سر النجاح: رئيس وزراء يهودي- اسرائيل اليوم

الساعة 12:44 م|11 ابريل 2019

فلسطين اليوم

بقلم: دورون مصا

د. باحث ومحاضر في كلية أحفا ومسؤول سابق في المخابرات

كيف سيذكر نتنياهو في كتب تاريخ اسرائيل؟ هذا السؤال طرح من جديد على خلفية الانتخابات الاخيرة، وفي ضوء الفجوة التي يصفها منتقدوه بين انجازاته السياسية اللامعة وبين ما يعرفونه كسياسته المحافظة وعديمة الرؤيا. فقد حاول معارضو رئيس الوزراء ان يخلقوا في الرأي العام تمييزا بين نتنياهو والليكود كحاملي علم الوضع الراهن، وأزرق أبيض بثلاثة جنرالاته، كحاملي بشرى جديدة لاسرائيل. غير أن هذا العرض العابث لنتنياهو كمحافظ ظلامي ولخصومه كمتنورين محبين للتقدم يخطيء الواقع.

 

عندما سئل مناحم بيغن فور انقلاب 1977 أي رئيس وزراء يعتزم ان يكون، اجاب "رئيس وزراء يهودي". وقصد بيغن البعد الاجتماعي العميق، الكامن في اساسات الوجود الجماعي اليهودي. فعلى مدى الاجيال كان الشعب اليهودي في تضارب بنيوي بين كونه شعبا مختارا أي جماعة ذات هوية ثقافية مميزة، وبين واقع وجود جملة الكيانات الجماعية المتناثرة في اماكن مختلفة في العالم والتي تدير علاقات معقدة مع محيطها الخارجي. لقد علم هذا الواقع المعقد الشعب اليهودي على تبني نهجا سياسيا – واقعيا، تميز بالمرونة وبقدرة الحركة بين الاطراف.

 

عندما وصف بيغن نموذج الزعامة اليهودية، ألمح بالحاجة الى استمداد الالهام من تجربة الوجود اليهودي. هذا النموذج الزعامي لم يكن حصريا له؛ فقادة حركة العمل التاريخية، ولا سيما دافيد بن غوريون، تصرفوا في ضوئه. والان يعمل بموجبه بنيامين نتنياهو.

 

عنصران بارزان لنموذج الزعامة اليهودية ميزا العقد الاخير لولاية نتنياهو، وهما اللذان منحاه ايضا قوته السياسية: الاول هو الحضور الدائم للتضارب. ولاية نتنياهو مليئة في ما يبدو كتضارب داخلي: من جهة اسلوب اصلاحي حازم، وبالمقابل سياسة حذرة ومحسوبة؛ من جهة خطاب يعتبر في دوائر معينة كمناهض للعرب، وبالمقابل استثمارات كبرى اقتصادية في الوسط غير اليهودي؛ من جهة اعتراف باهمية اقامة اسوار دفاعية حول الـ "فيلا في الغابة"، وبالمقابل تعميق الحضور الاقتصادي – الامني لاسرائيل في الشرق الاوسط. هكذا افلح في التوازن بين الميول التي سادت في الراي العام وفي قاعدة الدعم السياسي له، وبين التقدم في حصانة اسرائيل.

 

اما العنصر الثاني فهو نهج نتنياهو العملي، والذي وان كان نزع عن اسرائيل اوهام التسعينيات عن السلام مع جيرانها، الليبرالية الحرة والعالمية المطلقة، ولكنه كان مناسبا لها مع التطورات في محيطها الداخلي والخارجي. يدور الحديث عن فكر براغماتي يقوم على اساس السير في الوسط تقريبا في كل مجال، دون الانهيار الى حلول مطلقة. هكذا، في المجال السياسي قال نتنياهو "لا" للدولة الفلسطينية، ولكن ايضا للضم الكامل وللتوطين. في المجال الاقتصادي وان كان لم يدر الظهر لليبرالية الجديدة ولكنه لطف بالتوازي معانيها الاجتماعية.

 

هذه السياسة، بالاسلوب الـ "يهودي" الذي وصفه مناحم بيغن، رفع اسرائيل الى مسار النجاح في الواقع المركب والمليء بالتضاربات. هذا هو السبب الذي لن يجعل إرث نتنياهو يذكر بسبب اتفاق سلام كهذا او ذاك أو نصوص مليئة بالابعاد الرومانسية عن الامل، بل سيذكر أساسا بسبب قدرته على تنفيذ نموذج زعامة يسمح في الوقت الحالي لاسرائيل بان تستنفد بالشكل الافضل مصالحها القومية سواء في الداخل أم في الخارج. قد لا يكون هذا استعراض طقسي لامع، يملأ القلوب بالمفاجآت، ولكن هذا بالضبط اسلوب الزعامة المناسب للتحديات غير البسيطة التي تواجهها اسرائيل في الوقت الحالي.