بقلم: غادي تاوب
(النظام المميز لإسرائيل: محكمة تدافع عن حقوق الأقليات بثمن إلغاء واقع وجود سيادة للمواطنين، الاغلبية والاقلية على حد سواء).
بني بيغن غضب من مقالي وجلس ليكتب رد غاضب بنفس أسلوبه المميز، الذي يحول التواضع إلى شكل من أشكال الغطرسة ("هآرتس"، 7/6). ولكن النغمة المستخفة لم تكن بالضبط في مكانها مع الاخذ في الحسبان المستوى المطلوب. حيث أنه اكثر مما ساهم بيغن في النقاش هو اعطى مثال لماذا يستمر النقاش التخبط في مياه ضحلة: الصياغة الخالية من المضمون والصارخة بشأن هذه المواضيع تتواصل كسلسل من ردود الفعل العكسية التلقائية، وتضع المرة تلو الاخرى ثنائية كاذبة بين "السمو المطلق" للسلطة القضائية وبين "استبداد" الاغلبية من جهة اخرى.
هذا في النهاية أحد الأسباب الرئيسية في أن بدائل من النوع الدارج في ارجاء العالم الغربي لن تظهر في النقاش. في اقسام العلاقات العامة ولدى بيغن ايضا يحبون الدفاع عن الصلاحية غير المحدودة للمحكمة، التي لا مثيل لها في أي ديمقراطية سليمة، وكأنه ليس هناك أي طريقة اخرى للدفاع عن الاقلية من استبداد الاكثرية (بالطبع لا يميلون الى سؤال من الذي يدافع عنا من استبداد الاقلية للقضاة).
لهذا يبدو لبيغن أن المثال الذي فيه دافعت المحكمة عن اقلية مقابل اكثرية، يمكنه بطريقة ما أن يحسم النقاش. مفهوم أنه مرغوب فيه أن تستطيع المحكمة القيام بذلك. والسؤال هو فقط هل من اجل ذلك يجب أن تنقل لها السيادة نفسها. معظم الديمقراطيات السليمة تجيب بـ "لا".
ربما أن بيغن ببساطة لم يكلف نفسه عناء قراءة مقالي حتى نهايته، قبل أن يسارع الى نشر ريش اخلاقه في مكان عام آخر، بالتأكيد كان يعرف أنني ايضا اعتقد ذلك. أنا لا أستبعد ضرورة وجود محكمة عليا قوية وراسخة، الجمهور يثق بها، من اجل الدفاع من خطر استبداد الاغلبية. ما قلته هو أنه "من اجل الدفاع عن حقوق الاقلية ليس هناك حاجة الى أي شيء عدا الذي يوجد في معظم الديمقراطيات".
من يريد الدفاع عن الترتيب الغريب الذي يميز اسرائيل، يجب عليه أن يشرح لماذا فقط عندنا الدفاع عن الاقلية من شأنه أن يكلفنا الغاء واقع سيادة المواطنين، الاغلبية والاقلية على حد سواء. لماذا فقط عندنا بدلا من كوابح وتوازنات بين السلطات الثلاثة، مطلوب تفوق مطلق لواحدة منها، التي تمتلك اضافة الى ذلك حق الفيتو على تعيين اعضائها. وهو يجب عليه ايضا أن يشرح لماذا هذا التركيز للقوة في ايدي سلطة واحدة لا يخلق خطر جديد للاستبداد.
ولكن من يريد فقط أن يحظى بالتصفيق من قبل من سماهم اهارون براك، دون أي ذرية سخرية، "الجمهور المتنور" – يوجد لي صديق يسميهم الكليشيهات العليا – يمكنه دائما أن يضع شخص ما ضعيف يسمى "سلطة الاغلبية"، وأن يسقطه بسعادة قانونية عالية، مثلما فعل بيغن. في المقابل، من يريد أن يهبط الى جذور مشكلات الديمقراطية الاسرائيلية سيضطر الى مواجهة هذه المسائل بشكل جدي. بيغن لا يقوم بمناقشة ذلك بشكل عام. وبدلا من ذلك هو يقوم باطالة الحديث عن كيف تم شطب مادة من قانون القومية بفضل شخص عقلاني واحد، هو نفسه، الذي وقف صامدا حفاظا على العدل.
