شريط الأخبار

مئة عنقاء وعنقاء ..علي عقلة عرسان

04:59 - 23 حزيران / يناير 2009

 

 

حين قلب الملك عبد الله بن عبد العزيز صفحة الراهن الرسمي العربي الممزقة وحول مجرى قمة الكويت من تعميق الشقاق إلى تباشير الوفاق، هلل العرب جميعاً وتفاءلوا بولادة وضع رسمي عربي يرقى إلى مستوى الأحداث والتحديات والرد على المجازر والكوارث ولو بوحدة الموقف، وعندما عزز أقواله الداعية إلى معالجة ما خربته العصابات الصهيونية في غزة بتأسيس صندوق إعمار لها، خصه بمليار من الدولارات، انتقل بالرسمين والشعب من مفازات التنظير إلى مقامات التنفيذ، وحين أشار إلى أن المبادرة العربية لن تبقى طويلاً على الطاولة.. انتزع فتيل أزمة من تحت بساط القمة فأرضى فريق قمة الدوحة ومن اعترض عليها، وأرسل رسالة واضحة إلى العدو الصهيوني والغرب الذي يقف وراءه.. ولكن تلك الدفقة من الأمل لم تلبث أن تلاشت في اجتماع وزراء الخارجية، وبدا كأن ما كان من تصالح مجرد لمسة خفيفة على جلد القنفذ العربي المستنفر. وكانت النتيجة أن خرج الجانب السياسي من قمة الكويت ببيانات ومواقف ضبابية واهنة، لا ترقى إلى مستوى الحدث والدم والكارثة والتحدي الكبير، ولا ترسم طريقاً للخروج من المأزق بشقيه السياسي والإنساني، ولا تلبي تطلعات الجماهير المنادية بالرد على العدوان وحماية الأطفال، ولا تنتصر للمقاومة أو تتبناها خياراً من الخيارات المشروعة، على الرغم من صمودها الرائع وانتصارها على العدو بإفشال أهدافه الرئيسة من العدوان، واختيار الجماهير العربية لها نهج مواجهة ومدخل تحرير.

فما الذي حول الحكمة والصدق والعزم والقراءة الواعية للمشهد الراهن إلى نقائضها، وجعل الائتلاف العربي يستمر اختلافاً في إطار مستويات أدنى من الرئاسات، وسحق أملاً وليداً بموقف رسمي عربي يرقى إلى مستوى طموح الشعب وضخامة الحدث وتحديات العدوان؟ هل هو يا ترى توجيه خفي يبقي الحال على ما هو عليه، أم هو حقد دفين أكبر من التسامح والمصالحة يترسخ في القلوب ويستعصي على الكي، أم هو تعبير عن اختلاف مصالح ومطامح، وإخلاص لولاء وتبعية وتحالفات تعلو لدى أصحابها فوق كل الصلات والمسؤوليات والاعتبارات.. على الرغم من أن ذلك لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته، ولا يخدم الأمة في مواجهاتها، ولا يخرج أحداً من الأزمة المستفحلة؟!

من شبه المؤكد أن الاختلاف العميق يكمن في الاختيارات والتوجهات والمواقف الرئيسة أكثر من أي شيء آخر.. إنه اختلاف جذري بين نهجين ومنهجين: نهج المقاومة ومنهجها، ونهج التفاوض ومنهجه. الأول يأخذ مسوغاته وأدلته وحججه من التاريخ والواقع وتجارب الشعوب وتطلعاتها، ومن أبعاد المشروع الصهيوني وأهدافه وممارسات القائمين عليه والمناصرين له والمتواطئين معه؛ والثاني يستند في ذرائعه إلى ما استقر سياسياً من خيارات وقرارات في قمم عربية، وما تم التوصل إليه من نتائج في مسارات التفاوض مع العدو برعاية الغرب، وما أسفر عنه ذلك من اتفاقيات ومعاهدات مرعية التنفيذ منها: " كامب ديفيد، والمعاهدة الأردنية الإسرائيلية، وأوسلو.. إلخ.

والثوابت والمعطيات لدى كل من الفريقين كثيرة وراسخة وقوية إلى الحد الذي يصعب معه على أي منهما التراجع أو التنازل أو إقناع الآخر بتغيير المواقف والخيارات.

