شريط الأخبار

بعد وقف العدوان: هل يمكن استعادة الوحدة الوطنية؟ .. هاني المصري

09:03 - 23 تموز / يناير 2009

كتب: هاني المصري

قال لي الدكتور اياد ونحن نغادر المسيرة التي خربها أفراد الأجهزة الأمنية يوم الجمعة في التاسع من كانون الثاني الماضي، هل ستكتب مرة أخرى عن الوحدة الوطنية؟، فأجبته وهو كان على مسافة مني، ولا أعرف إذا سمعني أو لا بأنني سأكتب.

 

نعم سأبقى أكتب وأدعو وأعمل وأناضل من أجل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، رغم أن ما جرى أثناء العدوان على غزة من شأنه أن يباعد بين سلطة رام الله وسلطة غزة.

 

إذاً لماذا استمر بالدعوة الى الوحدة؟ وهل هي دعوة مثالية؟ أم أحلام طوباوية؟ أم هدف واقعي يمكن تحقيقه؟ إنه هدف صعب جداً وبات الآن أصعب، ولكنه هدف لا يزال يمكن تحقيقه. لماذا؟.

 

إن العامل الأساسي الذي يجعل هذا الهدف ممكناً أن الاحتلال الإسرائيلي، احتلال عدواني استعماري استيطاني عنصري، يستهدف الفلسطينيين جميعا، ولا يفرق بين "المعتدلين" و"المتطرفين"، بين فتح وحماس، وبين عضو في فصيل ومستقل، لأنه لو كان يفرق لما تعامل مع السلطة التي يرأسها شخص معتدل جداً مثل ابو مازن، ويرأس حكومته شخص معتدل جدا مثل سلام فياض، هذه المعاملة، التي تهدف الى تصويرهم وكلاء عند الاحتلال أو إذا لم يصبحوا وكلاء فإنه سيزعم بعدم وجود شريك فلسطيني، وان السلطة ضعيفة وقيادتها ليست ذات صلة.

 

لو كان الاحتلال يدعم المعتدلين كما ادعى شمعون بيرس وتسيبي ليفني أثناء الحرب لأوقف العدوان والاستيطان والجدار وتقطيع الأوصال والاغتيالات والاقتحامات والاعتقالات اليومية في مناطق السلطة الوطنية التي أعادت القوات المحتلة احتلالها منذ عملية السور الواقي في 29 آذار 2002 ولم تنسحب منها حتى الآن.

 

لو كان الاحتلال يدعم المعتدلين، لقدم لهم عرضاً للتسوية يتضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية ويكف عن الضغط عليهم لقبول حلول انتقالية وجزئية أو شاملة تصفي القضية الفلسطينية من مختلف أبعادها (القدس، اللاجئون، الحدود، الاستيطان، المياه، الأمن). فأقصى ما عرضته اسرائيل، أو يمكن أن تعرضه في السنوات القليلة القادمة، أقل ما يمكن أن يقبله أكثر الفلسطينيين اعتدالاً.

 

وإذا تصورنا جدلاً بأن هناك طرفاً فلسطينياً وافق أو رضخ لأحد العروض الإسرائيلية سيكون قد اختار أن يحول السلطة الى سلطة انطوان لحد، أي سلطة عميلة للاحتلال، سيكف عندها فوراً عن تمثيل الشعب الفلسطيني وقضيته ومصالحه وأهدافه وتطلعاته الوطنية.

 

العامل الثاني الذي يدفع نحو الوحدة، هو أن الأطراف الفلسطينية المتصارعة لم تستطع أن تنهي الانقسام سلما أو حربا، فلم تستطع فتح والسلطة والمنظمة أن تهزم حماس وأن تسقط سلطتها. ولم تستطع حماس والفصائل المتحالفة معها أن تهزم السلطة، ولكل سلطة مصادر قوتها ودعمها المحلية والعربية والإقليمية والدولية، ولم يستطع أو لم يرغب العدوان الإسرائيلي بإسقاط سلطة حماس، لذا لا بديل عن الوفاق الوطني لإنهاء الانقسام.

