تعج الأسواق العربية عامة والفلسطينية على وجه الخصوص مع إقبالة عيد الفطر السعيد بـ"الفسيخ" وهي الأكلة الأكثر شهرة بقطاع غزة، ويتناولها الغزيون بعيد الفطر صباحاً بعد صلاة العيد كي يفتح شهيتهم بعد شهر من الصيام.
وتجتهد العائلات الغزية في شراء وتحضير ما بات يعرف بوجبة العيد الرئيسية "الفسيخ"، حتى أضحت تلك الأكلة ركناً أساسيا من التراث المطبخي للفلسطينيين، علاوة على أنها تفتح نافذة اقتصادية للعديد من العائلات عن طريق بيعها والاسترزاق من انكباب الناس عليها في هذه المناسبة السعيدة.
ومن المظاهر التي تدلل على أن الوجبة "لا تخلو من موائد الأسر الغزية" رائحتها النفاذة والقوية والشهية التي تغزو شوارع القطاع، ويُقَدِر تجار و"فسخانيين" استهلاك المواطنون في قطاع غزة من الوجبة بآلاف الكيلوات في يوم العيد الأول.
وتقوم وجبة الفسيخ على تعتيق السمك وحفظها لمدة تزيد عن الشهر في أوانٍ مخصصة مع إضافة كميات كبيرة من ملح الطعام "الصوديوم" بالإضافة إلى الكركم لإعطائها اللون الأصفر الذي يتميز فيه، ولعمل الفسيخ والرنجة تستخدم أنواع محددة من الأسماك مثل "البوري، والجرع، والجنوي، والتركي".
موسم اقتصادي خصب
"وكالة فلسطين اليوم الإخبارية" جالت في أسواق مدينة غزة والتقت العديد من تجار "السمك والرنجة والفسيخ"، من بينهم "الفسخاني" أبو احمد (55 عاماً) والذي بُحَ صوته بالأهازيج الخاصة بالوجبة الشهيرة عله يظفر بمشترين أكثر من الذين تواجدوا بالقرب من بسطته.
ويقول أبو أحمد وهو صاحب بيع الأسماك والفسيخ لمدة تزيد عن العقدين:"عيد الفطر يعتبر موسم خصب للغاية لبيع الفسيخ والرنجة، حيث نبيع أنا وأولادي مئات الكيلوات، ويعشق الغزيين تلك الأكلة ويقبل عليها المشترين بكثافة، ويتقبلها بالأكل الصغير والكبير".
ويُرجع أبو أحمد إقبالة الغزيين على تلك الوجبة للعادة والتقليد الذي توارثته العائلات من أجدادهم، علاوة على سعر الوجبة المنخفض، بالإضافة إلى الشهية والمذاق الجذاب التي تحققه الوجبة لمتناوليها.
ويعتبر سعر "الفسيخ والرنجة" في متناول الجميع حتى الفئات الهشة اقتصاديا، حيث يتراوح سعر كيلو الفسيخ من نوع بوري "30 شيكلاً"، بينما الجرع "25 شيكلاً"، وما يندرج من الأسماك الصالحة لعمل الفسيخ دون النوعين تكون منخفضة وتتراوح بالغالب "20 شيكلاً للكيلو".
ويوضح أبو احمد أن "تلك المناسبة وتلك الوجبة تحقق لي ولعائلتي دخل "محترم"، يقينا من غول البطالة الذي يفتك بالقطاع، معتبراً المهنة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية بـ"الكنز".
وتجتهد عائلة أبو احمد قبيل شهر رمضان بأسابيع عدة في مساعدة والدهم فيما يعرف بـ"تفسييخ" السمك وتمليحه وتخزينه وتنظيفه، وتستمع العائلة كبيرهم وصغيرهم بالعمل ومساعدة والدهم في تلك المهمة التي وصفوها بـ"المهمة الاقتصادية" ولا تخلو أوقات عملهم من المزاح وضرب الأهازيج البحرية والنكت اللطيفة خاصة من طرف "الوالد"، وذلك لبث النشاط في أجسامهم وعقولهم وليتمكن من إنجاز عمله على الوجه الصحيح وتعب ومشاق المهنة.
