بقلم: تسفي برئيل
(رغم تبادل الاتهامات يبدو أن واشنطن وطهران غير معنيتان بحرب. ولكن الطريق الى طاولة المفاوضات تمر عبر صياغة الخطوط الحمراء للولايات المتحدة وتفصيل المقابل الذي تعرضه).
لقد مر اسبوع على اسقاط الطائرة المسيرة الامريكية من قبل الايرانيين في سماء الخليج، ولم تحدث أي عملية جديدة في المنطقة، اذا لم نعد هجمات الحوثيين في اليمين على المطارات في جنوب السعودية. الهجمات الغامضة على ناقلات النفط - التي على الاقل بالنسبة لواحدة منها يطلب اتحاد الامارات اثباتات اخرى على أن ايران هي المسؤولة عنها – حلت محل حوار الكلمات الشديدة. الادارة الامريكية حظيت بتشخيص طبي ايراني كـ "ينقصها العقل"، ايران تهدد بأنه اذا مست الولايات المتحدة سيادتها ثانية فان ردها سيكون أشد بكثير "بعد التجربة الناجحة في اسقاط الطائرة المسيرة"؛ في حين أن الرئيس الامريكي ترامب وعد بـ "تدمير شامل" لايران اذا حاولت الاشتباك مع قواتنا.
خلال ذلك، كل طرف يؤكد بأنه لا يريد الحرب. ترامب يكرر مطالبته باجراء مفاوضات مباشرة مع ايران، وهي من ناحيتها ترفض الاقتراح لأنها لا تثق بالولايات المتحدة. ولكن الساعة لا تتوقف. أمس دخل الى حيز التنفيذ تهديد ايران بزيادة كمية اليورانيوم المخصب بمستوى 3.7 في المئة الى ما بعد 300 كغم المسموح لها بها حسب الاتفاق النووي. المرحلة الثانية يمكن أن تدخل الى حيز التنفيذ في 7 تموز. في حينه، تهدد ايران، بأنها ستخصب يورانيوم بما يتجاوز النسبة المسموحة وربما حتى الوصول الى 20 في المئة – اذا لم تجد دول اوروبا الموقعة على الاتفاق حل عملي لتجاوز العقوبات.
ليس لأي طرف من الطرفين في هذه الاثناء استراتيجية مرتبة للمواجهة، ليس فقط في مسألة العمليات التي وقعت في الخليج، بل بالاساس ازاء الخرق المتوقع للاتفاق النووي. رئيس فرنسا، عمانويل ميكرون، اجرى هذا الاسبوع محادثات متواصلة مع الرئيس الايراني حسن روحاني ومع الرئيس ترامب، التي حاول فيها تهدئة التوتر وتقليل خطر المواجهة. لقد وعد ترامب علنا بأن فرنسا تعارض أن تحصل ايران على السلاح النووي، في حين أنه يسوق لروحاني جهوده لتطبيق النظام الاوروبي البديل للتجارة والذي لم ينجح حتى الآن في الانطلاق.
ليس فقط بين الدول العظمى الاوروبية وبين الولايات المتحدة يجري صراع لي الاذرع في مسألة الاتفاق النووي. داخل الادارة الامريكية نفسها يسود عدم اتفاق حول الطريقة التي يجب فيها استمرار العمل ضد ايران، سواء على المستوى التكتيكي أو المستوى الاستراتيجي الذي يتعلق بالاتفاق النووي. احدى نقاط الخلاف وغير الوحيدة، تتعلق بمسألة التصريح الموجود لدى ايران لتطوير المشروع النووي للاغراض السلمية. هذا التصريح يستند الى ميثاق منع انتشار السلاح النووي الذي وقعت عليه طهران. وعلى البنود في الاتفاق التي تسمح لها بصورة صريحة بامتلاك اليورانيوم المخصب لاغراض البحث وانتاج الكهرباء. هذا نشاط تقوم به في مفاعل بوشهر ومفاعل اراك ومفاعل بوردو.
مستشار الامن القومي الامريكي جون بولتون هو رأس الحربة في صياغة السياسة ضد ايران. بولتون الذي يستند الى الدعم السياسي للسناتورات الجمهوريين تيد كروز ومارك روبيو، يطلب من الرئيس الغاء هذا التصريح، وبهذا يستكمل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي. وزير الخارجية مايك بومبيو، من الصقور المتشددين، يعارض الغاء هذا التصريح بسبب الخوف من أن تنتج ايران بنفسها الكميات المطلوبة لها. في المقابل، دول اوروبا تأمل أن استمرار منح الاذونات من قبل الولايات المتحدة من شأنه أن يدلل على استعداد ابقاء على الاقل اجزاء من الاتفاق على حالها. وعدم تحطيم كل الأدوات.
