شريط الأخبار

البحث عن.. ".. معتصماه". ..علي عقلة عرسان

08:11 - 30 تموز / يناير 2009

 

في بداية حديثي اليوم أتوجه بتحية تقدير لرئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان وللشعب التركي الذي استقبله فجر أمس الجمعة 30/1/2009 في مطار استانبول، بأعلام فلسطين رمز قضيتها العادلة ورمز الإنسانية والحرية والصمود.. تحية تقدير له على موقفه المشرف من الإرهابي شمعون بيريس مرتكب جرائم "قانا" و"غزة" وغيرهما، مدنس السلام بحمله جائزة نوبل للسلام، والكذاب الأشر، وعلى موقفه من منتدى دافوس وانحيازه الأعمى للصهيونية الذي تمثل هذه المرة في إدارة الأميركي الصهيوني "ديفيد اغناسيوس". لقد كان موقف أردوغان وموقف بلاده وموقف الشعب التركي في أثناء العدوان الصهيوني على غزة مشرفاً وإنسانياً ومنصفاً للضحية من الجلاد، للدم من السيف.. على عكس مواقف عرب كانوا ومازالوا بكل أسف مع الجلاد الصهيوني ضد الفلسطيني الضحية، ومع أعداء أمتهم ضد قضاياها العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين، أو محايدين في هذا الصراع غير المتكافئ.

لقد استشرى الافتراء في دافوس ولم يجف دم الأطفال والنساء بعد في غزة، ولم يُكشف ردم البيوت والمساجد والمدارس عن أجساد بعض الضحايا، ولم يُعرف مصير مفقودين ومعتقلين في قبضة الكيان الصهيوني.. ركام الدمار في غزة بلا حدود، والحصار على أهلها مستمر ويزداد، والكلام عن تحميل الضحية مسؤولية فتك الجلاد بها يمتد ويشتد، وقوى الاستعمار الدولية تتعاون وتكون قوة بحرية تعمل من مضيقي هرمز وجبل طارق حتى بحر غزة، وأخرى برية في الجهة الجنوبية لتستكمل حصار غزة المقاوَمة وخنقها بذريعة منع ما تسميه " تهريب الأسلحة " إلى مقاوميها حماية لأمن إسرائيل؟؟.. كل ذلك يجري وأهل غزة في العراء، والمعابر إليها لم تفتح، والغذاء والدواء لا يصلان إليها بالقدر الكافي لمواجهة الكارثة الكبرى هناك.. أما البدء بإعادة إعمارها فمؤجل إلى ما بعد تصفية ملفات الخلاف والصراع والعداء والتنافس الكريه والهراء والاهتراء.

 صوت المعتدي يعلو وصوت الضحية يُكتم.. وأهل المراتب السياسية والاقتصادية والمالية والإعلامية يصفقون للمجرم ولا يكترثون للجريمة.. قتل الأطفال الفلسطينيين بالدبابات الإسرائيلية مقبول غربياً، وهو لا يشبه عند رأس كيان الإرهاب شمعون بيريس قتل يهود في معتقل، فاليهودي من فصيلة أخرى فوق الناس والقوانين.

عندما تسمع الصهاينة يتكلمون أو تقرأ ما يكتبون تدرك بأن الانحطاط الذي ينطوي عليه سلوكهم وتنبع منه أحكامهم وقراراتهم ناتج عن تربية وثقافة وعقيدة متجذِّرة في نفوسهم، هي العنصرية المصفاة، والعدوانية المستبيحة لدم الآخرين وحقوقهم وأملاكهم ومقدساتهم وأوطانهم مجسدة بأجلى صورها.. وتلك حالة مرضية مزمنة لا يمكن الخلاص من نتائجها المدمرة للحس الإنساني والعقل النظيف والمنطق السليم إلا بنقض معمارها الفكري والعقيدي والاجتماعي كلياً وإصلاح من كان وما زال ضحية لها، ينطلق منها في ممارساته ويجعل الآخرين ضحية له بسببها.. والمدخل إلى ذلك اعتراف المريض بمرضه ورغبته في المعالجة  والشفاء مما هو فيه.. وذلك ما لم يبلغه الصهيوني حتى الآن ولن يبلغه فيما يبدو. إن اليهودي ابن بيئة ثقافية تقوم على تلمودية سياسية أساسها العنصرية والغطرسة والادعاء الكاذب، وعندما يعتنق الصهيونية وينخرط في مشروعها يصبح المصاب الذي لا شفاء له من تورم نفسي سرطاني بامتياز.

