من جديد عادت قضية رفض أبناء الطائفة الدرزية للخدمة في جيش الاحتلال إلى العلن بعد رفض الشاب "كمال زيدان" الخدمة العسكرية علنا، وتعرضه للاعتقال والعزل في سجون الاحتلال على خلفية هذا الرفض في أبريل/نيسان الفائت.
ما قام به "زيدان" قام به من قبله مئات الشباب الدرزي من بينهم والده وأعمامه، ولكن ما ميزه أنه رفض علني لأسباب وطنية دون الالتفاف على رفض الخدمة بأساليب أخرى كالتظاهر بالمرض النفسي أو تزوير وثائق تتعلق بالعمر كما يقوم الكثيرين من الشبان الدروز، وهي الظاهرة التي بدأت في العام 2012 عندما قام الشاب عمر زهر الدين سعد، بكتابة أسباب رفضه للخدمة على صفحته على الفيس بووك قائلا: أنه لن ينضم للخدمة لأسباب ضميرية ووطنية".
وقال سعد في حينه أنه يرفض أن يكون جزءا داعما لمؤسسة قَتَلت وشرَّدَت أبناء الفلسطينيين وهدمت وطنه، وسلبت منه أرضه.
نشر رسالة سعد على وسائل التواصل الاجتماعي حولها لقضية رأي عام، وبدأت الحملات المؤيدة له بالانتشار مما شجع العشرات بعده على الإعلان رفضهم للخدمة، وشكل حاله التضامن تبلورت فيما بعد على شكل مبادرات لدعمهم وحملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال صوتهم ودعمهم بشكل عملي، فكانت منذ العام 2014 عدد من الحملات الرافضة للخدمة العسكرية في الجيش ولعل أهمها حملة "أرفض شعبك بيحميك".
وبدأت خدمة أبناء الطائفة الدرزية، وهم طائفة عربية دينية صغيرة العدد في فلسطين المحتلة عام 1948 كانت ولا تزال تعيش في قرى خاصة بهم في الجليل الفلسطيني، بدأت الخدمة في تموز 1954 حين قرر ما يسمى بوزير "الأمن الصهيوني" فرض التجنيد الإلزامي بموجب قانون تم طرحه بالكنيست على الشبان العرب "الفلسطينيين" بشكل عام.
هذا القانون لاقي إعتراضات من قبل الفلسطينيين في إسرائيل، فقامت الكنيست بإعاده تعديله ليقتصر على الشبان الدروز فقط ممن يصل منهم إلى عمر 18، مع إستثناء للفتيات بعدم الخدمة كما هو الحال مع الفتيات اليهوديات،مراعاه لعادات هذه الطائفة ودينها.
ومنذ ذلك الحين سجلت حالات رفض لهذه الخدمة بما يشير إلى إن ما يقوم به الشباب الدري حاليا ليس بالجديد، كما يقول صالح قويقس، من قرية يركا الدرزية في الجليل شمال فلسطين المحتلة عام 1948، والذي رفض الخدمة العسكرية بالجيش الإسرائيلي في العام 1977.
في حينه كان الأمر أعقد من الأن، قال قويقس، فقد كان يعلم الرفض له ما بعده، و بالفعل كان الثمن الكبير من المطاردة والقيود التي وضعت على عائلته طوال سنوات عديدة.
لم يكتف قويقس برفض الخدمة وإنما ذهب إلى أبعد من ذلك عندما قام بعمليات مقاومة أيضا ضد أهداف إسرائيلية في رسالة واضحة إن الدروز لم يكونوا يوما إلا جزء من الأمة العربية والشعب الفلسطيني وأن محاولة حكومة الإسرائيلية بسن قانون الخدمة الإجبارية عليهم لم تقطع أواصر هذه الروابط.
قويقس يبلغ من العمر الأن 65 قضى منها 14 عاما في السجون بعد عمليات قام بها تحت مظلة الجيهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي انتمى إليها منذ شبابه.
وإلى جانب رفضه الخدمة العسكرية قام وآخرون ممن رفضوا هذه الخدمة في وقته بتأسيس لجنة المبادرة الدرزية والتي تعمل على رفع التوعية لدى الشباب الدرزي لرفض الخدمة وتمتين العلاقة بينهم وبين فلسطينيتهم باعتبار أن هذا الجيش هو إحتلال لأرضهم وبلادهم كما غيرهم من الفلسطينيين.