في هذه الاثناء وافق ترامب على مواصلة منح التصاريح، لكن مع تحديد فترة الزيارات لفحص الانحراف عنها كل 90 يوم بدلا من 180 يوم، كما نص الاتفاق. يبدو أن التناقض في أن ترامب انسحب من الاتفاق لكنه يواصل تطبيق بنود فيه، لا يقلقه. هذا هو تناقض هامشي نسبيا مقارنة مع التناقض الكامن في مطالبته باجراء مفاوضات مع ايران بعد أن انسحب من الاتفاق – رغم حقيقة أن ايران طبقت بنود الاتفاق بشكل كامل. ربما أن قرار طهران زيادة كمية اليورانيوم المخصب سيحدد مصير الاذونات، لكن اذا قرر ترامب الغاءها فانه فقط سيعزز ادعاء ايران بأنها بالاجمال تنتج ما يحق لها انتاجه حسب الاتفاق.
في ظل غياب استراتيجية سياسية أو عسكرية - باستثناء التهديد بمهاجمة المنشآت النووية الايرانية التي على الاقل حسب تصريحات ترامب، يسعى الى الامتناع عنها – ليس من نافل القول فحص ايضا مغزى العقوبات الجديدة التي فرضها على ايران. حسب اقوال وزير المالية ستيفن ميلوتشن، فان فرض العقوبات على الزعيم الاعلى لايران علي خامنئي، ينبع من مكانته كمتخذ القرارات الاعلى، واعتباره المسؤول عن تشغيل حرس الثورة الايراني الذي اعتبرته واشنطن في نيسان الماضي منظمة ارهابية. ميلوتشن اوضح أن الزعيم الاعلى يسيطر على صناديق وممتلكات تقدر بأكثر من 200 مليار دولار وتستخدم، ضمن امور اخرى، لتسليح ايران وتنفيذ نشاطات عسكرية خارج الدولة.
يمكن التساؤل لماذا ترددت الادارة الامريكية حتى الآن قبل أن فرضت العقوبات على خامنئي، لكن الاكثر اهمية هو معرفة أنه في أيدي ايران قدرات اقتصادية ضخمة يمكنها أن تسمح لها بادارة شؤونها اليومية لفترة زمنية طويلة حتى موعد الانتخابات القادمة للرئاسة الامريكية في تشرين الثاني 2020. في ظل غياب اشراف حكومي ومعطيات مكشوفة عن اسلوب استثمار اموال صندوق خامنئي – الذي تم تأسيسه في عهد الخميني من اجل تمويل ترسيخ الثورة الاسلامية – سيكون من الصعب تنفيذ هذه العقوبات. كما أن جزء كبير من هذه الاموال مودعة في ايران. العقوبات على وزير الخارجية محمد جواد ظريف تضع ترامب على مسار المصادمة مع الامم المتحدة – حيث أن معناها يمكن أن يكون منع تأشيرة الدخول عن طريق غرض المشاركة في الجمعية العمومية، وهي خطوة غير مسبوقة تعارض ميثاق الامم المتحدة.
يتمسكون بالعقوبات
إذا تمسك ترامب بالعقوبات كوسيلة لاقناع ايران بالجلوس على طاولة المفاوضات، سيصعب أن نفهم منه الى أي اتفاق يسعى. قبل سنة تقريبا عرض بومبيو وثيقة الـ 12 نقطة التي تضمنت المطالب التي على ايران تنفيذها في كل المجالات من اجل أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات عنها. التفسير المقبول يقول إن الـ 12 طلب يمكن تقسيمها الى ثلاث فئات.
