بقلم: حيمي شليف
الوسط – يسار في اسرائيل عالق، مثلما تقول فرقة "يو تو". في الوقت الذي لا يستطيع فيه أن يتحرر من هذا الوضع. في هذه اللحظة يكرر نفسه في جميع الانتخابات، مثلما هي الحال في فيلم "أن تستيقظ أمس صباحا". الكابوس يبدأ بشكل عام بعد نشر نتائج عينات تلفزيونية مشجعة تعطي للوسط – يسار احتمال مفاجيء؛ رغم التجربة الصعبة التي تراكمت، التوقعات تصل الى عنان السماء، النشطاء يرقصون في حلقات وخطاب النصر ألقي قبل أوانه. وهو النصر الذي لم يأت في أي يوم. عند ذلك يبدأ التعديل في العينات. الفرح يتلاشى والآمال تختفي. وفي نهاية المطاف بنيامين نتنياهو يقف على المنصة وهو سعيد ومحمر الوجه من الفوز ويقبل زوجته سارة. الوسط – يسار استيقظ مندهشا وهو يتصبب عرقا على فجر يوم قديم حزين.
هذا الامر حدث في 1981 عندما توج اسرائيل بيلغ شمعون بيرس رئيسا للحكومة في 1996، عندما ذهبت اسرائيل للنوم مع بيرس استيقظت على نتنياهو. وفي العام 2009 عندما اعلنت تسيبي لفني بأن "الشعب انتخب كديما. ولن يكون هناك ما يحول بين الناخبين في اسرائيل وبين ارادتهم. لن يكون". وفي العام 2015 عندما اضيفت 6 مقاعد لليكود بين عشية وضحاها. ومرة اخرى في مساء يوم الثلاثاء بعد أن منحت مينا تسيمح لحزب ازرق ابيض برئاسة بني غانتس تفوق بأربعة مقاعد وبشرت بالتعادل بين الكتل، عندها جاء غانتس، بنصيحة من احيت توفال، من اجل أن يلقي خطاب آخر مبكر، كي يدخل الى مقبرة العظماء ويعيش هناك مع وصمة عار أبدية.
تفسيرات كثيرة، جزء منها بالتأكيد صحيح، ستحاول تبرير نجاح نتنياهو المتكرر الذي بمعان كثيرة في هذه المرة هو الاكثر ادهاشا منها جميعا: الشعب يميني، اليسار ضعيف، التصويت قبلي، التوق الى الانتقام من النخب أكثر من أي وقت مضى. ونتنياهو هو منظم حملات لا منافس له في ذلك. لقد ألقى بظلال كبيرة على الحملة الانتخابية وجرف كل الصندوق.
نتنياهو أثبت مرة اخرى أنه بارع ولا مثيل له، خاصة عندما يكون امامه حزب له حملة مشوشة. هو يعرف كيف يعزف على انغام "ائتلاف المضطهدين" مثل عزف اسحق فلرمان على قيثارة فاخرة. وهو يأخذ عناصر ائتلافه الى المكان الذي يرغب فيه كعازف بارع. الكثيرون من المصوتين له بالتأكيد يدركون أن سنواته في الحكم طويلة جدا، وغيمة الفساد التي تحوم فوقه كثيفة جدا، لكن نتنياهو يتحدث الى قلوبهم من وراء عقولهم. مصيبة، هو يصرخ، البلدة تحترق والعدو على الابواب. هو يعرف أنه يكفي التفكير بهتافات الفوز والفرح من اجل ابعاد من يكرهونه في وسائل الاعلام وفي النخب من اجل جعل جمهوره يتحرك نحو الصناديق، لأن القبيلة هي قبل أي شيء.
خطاب النصر المنفعل الذي ألقاه نتنياهو عند منتصف الليل في هيكل مجموعة شلومو قرب حدائق المعارض في تل ابيب، بدا، من اجل التغيير، صادق وحقيقي. في نظر نفسه، وليس فقط فيها، نتنياهو تغلب على قوى كبيرة تآمرت من اجل اسقاطه. لقد تقدم نحو الحملة الانتخابية مع حجر رحى متمثلا بالاتهامات الجنائية التي علقها اليسار ووسائل الاعلام على عنقه، وهو حولها الى فأس بواسطتها يأمل بشق طريقه نحو الحرية. لقد أثبت مرة اخرى بأنه الاكبر من الجميع، وحيد زمانه، غوليفر الذي يمكنه أن يفعل كل شيء، ويتخلص بسهولة من الاقزام الكثيرين الذين يحاولون تقييده وجعله يستسلم.
