بقلم: تسفي برئيل
(المضمون: الفيلم الاغلى في تاريخ السينما المصرية يمتدح بطولة الجيش في حرب الايام الستة ويشير الى العدو الحقيقي، اسرائيل - المصدر).
100 مليون جنيه مصري هي تكلفة اخراج الفيلم الجديد "الممر". هذا هو الفيلم الاغلى في تاريخ السينما المصرية، لكن يبدو ايضا أنه الاكمل. خلال اسبوعين فقط حصد الفيلم مداخيل تبلغ 30 مليون جنيه مصري (6 ملايين دولار) من بيع التذاكر. الفيلم يعرض في السعودية ودولة الامارات، وتم شراءه من عدد من الدول العربية. منتخب كرة القدم الوطني شاهده وحزب السلطة "مستقبل مصر" قام بتوزيع 6 آلاف تذكرة على سكان حي الجمالية الفقير في القاهرة "من اجل تجذير حب الوطن والقومية في اوساط الشباب والعائلات المصرية، وتقديرا للقوات المسلحة المصرية ورجال الشرطة". الجمهور الواسع يستمر في التدفق الى دور العرض السينمائية والخطاب العام في الشبكات الاجتماعية حول الفيلم يتعاظم.
الفيلم يتناول الفترة ما بعد حرب الايام الستة وحرب الاستنزاف. وهو ينتقد وصف نتائج الحرب كهزيمة لمصر. وحسب الرواية التي يحاول صياغتها المخرج وكاتب السيناريو المعروف شريف عرفه، فان "النكسة"، الهزيمة المصرية في الحرب، نبعت بسبب فشل مؤسساتي وليس بسبب فشل الجيش أو الشعب.
عرفه هو مخرج معروف في مجال السينما المصرية. ومن بين عشرات الافلام له التي هي في معظمها سطحية وليست لها اهمية سينمائية مميزة، هناك ايضا افلام ساخرة نقدية مثل "الكباب والارهاب" لعادل امام، الذي يمثل فيه دور البطولة. الفيلم الذي عرض في 1992 وتم فيه عرض معاناة المواطنين المصريين الذين يتم اجبارهم على قضاء ساعات وايام في وزارة الداخلية (المجمع)، الذي يطل على ميدان التحرير، من اجل القيام بعملية بيروقراطية بسيطة، تحول بعد عشرين سنة الى أحد رموز ثورة الربيع العربي. بأثر رجعي، هناك من يعتبرونه التمثيل الاصيل للمعاناة التي أدت الى تطورات العصيان المدني. ايضا افلام اخرى لعرفه مثل "طيور داكنة" و"حليم"، عن المطرب عبد الحليم حافظ، حصلت على جوائز عالمية وشعبية جماهيرية واسعة.
ولكن عرفه رغم أنه شارك في المظاهرات ضد نظام حسني مبارك في ميدان التحرير، اعتبر دائما خادم للنظام وتم وضعه مع آخرين كثيرين ضمن المجموعة التي يتم الاستخفاف بها، "فنانو النظام"، وتم تبنيهم من قبل وزارة الثقافة وحظوا ليس فقط بالتقدير، بل ايضا بميزانيات سخية.
يبدو أن "الممر" هو فقط استمرار طبيعي للسجل السينمائي للمخرج، الذي يعرف من أين تؤكل الكتف. شركة الانتاج "سنرجي" التي استأجرت خدماته تعود لشركة بملكية الحكومة. وفي هذه السنة أنتجت معظم مسلسلات شهر رمضان. التمويل الكبير الذي يغطي تكلفة فنانين مشهورين مثل احمد عز واياد ناصر من الاردن، في دور الملازم دافيد، المعروف بقسوته والذي يطلق النار من اجل المتعة على الجنود المصريين، يمكن أن توفره فقط شركة لها ظهر اقتصادي قوي مدعوم من الحكومة.
ولكن اساس الاستغراب لا يرتكز على قرار الشركة وقرار عرفه اخراج فيلم كهذا، بل التوقيت. النقاد السينمائيون في مصر يرجعون دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي للفنانين في 2017 الى وضع مضامين قومية في انتاجاتهم. "في السنوات السبعة الاخيرة كل شيء تجمد"، قال في حينه السيسي في لقاء له مع مراسلين ورجال من الجيش. "قبل ذلك كانت الحكومة تتدخل في المضامين ووضعت قيم في صناعة التلفزة والاعلام... نحن نأمل أن نعود الى نفس النهج".
السيسي، يجب القول، لم ينتظر حتى 2017 من اجل "صب" المضمون. لقد قام بالرقابة على كل شيء، بدء من الافلام ومرورا بالبرامج الساخرة وانتهاء بالكتب. لكن روح التوجيه تم استيعابها جيدا لدى المنتجين، كما كان يمكن رؤية ذلك في النتاج القليل من مسلسلات شهر رمضان وفيلم "الممر". في السنوات الاخيرة لم يعد بالامكان ايجاد افلام تعالج بصورة ثاقبة ونقدية ظواهر اجتماعية قاسية مثل العلاقة بين المسلمين والمسيحيين والفقر ومستوى التعليم المنخفض ومكانة المرأة. قيم العائلة والعلاقة بين السعادة ومستوى الحياة والدين (بشرط أن يكون هذا هو الدين المعتدل طبقا للمواصفات الفنية للسيسي)، إن التوق للمعرفة وحب الوطن هي المواضيع الرئيسية التي تحظى بمعالجة سينمائية وتلفزيونية.
ولكن "الممر" ليس فقط مجرد ملصق يصور ثانية الجنود المصريين كشباب مستقيمين يحبون الوطن، ومستعدين للتضحية بحياتهم من اجله. الفيلم يذكر الشعب المصري بالعدو الحقيقي. صحيح أن عرض ضباط وجنود اسرائيليين كساديين، أو على الأقل أن ايديهم سهلة بالضغط على الزناد ليس جديدا. السينما المصرية ايضا حتى الذي تجرأ على انتقاد النظام وعرض اخفاقاته في الحروب، صور دائما الجيش الاسرائيلي واسرائيل كوحوش يحبون الحروب ومتعطشين للاراضي. ولكن بعد أن "كشف" السيسي في مقابلة تلفزيونية بأن اسرائيل ومصر تتعاونان عسكريا بصورة وثيقة في الحرب ضد الارهاب، وعلى خلفية التقارير بأن اسرائيل تنفذ هجمات في الاراضي المصرية بمصادقة مصر، كان يمكن التوقع انه على الاقل النغمة السينمائية تجاه اسرائيل التي يمليها النظام ستحظى بتخفيف معين. ولكن في كل ما يتعلق باسرائيل فان خط الدفاع الذي وضعه المثقفون والفنانون والصحافيون لا يعترف بالتغيرات السياسية. حماة الاسوار هؤلاء سيواصلون الدفاع عن بلادهم وعن مكانتهم كرأس لسهم النضال من اجل تحرير فلسطين.