شريط الأخبار

الإدارة الأميركية الجديدة والشرق الأوسط الجديد ..رضوان السيد

01:51 - 27 حزيران / يناير 2009

ـ الحياة 27/1/2009

يصل هذا الأسبوع الى المنطقة السيناتور جورج ميتشل مبعوث الرئيس الأميركي الجديد باراك اوباما. وكانت آخر زيارة له الى المنطقة في العام 2000 حيث سعى وقتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد فشل إدارة الرئيس كلينتون في اجتراح تسوية بين الفلسطينيين (ياسر عرفات) والإسرائيليين (إيهود باراك)، والذي ترتب عليه وصول بنيامين نتانياهو الى رئاسة الحكومة في إسرائيل، ونشوب الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وانصبّت محاولة ميتشل على فرض تهدئة بين الطرفين، بانتظار توجهات الإدارة الأميركية الجديدة (الرئيس بوش). لكن محادثاته بين الطرفين على الأرض ما أثمرت شيئاً، كما أن إدارة بوش ما أخذت بشيء من مقترحاته في التقرير الشهير الذي قدمه. فقد اختار بوش وقتها ألاّ يتدخل في الوساطة من جديد، بسبب «المقاربة الخاطئة» للرئيس كلينتون، والتي جرّأت عليه الطرفين، وبخاصة الطرف الفلسطيني، كما قالت سائر الأخبار يومها. وحدد بوش مدة أربعة عشر شهراً لاعتزاله الوساطة، لإرغام الطرفين، كما قال، على العودة الى الحديث معاً، وطلب مساعدة الولايات المتحدة. لكن الحقيقة ان مستشاري بوش من الصقور والمحافظين الجدد، وبالتشاور مع الإسرائيليين، أعطوا بذلك مُهلة للجيش الإسرائيلي «لتليين الجانب الفلسطيني» بدحر الانتفاضة، ولو كلّف ذلك إعادة احتلال الضفة وغزة. وقد حدث الاحتلال بالفعل، لكن في العام 2002 عندما صارت الظروف ملائمة، على أثر تعرُّض الولايات المتحدة لهجمات «القاعدة» في 11 أيلول (سبتمبر) عام 2001. فمع انطلاق الحرب على الإرهاب، صار كل شيء ضد العرب (والمسلمين المزعجين) مُباحاً بل مشروعاً، بما في ذلك إنهاء آخر آثار أوسلو، وإلحاق كل الفلسطينيين بهجمات مكافحة الإرهاب. وفي الوقت الذي كان الإسرائيليون قد حاصروا ياسر عرفات في رام الله، كان الأميركيون قد احتلوا أفغانستان، وبدأوا يفكّرون ويُعدّون لغزو العراق. وما أمكن القيام بأي تحرك جديد من أي جانب إلا بعد وفاة ياسر عرفات في المستشفى في باريس عام 2004، وتولّي أبو مازن زمام الأمور. وحتى وقتها، أي في العامين 2004 و2005، وظهور «خريطة الطريق» والرباعية، ظلّت الاجتماعات متباعدة، وظل التقدم غير محسوس، وظل شارون يحظى باستحسان إدارة بوش، في إجرائه المنفرد للانسحاب من غزة من طرف واحد ومن دون تفاوض، تارة لقوله بعدم وجود شريك فلسطيني، وطوراً لأن أبو مازن ضعيف، ولا يستطيع تنفيذ التعهدات التي يقطعها على نفسه.