المشكلة هي أنه في نهاية الاحتفالات، ورغم الانجاز الكبير، فان نتنياهو يمكن أن يكتشف بسرعة كبيرة بأن شيئا لم يتغير، على الأقل ظاهريا. صحيح أن الحريديين زادت قوتهم، والعرب ضعفوا، وبينيت وشكيد ربما سيبقيان في الخارج وحزب العمل تقريبا تبخر وكأنه لم يكن، مع ذلك، الحكومة التي يمكنها كما يبدو أن تستمر في ولاية اخرى، ستكون نسخة عن الحكومة السابقة حتى أكثر تطرفا وهستيريا. في الايام القريبة القادمة عندما مواد التحقيق التي اخفاها المستشار القانوني عن الجمهور قبل الانتخابات ستبدأ في التسرب فورا بعدها، فان نتنياهو سيكتشف أن شياطينه ما زالت تلاحقه واعداءه ما زالوا يكمنون له في كل زاوية، وكأنه لم يحدث أي شيء.
في المرة السابقة عندما فاز رغم انوفهم قبل اربع سنوات، امتلأ نتنياهو بمشاعر الانتقام التي دفعته الى احضان اليمين المتطرف، والخطر هو أن غضبه سيزداد هذه المرة بأضعاف. اضافة الى الشعور بأنه يتم التمييز ضده وأنه ملاحق بدون أي ذنب اقترفه، فان نتنياهو يعود الى الساحة مع ما يفسر من ناحيته كتبرئة عامة كاسحة من كل تهمة. واذا بقيت لديه أي اعقاب فقد محيت، واذا كان ما زال لديه أي شكوك فهي ستختفي. في الحرب المقدسة من اجل تطهير اسمه، نتنياهو سيكون مستعدا – اذا قمنا باعادة صياغة وقحة لخطاب مشهور لجون كنيدي – "يجب أن ندفع كل ثمن، أن نتحمل كل الصعوبات، أن نتغلب على كل العقبات، أن نؤيد كل صديق ونعارض كل عدو من اجل ضمان الحرية". لنتنياهو نفسه بالطبع.
إن سلوك "الشركاء الطبيعيين" سيقرر استمرار طريقه. اذا تحملوا المسؤولية عن تحصينه من تقديمه للمحاكمة، حتى السماء لن تكون الحدود لحجم تنازلاته. كلما كانوا مترددين فستقل دافعية نتنياهو لتشكيل حكومة ضيقة وهستيرية، التي هي ايضا ستثير الانتقاد الدولي وربما حتى ستحظى بتوبيخ صغير من دونالد ترامب – ايضا ستشعل احتجاج داخلي يمكنه أن ينقذ اليسار من الاحباط أسرع من المتوقع واعادته الى المعركة متحمسا للقتال. اغراء التوجه لغانتس من اجل تشكيل حكومة موسعة سيزداد، حيث يقف خلفه الأمل بأن تهدئة النخب بزيادة وهمية للسعي نحو السلام، ستكفي من اجل تحويل نتنياهو الى أُترج وتخليصه من ضائقته حتى بدون تشريع.
حزب ومرشح مثل ازرق ابيض وغانتس، الذين نقشوا على رايتهم شعار "اسرائيل قبل أي شيء" سيجدون صعوبة في الوقوف امامه. إن الرغبة في انقاذ الوطن من أيدي سموتريتش وبن غفير – اذا تسلل الاخير الى الداخل – يمكنها التغلب على الاحراج المتوقع من خرق قسمهم بعدم الانضمام الى حكومة برئاسة نتنياهو. اذا حدث هذا فان حزب ازرق ابيض يعبر عن مكانته الحقيقية في الخارطة السياسية التي ليست في اليسار المتخيل لدعاية نتنياهو، بل في الوسط وعلى يمين الوسط.
هكذا يبقى اليسار عاريا ويلعق الجراح، حيث كامل عزلته وبؤسه يظهر في المرآة اذا نظر اليها. ربما أن الامر يتعلق بفرصة أخيرة لتغيير النهج، وتعزيز النظام، ثورة في الوعي ونظرة حكيمة الى عقب اخيلوس للمعسكر: التنكر للاقليات، الروس، العرب، سكان الضواحي والشرقيين، الذين فقط بامكانهم توفير الطاقة المطلوبة للنصر. بدونهم لن تقوم لليسار قائمة. اسرائيل في هذا الوضع يمكنها أن تتحول بسرعة من ديمقراطية ليبرالية الى بيبيستان، دولة مع زعيم لا يُقهر وليس لديه ما يقوله.