بلاد صغيرة بشنب.. يديعوت

الساعة 06:24 م|28 يونيو 2019

فلسطين اليوم

بقلم: اليكس فيشمان

(لقاء مستشاري الامن القومي الثلاثة في إسرائيل هو رسالة للوعي العالمي بمكانة إسرائيل. ولكن اللقاء بين بولتون ورئيس لجنة الطاقة الذرية الاسرائيلي كان محط اهتمام خاص وموضع تساؤل).

مع أن اسرائيل فضلت ان تحجب مسألة لقاء مستشار الامن القومي جون بولتون في بداية هذا الاسبوع برئيس لجنة الطاقة الذرية زئيف شمير في اسرائيل، غير أن الادارة الامريكية حرصت على نشر أمر الزيارة. ففي كل ما يتعلق بالنووي الايراني، يسبح بولتون كالسمكة في الماء. فالصراع ضد "الاشرار" هو أمر في روحه. في1991، بصفته مساعدا لوزير الخارجية الامريكي في ادارة بوش الاب شارك في قرار مجلس الامن لاستخدام القوة ضد العراق. في 2001، بصفته نائبا لوزير الخارجية لشؤون رقابة السلاح والامن القومي تحت ادارة بوش الابن، كافح بشكل مهووس كي يشدد الصراع ضد النووي في كوريا الشمالية وايران. بصفته محافظا من النوع القديم فانه يواصل القتال ضد امبراطورية الشر السوفياتية السابقة والروسية اليوم. اما هذا الاسبوع فبصفته مستشارا للامن القومي لترامب، فقد اوصاه باستخدام القوة العسكرية ضد ايران.

بولتون، مؤيد لاسرائيل في كل ضلع من جسده، سبق أن زار اسرائيل مرتين هذه السنة. والجولات التي يجريها كبار مسؤولي الادارة الامريكية الى الشرق الاوسط هي جزء من مفهوم "الادارة عن كثب" – اي ان يكونوا قريبا من مكان الازمة لغرض التأثير. طيرانه هذا الاسبوع مع رئيس الوزراء الى الشمال لمشاهدة العدو المشترك، كان فرصة لبولتون لان يرضي غرور نتنياهو. بالمناسبة، فان هذا بالضبط ما يفعله هذه الايام وزير الخارجية مايك بومباو في دول الخليج على خلفية الازمة في الخليج الفارسي.

يعتقد بولتون بان بوسعه بان يحقق المصلحة الامريكية من خلال استخدام الروافع العسكرية. واسرائيل من ناحيته هي شريك كامل. اما ترامب بالمقابل فلا يزال يؤمن حاليا بالحرب الاقتصادية. وعلى حد فكره، فان الاقتصاد الامريكي، بحجم 21 تريليون دولار، قادرة على أن تحقق انهيارا لكل عدو يقف في طريقها. كلاهما ذوا نزعة قوة، والوسائل وحدها هي التي تختلف. حاليا.

قصة غرام روسية – أمريكية

لقد جرى لقاء بولتون مع خبراء الذرة الاسرائيليين على خلفية قمة ثلاثة رؤساء مجالس الامن القومي – الامريكي، الروسي والاسرائيلي – التي عقدت هنا، ولكنه كان ربما اهم من القمة نفسها.

كدرس من السلوك تجاه ادارة اوباما، فان التنسيق بين اسرائيل والولايات المتحدة بالنسبة للخطوات التي ينبغي اتخاذها اليوم في ضوء التهديد الايراني لاستئناف المشروع النووي هو امر حرج. فمن ناحية اسرائيل، بولتون هو الشخصية المالية لهذا الحوار بين الدولتين ويتم التنسيق مع مستويين. الاول الدبلوماسي، هو في داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا. فالدولتان تعملان بالتنسيق قبيل انعقاد مجلس الامناء المرتقب في ايلول، حين سيرفع تقرير عن خروقات اتفاق التجريد من السلاح النووي في الدول المختلفة. اما المستوى الثاني فهو مستوى عملي لمنظومة الضغوط السياسية، الاقتصادية والعسكرية على ايران، كي لا تكسر هذه الاتفاق. معقول جدا الافتراض بان زئيف شمير عرض على بولتون معلومات عن استعداد النظام الايراني لخروج عن شروط الاتفاق والمعاني التي لهذا الامر. اذا كان ثمة قسم عملي لزيارة بولتون في اسرائيل فهو يتعلق باليوم التالي لخرق الايرانيين للاتفاق النووي.

لقد كان بادر الى لقاء المستشارين الثلاثة على اراضي اسرائيل رئيسان معاديان لديهما قاسم مشترك واحد: كلاهما يريدان ان يريا نتنياهو يواصل الحكم. ترامب يريد ذلك بسبب الشراكة الشخصية والايديولوجية بينه وبين رئيس الوزراء. كما ان لبوتين اسباب عملية تماما. ففي الماضي اشتكى بانه مل من أنهم في الغرب يغيرون الحكام صبح مساء ولا يمكن تنفيذ اي سياسة. ولهذا فهو مرتبط جدا بالمستشارة ميركيل. ونتنياهو، من ناحيته، هو زعيم معروف يمكن عقد الصفقات معه لزمن طويل.