المجرم الملوث ظاهراً وباطناً، جسداً وروحاً، بدماء أطفال "قانا" و"غزة" وغيرهما من المجازر التي ارتكبها الصهاينة ضد اللبنانيين والفلسطينيين على الخصوص.. شمعون بيريس كاذب حتى النخاع في دافوس ومدرسة في الافتراء ولتزوير، وهو في منطقه العجيب لا يساوي بين قتل وقتل، فالقتل يختلف حسب المكان وحسب اليد التي تقتل، ذلك لأنه تربى على أساس أن الدم البشري لا يتساوى؟ إنه لا يساوي حتى في القتل، هناك فرق كما يقول.. فمن يقتلون في معتقل " يعني معتقلات النازية ضد اليهود" لا يشبه قتلهم قتل الآخرين.. أي من يقتلهم الجيش الصهيوني، المجرد من الأخلاق، بتدمير بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم فوق رؤوسهم، ومن يجمعهم ذلك الجيش في بيوت أو مدارس ثم يقتلهم بالقذائف والرصاص!؟.. إذن الحكم على القتل لدى بيريس يرتبط بالمكان.. هو يريد أن يضع اليهود فوق الآخرين، وأن يضع مأساتهم على يدي النازيين فوق مآس الشعوب، وأن يحتلب تلك المأساة أكثر مما احتلبها هو وسواه من الصهاينة طوال خمسة وستين عاماً!؟ .. القتل يختلف، حسب العقل اليهودي من يد إلى يد، فهناك قتل رحيم على يد الصهيوني بتدمير البيوت على رؤوس الأطفال والنساء وهم في غرف نومهم، وهناك قتل على يد غير اليهود تدفع ثمنه أمة لا علاقة لها بالأمر، على مدى قرن من الزمان، هو قتل يهودي في معسكر اعتقال على يد نازي؟.

انظروا كيف يفكر العقل العنصري الإرهابي المريض.. ألا يشكل هذا أكبر إهانة للعقل والضمير البشريين السويين؟ ألا ينحط هذا النوع من التفكير بالعقل البشري ويوجه إهانة له؟ أليس هذا هو أكبر انحطاط في الخلق والمعيار والقيم الخلقية الإنسانية، وأكثر تدبير العقول المنحطة شراً وإثماً وبؤساً؟ إنه لكذلك.. أوَلَم يقف هذا النوع من التفكير والتدبير وراء المجازر وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها وترتكبها الصهيونية ضد العرب والفلسطينيين منذ ما قبل دير ياسين وكفر قاسم إلى ما بعد جنين وغزة.. مروراً بقانا وصبرا وشاتيلا وبحر البقر وتصفية أسرى الحرب المصريين في سيناء وتشريد الشعب الفلسطيني منة وطنه التاريخي؟ أليس هذا النوع من التفكير والتدبير هو عار على العقل البشري وإنسانية جمعاء؟.. ببساطة هذا النوع من العقل اليهودي الصهيوني وسخ، وتكوينه الثقافي والأخلاقي فاسد بامتياز.

المعتقلات النازية التي يشير ليها بيريس دام أطولها عمراً، في أثناء حرب عالمية كلفت لبشرية خمسين مليون ضحية، ثلاث سنوات كحد أقصى، مثل أوشفيتز وبوخنفالد.. إلخ وهي عند شمعون بيريس لا تشبه معسكرات الاعتقال والسجون الإسرائيلية التي تعج بالمعتقلين الفلسطينيين الذين قضى بعضهم أكثر من ثلاثين سنة تحت التعذيب، وخرج منها فلسطينيون إلى المقبرة.. وللتذكير نشير إلى بعض تلك المعتقلات والسجون:

1 ـ معسكرات اعتقال: نخل، أبو زنيمة، القصيمة، وادي موسى "الطور"، سانت كاترين، العريش "قبل تحرير سيناء". المسكوبية، معسكر اعتقال النقب: معسكر اعتقال أنصار 2 في غزة ـ  ومعتقل أنصار 1 في لبنان "قبل تحرير الجنوب".

 2 ـ سجون: غزة المركزي، بئر السبع المركزي، عسقلان المركزي، الرملة، كفار يونا "بيت ليد"، عوفر، تلموند، نفحة، الدامون ـ  والخيام " قبل تحرير جنوب لبنان".