1 ـ نهج المقاومة يتسلح بالحق التاريخي، والأهداف المبدئية للنضال القومي الطويل، وإرادة الشعب وحقوقه الثابتة وعلى رأسها حق العودة، وحقائق التاريخ ومعطياته في كيفية مواجهة الشعوب للاحتلال والعدوان، وضرورة الدفاع عن النفس ولو بأدنى ما يملك الشعب من قوة..  فضلاً عن ميراث الشهداء وأمانتهم التي وضعوها في أعناق من يأتي بعدهم ليمشي على طريقهم ويحقق ما لم يتحقق من أهدافهم. ويقدم هذا الفريق النتائج البائسة التي أفضت إليها خيارات السلام الاستراتيجي ومسارات التفاوض مع العدو على مدى سنوات وعقود من الزمن، وما يقوم به العدو الصهيوني المحتل من استيطان وتهويد واعتقال وقتل وحصار ومجازر وحروب إبادة.. لا يوقفها أو يردعه عن القيام بها إلا قوة، وهي متوفرة لدى الأمة لو ملك قادتها الإرادة السياسية واتخذوا القرار. وحتى التمسك بخيار السلام الاستراتيجي، لو أجدى في النهاية ومال إليه العدو، فلن يصمد ولن يكون عادلاً ومحمياً ومجدياً وراسخاً في أرض الواقع، إلا بوجود قوة تحقق الحد الأدنى من الردع والتوازن والدفاع عن النفس، وإبقاء القضية حية حتى تتوافر لها مقومات التحرير.

2 ـ ونهج التفاوض يتسلح بـ: الشرعية الدولية، والخيارات الرسمية العربية التي تكللها المبادرة العربية " قرار قمة بيروت" 2002 ومنها خيار السلام بوصفه خياراً استراتيجياً، وبالواقعية على الأرض حيث التوجه السياسي الدولي ومواقف القوى العظمى وقرارات مجلس الأمن الدولي.. إلخ وكلها تؤكد على مسار السلام، وحق " إسرائيل" بالوجود، واللجوء إلى التفاوض لإيجاد حلول منها حل الدولتين، ورفض المقاومة المسماة أو الموصوفة المصنفة "إرهاباً". واستحالة تحقيق التوازن الاستراتيجي مع " إسرائيل" المدعومة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً من الولايات المتحدة والغرب الممثل في حلف شمال الأطلسي، التي تنتج الأسلحة بأنواعها ولا تتورع عن استخدام المحرم دولياً منها، كما تملك السلاح النووي.

الملاحظ أن لدى كل من الفريقين واقعه وحججه وما يدافع به عن وجهة نظره، ولكن تبقى في على الأرض وقائع أهمها الاحتلال وتوسعه وممارساته ومشروعه العدواني، وقضية جوهرية أخرى لا يمكن القفز فوقها ولا التسامح في بقائها من دون اهتمام أو معالجة أو تحمل مسؤولية، هي قضية الشعب الفلسطيني ومستقبل أطفاله وشبابه، وهو الشعب المشرد المحاصر الملاحق بالمحارق والمجازر والبؤس والمعاناة منذ عقود من الزمن تحت سمع العالم وبصره. فكل من وقائع الاحتلال ومشكلات الشعب، أكبر من قدرة المقاومة المحاصرة على معالجتهما من جهة، ولا يهتم بهما أصحاب نهج التفاوض من جهة أخرى، بل يستخدمونهما سلاح ضغط هم ومن يناصرهم ليجبروا المقاومة ومن يختارها نهجاً على التخلي عن خياراته المبدئية ونهجه يستسلم لهم من دون قيد أو شرط.

لم يقدم نهج التفاوض حلولاً شافية عادلة ولا أية فسحة أمل للناس، وهو لا يعنى بالدفاع عنهم، ويتملص من كل مسؤولية حيالهم، ويلقى بالتبعة واللائمة على المقاومة ومن يختارها نهجاً ومنهجاً، بل ويستعدي على أولئك المقاومين العدوَّ وأنصارَه والشعب الذي تنمو في حضنه المقاومة ويحتضنها.. يفعل أصحاب نهج التفاوض ذلك لأن لأن أصحاب نهج المقاومة لم يمشوا في الطريق التي اختاروها لهم، ولم يأخذوا بنصائحهم التي قدموها، ولم يأتمروا بأوامر أصدرها الأعداء للمقاومة من خلالهم؟.

ويستغل العدو الصهيوني كل ذلك إلى أقصى درجة وبأبشع أسلوب، يدمر ويقتل ويزيف ويفتك بالجميع إلى أبعد مدى.. وعلى الرغم من إقرار الفريقين العربيين بذلك وبما هو أخطر منه وأبعد، يبقى اختلافهما أهم من دم أبناء الأمة وقضاياها ومقدساتها وكرامتها ومستقبلها ومكانتها بين الناس.