يأتي ميتشل هذه المرة الى المنطقة إذاً، والمشهد قد تغيَّر تماماً. وحتى هو نفسه تغير في القدرة والصلاحيات. فحين جاء في المرة الأولى كان مبعوثاً ضعيفاً لإدارة أميركية غاربة. وهو يأتي اليوم قوياً لأنه مبعوث رئيس جديد قويّ وواعد، ولأن هذا الرئيس حدّد منذ اللحظة الأولى هدفه في تهدئة الموقف المتفجّر، تمهيداً لإطلاق عملية التسوية من جديد والتي ستؤدي كما قال، الى إقامة دولتين على أرض فلسطين. بيد أن الأهم حالياً هو المشهد المتغيّر للمنطقة كلها بعد أحداث المنطقة العاصفة في إدارتي بوش، وآخرها الغزو الإسرائيلي الرابع أو الخامس لغزة بالذات بعد العام 1967. فالإدارة السياسية في إسرائيل ستتغير بعد أسبوعين بنتيجة الانتخابات. واليمين الإسرائيلي في صعود وقد يأتي بناتنياهو من جديد الى السلطة. والفلسطينيون منقسمون بين غزة والضفة. والى الساحة الإقليمية دخل لاعبون جدد أهمهم الإيرانيون والأتراك. وسورية متقلقلة بين سائر الأطراف. والعرب الكبار (السعوديون والمصريون) يتصدون من جديد لاحتضان القضية الفلسطينية، وانتزاعها ليس من إسرائيل وحدها، بل ومن القوى الإقليمية الهاجمة، ومن التنظيمات الثورية الإسلامية التي تُظهر اعتناق الأيديولوجيا والممارسة اليسارية السابقة من عصر الحرب الباردة والقائلة بحرب الشعب الطويلة الأمد، إنما تحت اسم الجهاد.

ليس المهم ما سيُنجزه ميتشل الآن. إذ ان كثيراً من الموجودين على الساحة سيتغيرون خلال أسابيع أو أشهر قليلة. إنما المهم جوهر المسألة، والمشهد الجيوسياسي الجديد، لكن المتقلّب في المنطقة. لقد كان جوهر المطروح في المسألة الفلسطينية خلال العقود الماضية: فكرة التسوية، وهي منطق القرارات الدولية، ومنطق المبادرة العربية للسلام، ومنطق القرار الأخير الرقم 1850 في مجلس الأمن. ومن المعروف أن الروس يعملون الآن - وبالتنسيق مع أطراف الرباعية - على عقد مؤتمر دولي عندهم لإطلاق آليات جديدة/ قديمة للفكرة نفسها. ولا تواجه هذه الفكرة أو الممارسة صعوبات من الجانب اليميني الإسرائيلي وحسب (كل قضايا الوضع النهائي الشائكة لا يوافق هذا الجانب على حلّها بحسب القرارات الدولية)، بل تواجه التسوية عداء الحركات الثورية الإسلامية التي تحظى بدعم جماهيري عربي وإسلامي معتبر، كما تحظى هذه الحركات وبالدرجة الأولى بدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإشرافها. وقد قال قادة «حماس» أثناء الحرب الأخيرة على غزة إنهم لو لم يحصلوا نتيجة تلك الحرب إلا على نَحر فكرة التسوية الظالمة لكفاهم ذلك. وقد انضمّ الى هذا المعسكر في الأسابيع الأخيرة وفي شكل مفاجئ، الذين اجتمعوا في الدوحة وبينهم سورية وقطر. لكن الحركة الأوروبية والأميركية والروسية خلال أحداث غزة وبعدها تُظهر أن المجتمع الدولي ما تخلّى عن هذه الفكرة. وهو ما أصرّ عليه العرب الكبار في قمة الكويت لعدم واقعية الخيار الآخر، فإما الحصول على تحرير الأرض العربية، وإقامة الدولة في فلسطين عن طريق تسوية الأرض في مقابل السلام، أو الإعداد الفوري للحرب، وهو ما لم يذهب إليه السوريون والقطريون. واستناداً الى ذلك كله، فالذي يبدو أن الفكرة لم تمُت بل ولم تتأخر، بل إن أحداث غزة عجّلت في السير إليها، بعد أن تسببت سياسات الرئيس بوش، والعدوانية الإسرائيلية، والانقسام الفلسطيني، في إعاقتها لسنوات. ولذا، وفي عودة الى زيارة ميتشل العاجلة الى المنطقة، فإن الصعوبتين اللتين سيواجههما سعاة التسوية العرب والدوليون خلال الشهور المقبلة ستكونان: موقف اليمين الإسرائيلي إذا وصل الى السلطة في الدولة العبرية، وموقف إيران والحركات الثورية الإسلامية الحليفة لها.