والمعتقل الأكبر غزة الذي يضم مليون ونصف مليون إنسان من مختلف الأعمار يقبعون هناك تحت ظلم الاحتلال وحصاره وقصفه المستمر، في أسوأ أحوال يمكن تصورها، ومنذ عقود طويلة من الزمن. والجندي شاليط، أسير الحرب المزدوج  الجنسية "الفرنسي ـ الإسرائيلي"، وكلهم في الكيان الصهيوني تقريباً من مزدوجي الجنسية، يزيد في أهميته عند اليهود والأميركيين والأوربيين وحتى في مجلس الأمن لولي، على أحد عشر ألف معتقل فلسطيني يقبعون في المعتقلات والسجون " الإسرائيلية" منذ سنوات وسنوات ولا تلفت مآسيهم الأنظار أبداً.. فأولئك من فصيلة أخرى.. من " الغوييم"؟!. والأطفال الفلسطينيون الذين يُقتلون بالدبابات الإسرائيلية والصواريخ والقنابل الفسفورية وقنابل الدايم الأميركية، والجرحى الذين يزيدون عدد المقعدين والمعوقين في مجتمع فلسطيني يشل حياته ونموه الاحتلال.. لا يشبهون أبداً، ولا يساوون بأي حال، بضعة عشرات من القتلى والجرحى اليهود الذين سقطوا بصواريخ المقاومة على مدى ثماني سنوات؟!. وهلع اليهودي أو اليهودية من صاروخ قسام لا يساوي هلع الأطفال والأمهات الغزاويات من الصواريخ المطورة لطائرات إف 16 وقذائف دبابات المركافا؟! وتهريب الغذاء والدواء وحتى الذخيرة للمحاصرين في غزة وضع يتنادى له الأميركيون والأوربيون وحلف شمال الأطلسي والدول الحليفة لهم، وعرب ممن يخزون العرب، ليمنعوه حماية لإسرائيل ونصرة لها، في حين تُعطى "إسرائيل"، دولة الإرهاب المعتدية المحتلة، كلَّ أنواع الأسلحة والذخائر، إضافة إلى تصنيع السلاح النووي وتطويره.. لكي تستمر في ارتكاب المجازر وتستكمل مسلسل إبادة الشعب الفلسطيني وقتل الأبرياء الذين تحتل أرضهم وتحاصرهم وتعتقلهم وتصفي وجبات منهم كل يوم.. وتتوسع في أرضهم وفي ملاحقتهم إلى أبعد مدى.؟! إسرائيل "تدافع عن نفسها" بكل أنواع الأسلحة وكل أشكال القوة، وتتصدى لمن تحتل أرضهم وتحاصرهم وتبيدهم، أعني الفلسطينيين ولا سيما الواقعين الآن منهم في معتقل بين البحر والصحراء، لأنهم يضربونها بدمهم ولحمهم وحجارتهم وبما صنعوه بأيديهم من أسلحة بدائية.. إنها ترميهم بمئات الأطنان من القنابل والصواريخ الأميركية المتطورة وتعوض فوراً، أما ضحيتها فيحاصره العالم ليمنع عن كل شيء من الرغيف إلى الرصاصة. "إسرائيل" الكيان الصهيوني: المحتل والمعتدي والمهاجِم والقاتل يوضع في موضع الدفاع عن النفس ويُعطى الحق في القتل ويحمى من العواقب والنتائج.. وأهل غزة في معتقلهم الكبير إرهابيون يهاجمون إسرائيل في بيوتهم ومساجدهم ويعتدون عليها في وطنهم؟!.. أليس هذا منتهى العار لما يسمى المجتمع الدولي وللحضارة الغربية ولمن يسكت عليه؟!.

كل الحقائق والمفاهيم والقوانين وأساليب المحاكمة والمعايير والقيم شُوِّهت وزُوِّرت وقُلبت رأساً على عقب في عالم عجيب مقلوب رأساً على عقب!؟ لقد شُوِّه كل شيء على أيدي الكذَبة والإمبرياليين والمستعمرين والطغاة والإرهابيين الحقيقيين والمتآمرين.. الذين يشنون حروباًً على الشعوب والقيم والحريات والقوانين وعلى العدالة ذاتها.. ثم يتدخلون وسطاء بين أنفسهم وضحاياهم ليكملوا المهم الإجرامية؟!. لقد قُلبت الدنيا على أيدي الكذَبة. والناس حتى في مستوى دافوس " الرفيع"، يصفقون للمعتدين الملوثة أيديهم بدم أطفال غزة مثل الإرهابي بيريس.. [[" برافو".. أبطال، لقد قتلوا المزيد من العرب.. إذن فهم على حق، ويستحقون التحية والحماية وجوائز السلام..؟!]] .. أي جوائز الظلم والظلام. ولم لا..؟؟ لم لا يكون العالم مهتزاً وكئيباً إلى هذا الحد وأكثر؟ ألا يقف رسميون عرباً مع المعتدين ويصافحونهم ويمدونهم في أثناء عدوانهم، حتى هذا الأخير المستمر على غزة، بالغذاء الطازج الذي تنتجه الأيدي والأرض العربية.." فاصولياء وبازلاء وفول.. و..,.. "، وبالطاقة.. " النفط والغاز"، وبالوقت الكافي لقتل غزة واجتثاث المقاومة، وبالدعم السياسي والدبلوماسي " مجلس أمن، ومبادرات آخر لحظة، وإفشال قمم عربية قد تنصفهم وتقف معهم ولو بالكلام.."، وبغطاء إعلامي توفره فضائيات وصحافة وثقافة مكشوفة الولاء لحرب الصهاينة والإمبرياليين متحالفين مع عرب ضد المقاومة والشعوب والحقوق والحريات وإرادة التحرر.؟! لم لا يفعلون ذلك؟.