الفسيخ وبهجة العيد
وينكب المواطنون على شراء "الرنجة والفسيخ" خاصة في العشر الأواخر من رمضان، فالمواطنة سماهر الزعيم (50 عاماً) تُوضح أن الوجبة أصبحت جزء أساسياً من بهجة وفرحة عيد الفطر، حيث تبدأ الإعداد للوجبة بعد صلاة العيد مباشرة، وتضيف إلى الوجبة العديد من السلطات خاصة "البندورة المقلية".
وتقول الزعيم :"تعودنا في كل عيد جلب الأكلة وطهيها للعائلة وجل العائلة تعشق أكلة الفسيخ إلا إثنين من أبنائي حيث لا تعجبهما رائحتها ولا طعمها نظراً للملوحة الشديدة وما تسببه له من ألم ومغص".
وتضيف الزعيم "مبتسمة" أن طريقة طهي الوجبة سهل للغاية ولا تحتاج سيدة البيت إلى أوقات طويلة وأدوات عديدة لتحضيرها، وهو الأمر الذي يجعل من الوجبة "خفيفة دم".
تحذيرات ونصائح وقائية
الدكتور الصيدلاني محمود الشيخ علي مدير مركز ابن النفيس حذر تناول وجبة « الفسيخ » بكثرة، مشيراً إلى أن الاكثار منه يُمثلُ خطراً داهماً على الصحة قد تصل في بعض الأحيان إلى التسمم والوفاة –مستشهداً بحادثة تسمم ووفيات حدثت في مصر-، موضحاً أن « الفسيخ » لا يحمل أي قيمة غذائية، وانه قد يتسبب بأمراض عدة إلى جانب « إرهاق الكلى ».
ودعا د. الشيخ علي في لقاءٍ سابق مع « فلسطين اليوم » المواطنين الذين يعتبرون طبق « الفسيخ » جزء من الموروث المطبخي الفلسطيني إلى ضرورة عدم الإكثار من الفسيخ وتناوله بكميات مقننة.
ونصح بضرورة شراء الفسيخ من مصادر موثوقة، والتأكد من طريقة تخزين السمك، والنظر بالعين المجردة الى كل قطعة « فسيخ » على حدة ومعاينتها عن طريق الشم، وتحسس صلابة السمكة، والنظر في عيونها فإن كانت زابلة ويظهر عند أحشائها بياض فيجب تركها وذلك لتعرضها لبكتيريا شديدة.
كما ودعا ربات البيوت إلى نقع وجبة الفسيخ قبل القلي لمدة لا تقل عن الساعة في الماء والخل والليمون وذلك لتخلصيها من الشوائب التي تضر بالصحة، وضرورة أن يراعي الشخص الكميات التي يتناولها خاصة مرضى ضغط الدم.
وفيما يتعلق بسمك الرنجة، قال : الرنجة عبارة عن سمك مدخن، ويشابه في أضراره على الصحة الفسيخ، ولا يحمل أي قيمة غذائية، لذلك الابتعاد عنهما نجاة من المتاعب.
وينضح خبير التغذية المواطنين إلى ضرورة عدم الإكثار من وجبة "الفسيخ" لمخاطرها الصحية، بالإضافة الى نصائح أخرى عند شراء الوحبة:
- ضرورة شراء وجبة "الفسيخ" ومن باعة ثقاة.
- تناول 150 جراما فقط من الفسيخ أو الرنجة.
- معرفة مصدر السمك الذي يصنع منه "الفسيخ" وبداية تخزينه.
- النظر بالعين المجردة الى كل قطعة "فسيخ" على حدة ومعاينتها عن طريق الشم.
- نقع الوجبة قبل القلي لمدة لا تقل عن الساعة في الماء والخل والليمون وذلك لتخلصيها من الشوائب التي تضر بالصحة.
- عدم تناول الوجبة على طعام الإفطار بشكل مباشر.
- ضرورة أن يراعي الشخص الكميات التي يتناولها خاصة مرضى ضغط الدم.
- في حالة ظهور اعراض التسمم المذكورة ضرورة إخبار الطبيب بتناول وجبة الفسيخ.