 

العامل الثالث الذي يدفع للوحدة، أن العديد من الأطراف المحلية والعربية والإقليمية والدولية دعت الى إنهاء الانقسام. فقد دعت قمة الدوحة التشاورية الى الوحدة، ودعا قرار مجلس الأمن والمبادرة المصرية الى الوحدة، ودعت قمة شرم الشيخ الى الوحدة، ودعت قمة الكويت الى الوحدة. فبدون وحدة لا يمكن تحقيق أي تقدم جوهري حاسم في أي مجال من المجالات، وبدون وحدة لا يمكن التقدم في المفاوضات الرامية الى التوصل الى تسوية، بل كما لاحظنا استخدمت اسرائيل الانقسام كذريعة كبرى لمنع التوصل الى اتفاق، وأبدت سلفاً اعتراضها على تطبيق أي اتفاق يتم التوصل إليه، بحجة ضرورة أن تفرض السلطة سيطرتها على غزة، مع ان العامل الأول الذي أدى الى حدوث الانقسام والى تغذيته والدفع لتفاقمه هو الاحتلال الذي يحاول أن يعمق الانفصال بين الضفة وغزة لكي يتنصل من مسؤولياته عن غزة، ولكي يتذرع بعدم جدارة الفلسطينيين المنقسمين للحصول على دولة.

 

طبعاً هناك عوامل عديدة، تدفع نحو استمرار الانقسام منها، الخلافات بين الفصائل الفلسطينية، إن كان على صعيد البرامج والمصالح والعقائد، أو على صعيد التأثير السلبي للتحالفات العربية والإقليمية، التي تحاول أن تستخدم الأطراف الفلسطينية المتحالفة معها كورقة لخدمة مصالحها ولتحسين شروطها في علاقاتها المحلية والإقليمية والدولية.

 

لكن العائق الأساسي أمام الوحدة هو الفيتو الأميركي - الاسرائيلي الذي يظهر من خلال الإصرار على أن تكون الوحدة على أساس شروط اسرائيل الثلاثة، التي أصبحت شروطاً دولية، وهي الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والإرهاب (أي المقاومة) والالتزام بالاتفاقات التي عقدتها منظمة التحرير مع اسرائيل، رغم أن اسرائيل لا تلتزم عملياً بهذه الاتفاقات وتواصل كل أنواع العدوان والاستيطان والجدار وتقطيع الأوصال.

 

تأسيساً على ما تقدم، فإن الوحدة حتى تتحقق بحاجة الى:

 

أولاً: إرادة فلسطينية جادة نحو الوحدة تترجم نفسها من خلال إقامة حكومة وحدة وطنية أو حكومة وفاق وطني انتقالية تنسجم مع الشرعية الدولية ولا تصل الى حد اعتماد الشروط الدولية الثلاثة.

 

ثانياً: إدراك جميع الأطراف الفلسطينية أن الانقسام مدمر للقضية الفلسطينية، والمشروع الوطني، ويؤدي الى مضاعفة معاناة الانسان الفلسطيني، فهناك أغلبية كبيرة بين الفلسطينيين تريد الوحدة، مع أنها لم تستطع أن تتحول الى قوة سياسية قادرة على فرض الوحدة.

 

ثالثاً: وهذه النقطة هي الأهم، أن استمرار الانقسام سيؤدي عاجلاً أم آجلاً، الى إضعاف كل الأطراف الفلسطينية، والى خضوعها أكثر وأكثر الى الأطراف العربية والإقليمية والدولية التي تتحالف أو تتمحور معها، بحيث يتبخر الخيار الفلسطيني ويتراجع الدور الفلسطيني والقرار الوطني الفلسطيني لصالح الخيارات والبدائل الأخرى.