يقول قويقس:" في عائلتنا لست الأول ولن أكون الأخير، فنحن نتحدث عن رفض عمي (شقيق والده) التجنيد منذ 1958 في أول سنه لطرح قانون التجنيد الإجباري على الدروز.
عم قويقس لم يكن الوحيد الذي رفض الخدمة، فقد تشكلت لجنة لرفض الخدمة في حينه، أعلنت رفض أنخراط الدروز في هذه الخدمة العسكرية وحمل السلاح في وجه الفلسطينيين العرب، إلا أن القانون بقي نافذ المفعول، وبالفعل بدأ العشرات من الشباب الدرزي بالتجند بالجيش الإسرائيلي.
حالات الرفض مع الوقت تضاعفت حتى وصلت في السبعينيات إلى حوالي 80% من الشبان الدروز يرفضون الخدمة العسكرية، وهذه النسبة كما يقول قويقس ترتفع وتنخفض حسب الجو العام، و حاله التعبئة التي تقوم بها لجنة المتابعة والتي شكلت أيضا فروع في كل القرى الدرزية.
ورغم إن رفض الخدمة كما أوضح قويقس ليس بالجديد، إلا أن إعلان الرفض وإشهار أسبابه الحقيقة خلفية وطنية و ضميرية ورفض حمل سلاح الإحتلال "الإسرائيلي" في وجه الفلسطينيين، هو المميز في حملات الرفض التي تصاعدت وتيرتها في الآونة الأخيرة، وبدأت في أزياد ملحوظ في ظل إنتشار وسائل التواصل الإجتماعي التي ساعدت هؤلاء الشبان على رفع صوتهم وإعلان رفضهم الخدمة وخلق حاله من التضامن العام حولهم.
أستاذ الدراسات الإسرائيلية عادل شديد يقول عن أسباب هذا الرفض، إن سياسة التمييز ضد الجندي الدرزي لم تتغير بالرغم من خدماتهم طوال هذه السنوات في الجيش وولاء البعض منهم المطلق، فبعد الإنتهاء من الخدمة يتفاجئ الدرزي بالفرق بالتعامل لصالح الجندي الإسرائيلي من أصول يهودية.
وأشار إلى أن الاحتلال الأسرائيلي صادر في العام 1948 أكثر من 83% من أراضي القرى الدرزية وبنت عليها المستوطنات لليهود المهاجرين إلى إسرائيل، وأقامت شبكات الطرق التي حاصرت القرى والبلدات الدرزية.
ورفضت "مجالس التنظيم والبناء الإسرائيلية" عشرات الطلبات لتوسيع لمخططات الهيكلية للقرى والبلدات الدرزية، وآلاف الطلبات لمنح تراخيص بناء، في ظل زيادة عدد الدروز، ومن كان منهم يغامر بالبناء متكئا على إمكانية تسهيل ترخيص بنائه كما يحصل مع الجنود الآخرين كان يفاجأ بالعكس.
وتحدث شديد عن أسباب أخرى لإرتفاع حالات الرفض منها حاله الوعي التي تشكلت لدى الشباب الدرزي نتيجة الأنفتاح التكنيولوجي التي أدت إلى تبلور حاله وطنية لدىهم بعد سنوات من فرض عزله عليهم.
وفي ظل تطور هذه الظاهرة وإنتشارها أعلاميا يبقى السؤال الأهم هل يمكن أن تتطور هذه الظاهرة لتصبح حاله عامة بين جميع الشبان الدروز؟، يجيب قويقس:" الموضوع بحاجة لعمل مستمر لزيادة الوعي ومحاربة هذه الظاهرة لتصبح حاله عامة بين جميع الشبان، وبالمقابل فإن اللجنة، ويقصد هنا لجنة المبادرة الدرزية الداعمة لحالات رفض الخدمة، تحتاج لدعم مادي كبير لتوفير الحماية القانونية لهؤلاء الشبان والأمر الغير متوفر حاليا".
وتابع قويقس:" العائق الأكبر لرفض كلي للشباب الدرزي الخدمة العسكرية هو العامل الإقتصادي، فالبرغم من التمييز ضدهم لايزال هناك شبان يبنون حياتهم المستقبلية على فكرة أنه سيعمل في الجيش".