القصة طويلة، لكن النتيجة قصيرة. استنتاج بيغن هو أنه مطلوب "رقابة اخرى" على الكنيست، و"هذه الرقابة" يتم تشغيلها من قبل المحكمة العليا. ولكن ما هي حدود صلاحيات الرقابة؟ من يقوم بتعيين المراقبين؟ هل مطلوب رقابة ايضا على المحكمة وباسم من ستدار هذه الرقابة؟ ("مباديء المقاربة الاساسية؟ ضمير القاضي؟ قوانين الاساس؟). الشيطان موجود في التفاصيل. ولكن لماذا نحن ننشغل بصغائر الامور عندما يكون بالامكان الاعلان عن انتصار اخلاقي، ويكون بالامكان حل كل المسائل الهامة بكلمة واحدة هي "رقابة"؟. يؤسفني جدا، لكن هذه رائحة لا تحتمل، اذا كنا ننوي اجراء نقاش جدي.
اذا كان يمكن في نقاش كهذا الفوز بمساعدة مثال واحد لامع، كما يبدو لبيغن، كان يمكن اذا لشخص ما الادعاء بأنه فقط السلطة التنفيذية هي التي تدافع عن الاقليات، حيث أن الامر الاهم الذي تم فعله لصالح عرب اسرائيل في العقود الاخيرة هو قرار الحكومة 922. هذا القرار يعادل كل قرارات المحكمة العليا معا، بما فيها قرار تعديل التمييز في ميزانيات بلدات التطوير التي ارتكز عليها بيغن في ادعاءاته.
قرار 922 عمل على تغيير نظام تخصيص الموارد لسنوات كثيرة لصالح الوسط العربي بخطوة واحدة للتمييز المعدل. بالطبع، الادعاء وكأنه يوجد لذلك دليل على أن السلطة التنفيذية هي وحدها تحافظ على حقوق الاقلية، سيكون ادعاء غبي ليس اقل من الادعاء الذي أسس عليه بيغن مقاله. ومن اجل التحلية لماذا لا نقوم بالتوقيع باقتباس تبدو نغمته مناسبة؟ لو أن السيد بيغن قد تناول بصورة أقل فضيلة الاشارة وبدرجة اقل جوهر الموضوع، لكان بالتأكيد سيلاحظ أنه ليس من الحكمة أن ينهي مقاله بهذا الاقتباس المحدد الذي يدحض موقفه ويعزز موقفي. بيغن اقتبس القاضي الامريكي لويس برندايس الذي أكد أنه يجب توزيع القوة بين السلطات الثلاثة لأن تركيزها بدرجة مبالغ فيها في سلطة واحدة يمكن أن يؤدي الى الاستبداد. هذا بالطبع تحذير في مكانه تجاه الذين يعتقدون مثل بيغن بأن تركيز صلاحية الحسم النهائي في كل موضوع – صلاحية الرقابة التي ليس لها حدود واضحة – في أيدي قضاة قرروا من جانب واحد أنه بالنسبة لهم كل شيء قابل للحكم فيه، هذه وصفة مقربة للاستبداد الذي منه بالضبط يحذر برندايس.
بالنسبة لي أنا سأكون سعيد اذا عادت السلطة القضائية الى ابعادها المعتادة في الديمقراطيات الاخرى حسب رؤية القاضي برندايس، ولكن هذا بالطبع لن يحدث طالما أن الاشخاص الذين يعتقدون أن كل شيء قابل للمحاكمة يمتلكون صلاحيات "رقابة"، التي ستبقى هي ذاتها غير مراقبة.