ومن ضمن المشهد الجديد في المنطقة، أو من ضمن ملفات الشرق الأوسط الجديد، نقاط التماس الأخرى بين الولايات المتحدة والأوروبيين من جهة، وإيران وتركيا من جهة ثانية. ويعتبر الأوروبيون أن مُلاقاة الأتراك في منتصف الطريق أمر سهل. ففي السنوات الماضية تعاون الأتراك الإسلاميون مع الغرب بالمشاركة في القوة الدولية في جنوب لبنان تبعاً للقرار الدولي الرقم 1701. وهم يريدون الآن ارضاء «حماس» بوضع مراقبين اتراك على معبر رفح لجهة غزة. وبين هذا وذاك قادوا وساطة لمفاوضات غير مباشرة بين سورية وإسرائيل.

والأمر مع إيران مختلف، ولكن ليس على طول الخط. فقد نشأ تعاون من نوع ما بين الأطلسيين وإيران في أفغانستان، وتعاون متفاوت بين الأميركيين والإيرانيين في العراق. والأميركيون لا يعترضون الآن - وقد وافقوا على الانسحاب من العراق بنهاية عام 2011 كحد اقصى - على اتفاقية أمنية بين العراق الجديد وإيران، مثل اتفاقيتهم هم مع العراق من بعض الوجوه. وهكذا، فهناك اعتراف من نوع ما من جانب الأميركيين بالمصالح والاهتمامات الاستراتيجية للإيرانيين. وإنما هناك خلاف بين الطرفين في شأن مناطق النفوذ الإيرانية المستجدة غرب الفرات، في سورية ولبنان وفلسطين. وهناك خلاف أكبر على الملف النووي الإيراني. وليس معروفاً حتى الآن - وقد وعد الرئيس أوباما بالتفاوض مع إيران، وهو ما كان بوش يرفضه - هل سيكون هناك مساران للمفاوضات أم مسار واحد. فهناك الملف النووي الذي كانت تتولاه دول السداسية (الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائدا ألمانيا). وهناك الخلافات القديمة بين الطرفين، والتي لا شأن للروس والأوروبيين بها. لكن المفهوم لدى الغربيين أن إيران تريد مفاوضات على سائر المسائل، التي ترتبط لديها بعضها ببعض. وهم يأملون بأن تقبل إيران أخيراً وسط الأجواء الدولية المتغيرة، والأزمة المالية العالمية، وانخفاض أسعار النفط، برُزمة الحوافز التي قدموها قبل قرابة العام. لكن إيران التي ما اعتبرت تلك الرزمة كافية أو مغرية آنذاك، تعتبرها الآن في جيبها، وتريد ما هو أكثر، ولذا فقد أسهمت في حرب لبنان عام 2006، كما في حرب غزة في مطلع العام 2009، لكفّ سورية عن التفاوض مع إسرائيل، وإظهار قدرتها على إزعاج العرب، والعالم الغربي من طريق مناطق النفوذ التي تمددت إليها بالتوازي مع الهجمة الأميركية على عرب المشرق (2000 - 2005): فهل المبادلات ممكنة، وبخاصة أن النفوذ التركي والإيراني في المنطقة العربية يوشك أن يصبح حقيقة واقعة؟ أم أن إيران تخلط أو توحّد بين ما هو عقائدي، وما هو استراتيجي، بحيث يتعذّر التوافق؟!

تحدث الأميركيون في مطلع عهد بوش الأول عن الشرق الأوسط الكبير أو الأوسع أو الجديد. ووقفت إيران منذ البداية ضد هذا «المشروع» الذي يبدو أنه ما كان كذلك أبداً. والذي يظهر الآن، وستراه عيون أوباما وكلينتون وغيتس وميتشل وأسماعهم، أن الشرق الأوسط الجديد هذا قد تحقق، لكن ليس على أيديهم، بل على أيدي الإيرانيين والأتراك. وستشهد شهور العام 2009 الطويلة، والتي بدأت بليالي القصف الإسرائيلي الأبدية على غزة، على عناصر الثبات والتغير في هذا المشهد الكئيب الذي صارت إليه منطقة الديانات والحضارات العريقة، منطقة المشرق العربي!


انشر عبر