماية البيئة الأمريكية فقد يتسبب تناول الفرد مادة الفسفور الأبيض بمخاطر صحية، وهو أمر قد ينتج عن تناول المادة بشكل مباشر، كما هو الحال بالنسبة للتناول العرضي أو المتعمد للسموم التي تحوي تلك المادة مثل الأسمدة، أو بسبب شرب مياه ملوثة بتلك المادة أو تناول طعام ملوث بها.

وطبقاً لمختصين؛ تحدد الجرعة القاتلة من مادة الفسفور الأبيض، التي تصل عبر الجوف، بواحد ملغم لكل كغم من وزن الجسم، فيما يعتبر البعض أن وصول كمية يبلغ مقدارها 15 ملغم من تلك المادة إلى الجوف، قد يفضي إلى الموت المحقق.

وتتفاوت أعراض التسمم بالفسفور الأبيض بحسب الجرعة التي دخلت إلى الجوف؛ ومن تلك الأعراض الغثيان، القيء، آلام في البطن.

كما تمكنت بعض الدراسات السابقة من الإشارة إلى عدد من التأثيرات الصحية الخطيرة، الناجمة دخول مادة الفسفور الأبيض إلى الجوف، والتي تم إجرائها على عدة أصناف من الحيوانات، ومنها حدوث اضطرابات في نمو العظام، وارتفاع معدلات الوفيات بين الإناث الحوامل.

فيما تؤكد مصادر علمية أن انغراس بعض جزئيات تلك المادة أسفل الجلد؛ وهو ما قد يحدث عند من يتعرضون لقنابل الفسفور الأبيض، قد ينتهي بنفاذها إلى الجسم بسبب ذائبيتها العالية في المواد الدهنية.

أما عن تأثير الفسفور الأبيض على ظهور الأورام السرطانية عند الأفراد؛ فيجادل البعض بأن تلك المادة ليست من الكيميائيات المسرطنة، إلا أن المؤكد حول هذا الأمر هو غياب المعلومات الكافية، إذ تعد وكالة حماية البيئة الأمريكية هذا النوع من السموم غير مصنف، فيما يختص بزيادة مخاطر الإصابة بالأورام السرطانية، وذلك بسبب شح الدراسات العلمية التي تبحث في هذا الجانب.

انشر عبر