والفلسطينيون يجدون صعوبة في تصديقه
بقلم: عميره هاس
(المضمون: بيان الرئيس محمود عباس استهدف أن يخلق في اوساط الفلسطينيين الشعور بأنه ما زال لدى السلطة ذخيرة في سلاحها. ولكن في احسن الحالات فان وقف التعاون مع اسرائيل سيجعل السلطة أمر زائد ومن شأنه أن يخلق الفوضى - المصدر).
محمود عباس اعلن في نهاية الاسبوع أن السلطة الفلسطينية ستوقف العمل بالاتفاقات التي وقعت مع اسرائيل في اطار اتفاق اوسلو، كرد على هدم البيوت في المنطقة الواقعة تحت المسؤولية الفلسطينية في صور باهر. ولكن نداء "الذئب، الذئب" هذا سمع مرات كثيرة. الجمهور الفلسطيني يشكك بجدية الاعلان وقدرة القيادة الفلسطينية على تنفيذ هذا الوعد، ليس فقط لأن تغيير جدي كهذا يحتاج الى عمل تحضيري طويل وتخطيط استراتيجي وتنسيق بين المؤسسات المختلفة. لا توجد أي دلائل على أن هذه الامور قد تم القيام بها، وطريقة العمل الاستبدادية لعباس لا تمكن من ذلك. الجمهور منقسم بين الرغبة لتحطيم الأدوات مع اسرائيل وبين الخوف من سوء الوضع المتوقع في الوضع الاقتصادي والاجتماعي بسبب العقاب الاسرائيلي. هو يؤيد الحديث عن الانسحاب من الاتفاقات، لكن ليست له ثقة بالشخصيات الكبيرة الأبدية، الذين من شأنهم أن يقودوا أيضا "المرحلة الجديدة".
بجملة واحدة في نهاية خطاب القاء مساء يوم الخميس قال رئيس السلطة بأنه سيشكل لجنة ستبحث طريقة تنفيذ القرار. البيان اتخذ بعد اجتماع عاجل للقيادة الفلسطينية التي تتشكل من اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف ورؤساء التنظيمات السياسية واعضاء الحكومة. أمس قال أحد
اعضاء اللجنة التنفيذية في م.ت.ف إن اللجنة سيتم تشكيلها "اليوم أو غدا" وستحدد النظام والجدول الزمني لتطبيق القرار.
وحسب اقواله هي ستتشكل من اعضاء اللجنة التنفيذية في م.ت.ف واللجنة المركزية في حركة فتح والحكومة. أحد مستشاري عباس قال إن القصد هو ايضا وقف التنسيق الامني مع اسرائيل.
في السنوات الاخيرة، مؤسسات م.ت.ف قررت عدة مرات وقف العمل باتفاقات اوسلو، بذريعة أن اسرائيل هي التي تخرق وتشوه الاتفاقات كما تريد، وتمد فترة سريانها بصورة مصطنعة. قرار أخير كهذا اتخذ في أيار 2018 من قبل المجلس الوطني الفلسطيني (برلمان م.ت.ف). من الصعب عدم طرح السؤال لماذا لم يتم تشكيل اللجنة في حينه، وعملت من أجل أن تأتي في الوقت المناسب ببرنامج عمل استراتيجي واضح يأخذ في الحسبان كل الأخطار. من الصعب عدم الاجابة بأن القرار دفن مع قرارات احتفالية اخرى سابقة له (مثلا، بشأن وقف التنسيق الامني الذي اعتبره عباس ذات يوم مقدس).
الانطباع هو أنه استل الآن مرة اخرى من اجل تحقيق ثلاثة اهداف: اعطاء الجمهور الانطباع بأنه ما زال هناك لدى السلطة الفلسطينية ذخيرة في البندقية من اجل أن تخلق مرة اخرى مناخ من التوقع والانتظار، ومحاولة ايقاظ دول اوروبا وحثها على العمل.
مناخ التوقع والانتظار ضروري لتبرير استمرار جلوس زعماء فتح القدامى جدا وغير الشعبيين على الكراسي، من خلال تأجيل غير نهائي لانتخاب مؤسسات تنفيذية مختلفة. عباس كالعادة عاد وطلب من الدول اتخاذ خطوات متشددة لوقف سياسة اسرائيل، التي تهدم، حسب رأيه، احتمالات السلام واقامة الدولة الفلسطينية. ولأن هذه الدول تواصل تأييد التظاهر بوجود اتفاقات اوسلو من اجل اقامة الدولة الفلسطينية، هو يأمل عبثا حثها على العمل بالتهديد بالانسحاب من هذه الاتفاقات.
من جهة اخرى، سلوك عباس في السنة الاخيرة يظهر تصميم مستفز ضد اسرائيل والولايات المتحدة – حتى لو كان الامر يتعلق بخطوات قررها وحده، دون التشاور وفحص مسبق. هو يصمم على رفضه أن يتسلم من اسرائيل اموال الضرائب الفلسطينية طالما أنه تم خصم منها قيمة المخصصات المدفوعة لعائلات السجناء الفلسطينيين والسجناء المحررين. هذا القرار المتشدد الذي يحظى بانتقاد مبطن في اوساط اقتصادية – زاد حدة الازمة المالية للسلطة بسبب التقليص.
المصطنع في المدخولات، منذ شباط الماضي موظفو القطاع العام والخاص والعسكري – يحصلون فقط على نصف رواتبهم فقط.
السلطة الفلسطينية ايضا متمسكة بالقرار الذي اتخذ قبل ثلاثة اشهر لوقف تحويل المرضى الفلسطينيين للعلاج في المستشفيات في اسرائيل بسبب الثمن المرتفع الذي تأخذه. القرار الذي لم يكن مدعوم باستعدادات مسبقة، يتسبب بالمرارة والكوارث الشخصية الكثيرة، لا سيما المرضى في غزة. ولكنهم في السلطة، أي عباس، لا يتراجعون. ربما أنه بالتحديد هذه المرة، ومرة اخرى بدون تمهيد الارض المطلوبة، عباس العجوز الذي يعرف أنه يقترب من نهاية حياته، سيوجه من يأتمرون بأمره بوقف التعاون مع اسرائيل.
ولكن ما الذي يعنيه ذلك بالضبط؟ في احسن الحالات وقف التعاون حسب اتفاقات اوسلو يجعل السلطة الفلسطينية أمر زائد، التي تحولت الى وسيط تنفيذي بين السلطة الفلسطينية واسرائيل التي تسيطر وتقرر. ايضا اذا وافقت اسرائيل على تنظيم حياة السكان الذين يوجدون تحت سيطرتها بشكل مباشر، فان النقص في موظفي الادارة المدنية سيسبب الفوضى. وفي اسوأ الحالات اسرائيل سترفض التعاون مع القرار الفلسطيني. والفوضى ستكون اكثر خطورة. هل كبار شخصيات فتح الذين يحتلون مواقع رئيسية في مؤسسات السلطة مستعدون للتنازل عن التسهيلات الممنوحة لهم من قبل اسرائيل مقابل أدائهم المخلص؟ هل في ظل غياب السلطة العاملة تستطيع اجهزة الامن الفلسطينية مواصلة الحفاظ على النظام والامن في المناطق الفلسطينية؟ من اجل اثارة ثقة الجمهور، على اسئلة كهذه واسئلة كثيرة اخرى كان يجب على القيادة الفلسطينية التفكير فيها والاجابة عليها قبل وقت طويل من استلال هذا البيان القتالي.