قبيل الانتخابات الاخيرة فكر نتنياهو بان يجلب الرئيسين الى قمة في اسرائيل، الا ان اسقاط الطائرة الروسية في سوريا في السنة الماضية أدى الى سحب الخطة. ما تبقى منها هو بادرة بوتين وترامب الطيبة في شكل لقاء بين مستشاري الامن القومي الثلاثة.

سواء في الولايات المتحدة ام في روسيا شعروا بانه حان الوقت للبدء في تحسين العلاقة بينهما. وكانت القمة في اسرائيل ترتيبا مريحا. بحث الروس عن سبيل لاستئناف الحوار مع الامريكيين في ضوء تراكم الازمات الدولية واثار العقوبات الاقتصادية على روسيا. وبعد أن عرض المحقق الخاص مولر استنتاجاته عن التدخل الروسي في انتخاب ترامب – كان بوسع الامريكييين ايضا ان يستأنفوا الاتصالات دون أن تحوم فوق رؤوسهم سحابة من الشبهات.

عندما يستعرض الروس والامريكيون خريطة النزاعات التي يشاركون فيها على وجه البسيطة، يفهمون بانه لا يمكنهم ان يتقدموا في مسائل فنزويلا، كوريا الشمالية، القرم او ليبيا. الموضوع الوحيد الذي يوجد فيه امكانية كامنة للوصول الى توافق ما هي المسألة السورية – اللبنانية. للروس مصلحة في استقرار حكم الاسد والبدء باستخراج الغاز من المياه اللبنانية وهم ايضا لا يسعدهم التطلعات الايرانية في سوريا وفي لبنان. ويريد الامريكيون انهاء المواجهة في سوريا والانصراف منها دون أن تتضرر مصالحهم، واسرائيل تريد أن يطير الايرانيون من هنا. اما المستشارون الذين جاءوا الى القمة في اسرائيل – بناء على طلب نتنياهو، هكذا على الاقل يدعي وزير الخارجية الروسي سيرجيه لافروف – ليسوا في مستوى اصحاب القرار. يمكنهم ان ينقلوا الرسائل، وهذا ما فعلوه.

ان الافكار العلنية لبولتون ورئيس مجلس الامن القومي الروسي، نيكولاي بتروشوف، لم تلتقي هذه المرة ايضا. فبولتون مؤيد متحمس لسياسة اسرائيل الحازمة في سوريا يرى في اسرائيل مثالا على الطريقة التي ينبغي ان تعالج بها دول مثل ايران. اما من ناحية الجنرال المتقاعد بتروشوف، الذي في ماضيه كان رئيس جهاز الامن الفيدرالي الذي خلف الـ كي.جي. بي فان ايران ليست المشكلة بل الحل. ومثلما قال وزير الخارجية لافروف عشية المؤتمر الثلاثي: "عندما وافق الرئيس بوتين على طلب نتنياهو عقد اللقاء شدد على أن هناك حاجة للتركيز على تنفيذ قرار 2254 لمجلس الامن". بتعبير آخر، يريد الروس تنفيذ القرار لاخراج القوات الاجنبية من سوريا – باستثناء ايران وروسيا اللتين دعيتا من قبل الاسد. اما اسرئيل فتصر على أن "القوات الاجنبية" هي بالاساس ايران.

يتحدثون بصوتين

ناحية اسرائيل كان هذا اللقاء بالاساس موضوع مكانة ووعي. فقد بث رسالة للعالم، وبالاساس للايرانيين، عن مكانة اسرائيل في الساحة الدولية. وهذا بالضبط ما ازعج الروس. من اللحظة التي بدأ فيها تنظيم القمة لم يتوقفوا عن الدفاع عن الايرانيين والتزلف لهم كي يوازا الانتقاد الذي تعرضوا له في أنهم يبيعون مصالح الصديقة ايران لاسرائيل والولايات المتحدة. وفي ختام اللقاء أصدرت وزارة الخارجية الروسية بيانا قيل فيه ان روسيا تقف بشكل مطلق خلف الشعب الايراني الصديق وحكومته.

وكان موضوع عملي صغير واحد آخر في زيارة بولتون الى اسرائيل. فقد التقى بتروشوف وبولتون ثنائيا ايضا، بدون الاسرائيليين. وكانت هذه فرصة لان يستوضحا فيما بينهما قائمة المواضيع التي سيبحث فيها بوتين وترامب في لقاء العشرين الكبار في اوساكا في اليابان. وافاد الروس بان بولتون وبتروشوف تحداث عن الاستقرار النووي. اي القصة الايرانية والقصة الكورية الشمالية. كما بحث الرجلان بمسائل تتعلق بفنزويلا واوكرانيا. أما مسألة اسرائيل – سوريا – ايران فانها حتى لم تذكر هناك.