لا أحد ينتظر من عدوه الرحمة، العدو الصهيوني وحلفاؤه على الخصوص لا يعطون إنصافاً ولا صداقة.. العدو يريد تحقيق أهدافه بكل الوسائل، وهو يعلن ذلك، ولكننا لا نريد أن نسمع أو لا نريد أن نفهم.. ونحن نشاركه في انتهاك حرمة دمنا، وحقوقنا، وكرامتنا.. أو نسهل عليه ذلك، ويعمل بعض أبناء جلدتنا على رفع الخسة اليهودية ـ الأميركية إلى مراتب "إنسانية وحقانية"؟.. إننا نبيح هويتنا ومصالحنا وعقيدتنا وثقافتنا وحضارتنا ووجودنا ذاته.. نحن الذين نزين وجه المجرم ونغطيه بقناع براءة.. نحن الذين نساهم في استباحة حياة أطفالنا ونسائنا ومدنيينا وأرضنا ومقدساتنا.. لأننا ما زلنا نعيش حرب داحس والغبراء، ونتصرف بحاقة حتى لا أقول بغباء.. نعم نحن نهين أنفسنا ونستهين بدمنا.. لأننا لا نهيئ أنفسنا للدفاع عن النفس والحق، ولا حتى عن السلام الذي نقول إنه " خيارنا الاستراتيجيي الوحيد؟!".. نحن لا نسعى إلى امتلاك قوة محررة من السيطرة ولتبعية ولوصاية، تحمي وتحرر وتردع.. قوة بالمعنى الشامل للقوة: علمية وعملية، عسكرية واقتصادية وتقنية وثقافية..إلخ، وليس لدينا أي توجه استراتيجي نحو امتلاكها.. إننا نهرب من الواجب، ونحتمي بالعدو، ونقول ما لا نفعل، ونفعل ما لا يليق.. وحين " نفزع" على صوت المنادي الغارق في الدم وتأخذنا النخوة، نفكر بعد فوات الأوان، ولا نصل إلى المكان المناسب في الوقت لمناسب، لكي ندفع الموت ونردع العدوان.  

 

 

ضعفنا وتمزقنا هو الذي جعل صوت الفجور هذا يعلو ويعلو ويترسخ ويكرس وقائع وحقائق منذ قرن من الزمان في هذه الأرض المنكوبة بوجود الصهاينة فيها؟

القلب يدمى، والصوت لا يصل، وإن وصل لا يؤخذ به.. نحن العرب لا تقصنا الأفكار ولا الإمكنيات ولا الطاقات ولا الأموال والثروات والاستعداد للتضحيات.. نحن تنقصنا الإرادة السياسية، والرؤية التاريخية الواعية والانطلاق من ثوابت الأمة عقيدياً وقومياً، بإرادة عربية واعية لواقعها وأهدافها.. إرادة ليست إرادة المستميت على حكم وكرسي ومكسب، بل إرادة البناة الكبار لأجيال حاضرة والقادمة، ولأمة وأمنها ومستقبلها ومجدها.

أختم بعد هذا الهم والغم والبؤس بنكتة قد تفتح باب التفاؤل بالضحك.. ويقول بعض الشطار إن الضحك مفتاح باب الفرج من الهم والغم. يحكى أنه في أثناء العدوان الصهيوني المستمر على غزة سمع حاكم عربي مستنفِر نداء رجال ونساء من أهل غزة يقولون.. "وا معتصماه.. وا معتصماه..".. فاستدعى الحاكم المسؤولَ الأعلى عن الأمن في بلده وقال له.. سمعت بعض أهل غزة ينادون.. وا معصماه، وأخشى أن يُحدث هذا بلبلة في البلد.. أحضر "معتصماه.." هذا فوراً وضعه في السجن إلى أن تنتهي أحداث غزة.. وإذا خشيت أن يحدث ثورة في داخل السجن فأمره بأن يسكت أو نسلمه لإسرائيل. وذهب المسؤول الأعلى يبحث عن " معتصماه..".. وما زال يبحث عنه.     

دمشق في 30/1/2009

                                                   

انشر عبر