الفئة الاولى هي مطالب تستطيع ايران الموافقة عليها. وهذه تشمل على سبيل المثال كشف البرامج النووية العسكرية لها التي سبقت التوقيع على الاتفاق النووي. هذه معلومات يمكن الحصول عليها أصلا من الوكالة الدولية للطاقة النووية – إلا اذا كانت الولايات المتحدة تريد "اعتراف" ايران بأنها طورت برامج نووية عسكرية. مثال آخر هو المطالبة بالوصول الفوري الى المنشآت المشتبه فيها في كل ارجاء ايران – وهو بند يوجد الآن في الاتفاق النووي، لكنه يمنح طهران فترة زمنية مدة 24 يوم من اجل الاستجابة لهذا الطلب. وهناك مطالب مشمولة في هذه الفئة مثل اطلاق سراح مواطنون امريكيون أو ذوي جنسيات مزدوجة من السجون الايرانية، وهو طلب من شأن ايران قبوله بدون صعوبة كبيرة؛ وقف المساعدات لطالبان في افغانستان – التي تمنحها ايران، ضمن امور اخرى، من اجل الدفاع عن نفسها من نشاطات ارهابية لداعش، ولكن حسب ادعاء الادارة الامريكية تستهدف هذه المساعدة تشجيع طالبان على المس بالقوات الامريكية؛ وكذلك المطالبة بأن توقف ايران التهديد لحلفاء الولايات المتحدة، لا سيما اسرائيل والسعودية، وتهديد المرور في مضائق هرمز.
الفئة الثانية تشمل بنود ستجد ايران صعوبة في تنفيذها مثل وقف تدخلها في الشؤون الداخلية في العراق وتمويل المليشيات الشيعية العاملة هناك. أو على سبيل المثال وقف المساعدة للحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان وسحب القوات الايرانية من سوريا. الفئة الثالثة تتميز بأنها طلبات ترفض ايران الاستجابة لها لأنها تمس بقلب امنها القومي. وهذه تشمل اغلاق منشأة المياه الثقيلة في اراك ووقف انتاج البلوتونيوم لاغراض عسكرية؛ وقف انتاج وتطوير صواريخ بالستية ذات قدرة على حمل رؤوس نووية متفجرة، وحل قوة القدس بقيادة قاسم سليماني.
هذه المطالب فقدت مع مرور الوقت اهميتها. ومؤخرا ترامب لا يذكرها عندما يتحدث عن الرغبة في اجراء محادثات مع ايران. ربما كان يمكن التحدث مع طهران حول الجزء الاكبر من هذه الطلبات دون الانسحاب من الاتفاق النووي، من خلال بناء علاقات ثقة تستند الى اعتماد اقتصادي مع الغرب بدلا من العقوبات والتهديدات. ولكن ما لا يجد له تفسير أو تفصيل هو الخطوط الحمراء للولايات المتحدة، وعن أي طلب يمكن أن يكون ترامب مستعد للتنازل ومقابل ماذا.
هل مثلا سيوافق على أن يبيع لايران طائرات قتالية مقابل وقف مشروع الصواريخ الذي يخدمها كبديل للضعف التام لسلاح جوها؟ هل سحب قواتها من سوريا مهم بالنسبة له اكثر من اعترافها بوجود برنامج نووي عسكري ليس له اهمية اليوم؟ وما الذي هو مستعد لتقديمه مقابل ذلك، حيث لا يبدو أن ايران ستكتفي برفع العقوبات الذي وعدت به في الاتفاق النووي وستطلب اضافة هامة، بحيث أنها اذا وافقت على اجراء مفاوضات يمكن للنظام عرض انجازات ملموسة وأن لا تظهر كمن خضع للضغط الامريكي.
في هذه الاثناء تطرح ايران موقف مشابه للموقف الفلسطيني الذي يقول إن مجرد الموافقة على اجراء المفاوضات مع الولايات المتحدة يعتبر استسلام، اذا لم يكن هزيمة. ولكن طهران سبق واثبتت في السابق أنها تعرف كيف تجد صيغ ذات سحر عندما تقرر تغيير سياستها مثل تعبير "مرونة بطولية" الذي وضع الاساس للمحادثات حول الاتفاق النووي. "أنا أتفق مع ما اعتبرته قبل سنوات "مرونة بطولية"، لأن هذه المقاربة جيدة جدا وضرورية في حالات معينة، طالما أننا نتمسك بمبادئنا"، قال خامنئي في 2013. في حين أن منصور حقيقة بور الذي يشغل الآن منصب مستشار رئيس البرلمان الايراني اوضح في حينه بأن "تحسين العلاقة بين ايران والولايات المتحدة سيكسر العمود الفقري للكيان الصهيوني والانظمة الرجعية في الشرق الاوسط". اجل، هذا هدف ايراني جدير الذي ربما يستحق من اجله اجراء مفاوضات مع ترامب.