وهنا أقول لحماس لا شك أن غزة صمدت تحت قيادتك، ولا شك أنك احتفظت بقوتك الأساسية رغم هول العدوان واستهدافه توجيه ضربة قوية لحماس، إلا أن الضربة التي تلقاها الفلسطينيون شديدة جداً، وإسرائيل حققت مكاسب واضحة جداً، دولياً وعربياً وأميركياً، والمكاسب السياسية والشعبية التي حققتها حماس، لن تستطيع تحويلها الى حقائق سياسية. فما لم يتم تثبيت سلطتها والاعتراف بشرعيتها، من خلال إنهاء الحصار وفتح الحدود والمعابر، ومن خلال تمكينه من الاشراف على عملية الإغاثة والاعمار. علماً بأن المواطن الغزاوي لن يرحم من يعيق إغاثة وإعادة إعمار ما تهدم.

 

حماس حتى الآن لم تحصل على اعتراف بسلطتها بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا من محور الممانعة، وهذا مهم ولكنه لا يكفي، فبدون أن تتواجد حماس على معبر رفح، لتشارك بالإشراف عليه، مع السلطة والمراقبين الأوروبيين لن تتمكن من استثمار الصمود سياسيا، ومصر وإسرائيل والسلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي يرفضون حتى الآن على الأقل اقتسام معبر رفح بين الفلسطينيين، ويصرون على تطبيق اتفاقية المعبر، بما يدفع الى ضرورة الوحدة حتى تكون هناك سلطة واحدة تتواجد على ا! لمعابر، وتشرف على الاغاثة وإعادة الاعمار.

 

على حماس أن لا تخشى كثيراً من فرض تسوية استسلامية على الفلسطينيين جميعاً، لأن التحركات الشعبية العارمة التي اجتاحت العالم تنديداً بالعدوان وانتصاراً للقضية الفلسطينية والسقوط الأخلاقي المدوي لإسرائيل بعد الفظائع التي ارتكبتها، وما أدى إليه ذلك الى زيادة الكراهية لإسرائيل على امتداد العالم، وصمود غزة، وعودة القضية الفلسطينية الى صدارة الأجندة الدولية، سيجعل المحاولات الإسرائيلية لفرض أحد البدائل الإسرائيلية على الفلسطينيين، أصعب مما قبل العدوان.

 

كما أقول لفتح والسلطة و(م.ت.ف)، عليكم الاعتراف بضرورة تغيير المسار السياسي الذي أدى الى تخفيض السقف التفاوضي الفلسطيني والى المساهمة في حدوث الانقسام! ، كما عليكم أن تطرحوا مبادرة للوحدة تقوم على الشراكة الوطنية الكاملة، وعلى أساس برنامج وطني لا يخضع للشروط الإسرائيلية وقادر على تحقيق الحرية والعودة والاستقلال. لا يمكن الاستمرار باستعادة الوحدة على أساس الشراكة في السلطة في غزة فقط، بدون تحقيقها في الضفة و(م.ت.ف).

 

فإذا رفضت حماس مثل هذه الوحدة قبل العدوان، فبالتأكيد أنها سترفضها بعده. فالوحدة تتطلب إعادة تشكيل السلطة والمنظمة والأجهزة الأمنية في الضفة وغزة، واحترام القانون الأساسي واعتماد برنامج (م.ت.ف) الأساسي، برنامج 1988، وليس برنامج الاعتراف بإسرائيل من جانب واحد، وإلقاء سلاح المقاومة قبل تحقيق الأهداف الوطنية، وتنفيذ الاتفاقات وخارطة الطريق من جانب واحد.

 

وإذا تعذر قيام وحدة وطنية حقيقية، فالكارثة قادمة، بأشكال مختلفة من خلال تحقق أحد البدائل الإسرائيلية مثل استمرار الوضع الحالي، او وحدة شكلية فدرالية أو كونفدرالية، أو رمي غزة في حضن مصر، وما تبقى من الضفة في حضن الأردن، أو عودة للخطوات الإسرائيلية من جانب واحد، أو فرض "دولة" في الضفة وغزة أو "دولتان" في غزة والضفة، لا تمتلكان من مقومات الدول إلا الاسم. اللهم فاشهد انني قد بلغت!!. 

انشر عبر