بقلم: ايال زيسر
(المضمون: الاعتداء على المدون السعودي لم يردعه، وعلى أي حال، فانه لن يردع اولئك الذين سيأتون بعده. فالتقارب بين اسرائيل والعالم العربي لم يعد ممكنا وقفه، على الاقل طالما نجحت اسرائيل في الحفاظ على قوتها ومكانتها في المنطقة - المصدر).
في الاسبوع الماضي وقع ضحية لنوبة غضب فلسطينية مدون سعودي، هو محمد سعود، الذي وصل الى اسرائيل بدعوة من وزارة الخارجية في إطار وفد من خمسة مدونين من الدول العربية. تجول الوفد في ارجاء البلاد بل والتقى برئيس الوزراء نتنياهو، الذي شدد امامهم على أن "اسرائيل هي القوة الوحيدة في الشرق الاوسط التي تمنع انهياره، اذ بدونها كان سيقع في ايدي قوى التزمت الاسلامي – الشيعي الذي تقوده ايران، او ذاك السني الذي تقوده داعش".
ولكن عندما وصل سعود للصلاة في الحرم، تعرض للاعتداء من جموع منفلتة العقال بسبب "خيانته للقضية الفلسطينية". معاملة مشابهة تعرض لها ايضا وزير الخارجية المصري السابق، احمد ماهر، الذي جاء في محاولة للدفع الى الامام بالحوار بين اسرائيل والفلسطينيين في كانون الاول 2003، في اواخر الانتفاضة الثانية، فنال وابلا من الاحذية حين وصل لزيارة الحرم.
من اين ينبع الغضب؟71 سنة بعد اقامة اسرائيل نجدها ليست فقط قوة عظمى اقليمية ذات قوة عسكرية واقتصادية بل ولاعب اقليمي شرعي، بل وحتى شريك وحليف للكثير من الدول العربية. هذه المسيرة من التقارب بين اسرائيل والعالم العربي ليس فقط لا تتوقف بل وبالذات تواصل التقدم بوتيرة سريعة، تحطم الاسوار وبالاساس تحطم مسلمات الماضي. فقد أدت مثلا الى انهيار الفرضية التي تقول انه يمتد فوق عملية التقارب بين اسرائيل وجيرانها العرب سقف زجاجي في شكل النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني، وانه طالما لم يحل النزاع بما يرضي الفلسطينيين، ستبقى علاقات اسرائيل والدول العربية في جمودها.
يفقد الواقع الجديد الفلسطينيين عقلهم بالطبع. فالواحدة تلو الاخرى تفلت اوراق المساومة وروافع الضغط على اسرائيل من ايديهم. والدليل هو أنه في الاشهر الاخيرة تمارس الدول العربية ضغطا على الفلسطينيين للتعاون مع الادارة الامريكية لغرض دفع الاتفاق مع اسرائيل الى الامام – حتى لو كان معنى الامر التخلي عن المطالب الفلسطينية التي كانت في الماضي مثابة "لن تمر حتى ولا على جثتي" بالنسبة لهم.
لما كان الفلسطينيون يحتاجون الى الدول العربية ولا يتجرأون على الوقوف ضدها علانية، لا يتبقى لهم غير التنفيس عن احباطهم على اولئك الافراد في العالم العربي ممن يتجرأون على السير خطوة اضافية – ظاهرا لازمة وواجبة – في محاولة لتطبيع علاقات اسرائيل والعالم العربي او على الاقل الى التعارف بين الشعوب.
"الشارع" في بعض الدول العربية "يتدفق" مع الفلسطينيين، إذ ان العداء لاسرائيل يبقى القاسم المشترك الادنى والقناة لتنفيس الاحباطات في ضوء الوضع البشع للعالم العربي في الداخل وفي الخارج. ويجدر بالذكر ان رفض التطبيع وكل جهد للتعرف على الجار او الخصم، بدعوى أن هذا اعتراف او اعطاء شرعية، يقبع في اساس ضعف العالم العربي، الذي يصعب عليه اللحاق بالتقدم العلمي والتكنولوجي في العالم.
مهما يكن من أمر، فليس لهذا الاحساس أي معنى عملي على القرارات التي يتخذها اليوم الحكام العرب؛ فاحد لا يقترح بجدية الانسحاب من طريق السلام الى الحرب. عمليا، سارع النظام السعودي لمنح الشرعية للمدون الذي تعرض للاعتداء، بل وتكبد عناء نفي المنشورات بان احدا ما في المملكة فكر بسحب جنسيته السعودية منه.
يخيل، بالمناسبة، ان الغضب الفلسطيني كان هذه المرة اكبر من أي وقت مضى، إذ ان الحديث يدور عن السعودية، التي اصبحت هي التي تعطي النبرة في العالم العربي في كل ما يتعلق بالتقرب مع اسرئيل. كما تسعى السعودية لان تحوز الحرم وان تضيفه الى الاماكن الاسلامية المقدسة في مكة وفي المدينة، التابعة لرعاية الملك السعودي. وهذا ما يعارضه بالطبع الاردن، الذي يعيش هو الاخر صراعا مع الفلسطينيين على السيطرة في الحرم. وتراقب كل هذا تركيا ايضا، التي تحاول ان تدفع الى الامام بتواجدها في المدينة وفي الحرم منذ زمن ما.
ان ثمن التوتر والصراع هذا، وكذا الاحباط الفلسطيني، دفعه المدون السعودي، ولكن الاعتداء عليه لم يردعه، وعلى أي حال، فانه لن يردع اولئك الذين سيأتون بعده. فالتقارب بين اسرائيل والعالم العربي لم يعد ممكنا وقفه، على الاقل طالما نجحت اسرائيل في الحفاظ على قوتها ومكانتها في المنطقة.