لم يحقق العدو الصهيوني أهدافه العسكرية والأمنية والسياسية المعلنة في عدوانه على غزة، على الرغم من جرائمه التي فاقت جرائم النازية وحشية وقذارة، لقد دمر البيوت على رؤوس ساكنيها، وألحق الخسائر الكبرى بالمدينة وأهلها، وأوقع آلاف الضحايا بين شهيد وجريح، نصفهم من الأطفال، ولكنه لم يحقق نصراً حاسماً على المقاومة التي صمدت وبقيت قوية وخرجت منتصرة على الإجرام والسيف والحقد والتواطؤ، ورسخت في الأذهان والذاكرة والوجدان: قضية فلسطين وأعطتها دفعاً قوياً، ومشروعية المقاومة وضرورة مدها بكل ما تحتاج إليه بوصفها خيار الشعب العربي، وأيقظت الناس في العالم وفتحت عيون الكثيرين منهم على جرائم الصهيونية وأهمية ملاحقة مرتكبيها والمسؤولين عنها.

لقد نسب العدو الصهيوني لنفسه نصراً يتلاءم مع طبيعته وأهدافه وأخلاقه وقيمه وتكوينه العنصري، بعد وقف إطلاق النار على غزة.. إنه نصر على الأطفال والنساء الذين قتلهم بفظاعة ووحشية لا مثيل لهما، وعلى العمران حيث دمر المساجد والمدارس والبيوت على رؤوس ساكنيها من المدنيين العزل، ونصر على البيئة النظيفة حيث نشر في أرض غزة وفضائها القنابل الفسفورية المحرمة دولياً وتلك الملوثة باليورانيوم اللتين سيعاني الشعب من جرائهما زمناً طويلاً.. لقد حقق نصر الجبناء والمتوحشين وفاقدي كل صلة بالقيم والأخلاق.. أية قيم وأية أخلاق. ويسعى الآن إلى تحقيق نصر آخر بمقاييس جديدة، وسيكون هذا النصر هدية أخرى يقدمها له حلفاؤه وحماته والمتواطئون معه، والخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني، والعربي ـ العربي، استكمالاً لما قدمه له بعضهم في عدوانه، سراً وعلناً، من وقت وتحريض وصمت مريب ليستكمل القتل والتدمير الرهيبين.. وهو نصر سياسي ومكسب اقتصادي. لقد بدأت في قمة الكويت معركة إعادة إعمار غزة، وهي معركة ذات وجهين سياسي واقتصادي،  ولكنها المعركة القديمة المتجددة حول السلطة والخيارات المبدئية والتوجهات العامة.

لقد اشتعلت نارها واشتد أوارها بعد القمة بين غزة ورام الله.. معركة "من يتحكم بالمليار" ولمن يسلم المال الذي سيصل إلى غزة.. ومن يشرف على الإنفاق.. وتلك معركة تثير الأسى والبكاء وتشير إلى البؤس وتبعث على ما يقرب من اليأس.. أطرافها فلسطينيون وعرب ومسؤولون غربيون وصهاينة أيضاً.. وتستمر فيها الحرب على المقاومة والشعب.. أما الذي يربح هذه المرة فهو الصهيوني الذي سيمسك المعابر، ويتحكم بالسلع والمساعدات، ويقبض بما يوصف بعملية المنشار " عالطالع والنازل".. ويرتهن الشعب العظيم في غزة: سوقاً استهلاكية كاملة، وكتلة بشرية تبقى هي ومستقبلها تحت رحمته إلى أن..

إلى أن ماذا..؟ .. إلى أن ينتهي النهجان والمنهجان وصناعهما وأتباعهما، أم إلى أن ينتهي خلاف العرب ذو الألف شعبة وشعبة.. أم إلى أن يصبح الشعب العربي صاحب الكلمة والقرار في مصيره وشؤونه وقضاياه ومنها قضية فلسطين، ويتوجه عملياً نحو امتلاك القوة المنقذة.. وتلك مسالة يبدو أن دونها الزمان.. أم إلى أن يغير الأميركيون والأوربيون مواقفهم المنحازة للعدوان الصهيوني والحاقدة على العرب والمسلمين، والحقد الغربي متجذر ودفين.. أم إلى أن يصبح الصهاينة بشراً أسوياء.. وتلك عنقاء تضاف إلى مئة عنقاء وعنقاء.. يلوحن لأبناء الأمة العربية من مناقع الدم ومستنقعات السراب.؟!

يا حبذا لو يسمع المختلفون، من الفلسطينيين والعرب الأشاوس، شهادات أطفال غزة على الأقل.. فربما ترق قلوبهم ويشعرون أن أمر أولئك أكبر منهم ومن خلافاتهم، وأنه أمر يعنيهم جميعاً بوصفهم بشراً وليس فلسطينيين أو قوميين أو.. أو.. أو..  

 

دمشق في 32/1/2009

                                                   

انشر عبر