واصل عشرات الآلاف في العاصمة السودانية الخرطوم، طوال يوم الإثنين، تدفقهم نحو محيط القيادة العامة للقوات المسلحة، للمشاركة في الاعتصام الذي بدأ السبت الماضي، من أجل الضغط على الرئيس عمر البشير للتنحي عن السلطة.
وكان ضباط من الجيش قد طلبوا من المعتصمين الابتعاد عن المداخل الرئيسة للقيادة العامة، قبل أن تداهمهم قوات أمنية وتحاول فضّهم بالقوة الجبرية، إلا أن المحاولة انتهت بالفشل بعد تدخل جنود كانوا متمركزين أمام مقر القوات البحرية، وتبادلوا إطلاق النار مع عناصر الأمن لحماية المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط أحد أفراد الجيش قتيلاً متأثراً بإصابته بطلق ناري، بعدما فشلت محاولات إنقاذه، بينما أعلنت "أطباء السودان" قتيلاً آخر، توفي نتيجة لتعرضه للضرب والتعذيب.
وعلى الرغم من الإحباط الذي أصاب المعتصمين، بسبب إبعاد الجيش لهم لمسافة بعيدة قليلاً عن مقر إقامة الرئيس عمر البشير، إلا أن الجانبين تبادلا الثقة طوال اليوم، بعدما ظل المعتصمون في مسافة قريبة أيضاً من مقر القوات البرية والبحرية، وبحراسة مباشرة من وحدات من الجيش، مع انسحاب كامل لقوات الأمن وقوات الشرطة عن محيط القيادة العامة، حيث اكتفت قوات الأمن بالانتشار على مسافة بعيدة عن مقر الاعتصام، وأقامت نقاط تفتيش، كما رابطت قوات الدعم السريع أيضاً بالقرب من مقر جهاز الأمن.
ويستبعد مصدر مطلع، رفض الكشف عن هويته، أن يكون ما حدث من إطلاق نار بين الجيش والأمن، نتيجة وجود خلافات على مستوى قيادي حول طريقة التعاطي مع الاعتصام الذي يعدّ الأكبر من نوعه لمدة 30 عاماً، فى عمر سلطة الرئيس عمر البشير.
ورجّح المصدر نفسه، أن يكون حدوث الاحتكاك بين الطرفين نتيجة إحساس أفراد في الجيش بأهمية حماية المعتصمين، وخاصة أنهم موجودون في محيط القيادة العامة، وأنهم لجؤوا للجيش، ما يعني أنه ليس لديهم تحفظات على الجيش، ولا حتى المعارضة التي حددت مكان الاعتصام وطالبت الجيش بالتدخل والانحياز للشعب السوداني، الذي خرج مطالباً برحيل النظام.
وفي صباح اليوم، بدأ توافد الآلاف نحو مقر الاعتصام غير مكترثين لدرجة الحرارة العالية، وساروا لمسافات طويلة للانضمام للاعتصام، الذي شهد هتافات مدوّية بسقوط النظام، كما أعيد ترديد الهتافات والأغاني المعتادة، وأقيمت مداخل خاصة للترحيب بالمعتصمين الجدد، فيما قامت شركات خاصة بتوزيع المأكولات والمشروبات على الموجودين.
وشكل رموز للمعارضة حضوراً لافتاً في مقر الاعتصام، أبرزهم صديق يوسف، القيادي في الحزب الشيوعي السوداني، بينما عقدت قوى إعلان الحرية والتغيير، التي تنظم الاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات، مؤتمراً صحافياً من داخل الاعتصام، تحدث فيه عدد من القيادات، أبرزهم عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني، ومريم الصادق المهدي نائب رئيس حزب الأمة القومي. وخلال المؤتمر الصحافي تُلي بيان من قوى الحرية والتغيير، شدد على تنحي الرئيس عمر البشير ورحيل نظامه وحكومته فوراً دون قيود أو شروط، وتكوين مجلس انتقالي من قوى إعلان الحرية والتغيير والقوى الثورية الداعمة له، والاتصال السياسي بالقوى المحلية الفاعلة، والقوات النظامية والقوى الخارجية.
وحدد البيان مهمة المجلس الانتقالي بالعمل على تشكيل حكومة مدنية انتقالية، لإكمال تسلّم السلطة.
وفي مقر البرلمان، مثل وزير الدولة بالدفاع الفريق عصام الدين مبارك، أمام النواب في جلسة منعت وسائل الإعلام من تغطيتها. لكن حسب تسريبات لـ"العربي الجديد"، فقد أبلغ الوزير النواب، أن الاعتصام أمام مقر الجيش تم فضه، وأن القوات المسلحة لن تسمح بعودة التجمعات مستقبلاً، وقد أثارت تصريحات الوزير استياءً واسعاً وسط النواب لعدم مطابقتها الواقع.
أما وزير الداخلية بشارة جمعة أرو، فقد كشف في بيان له أمام البرلمان أيضاً، عن مقتل 7 أشخاص خلال اعتصامات وتظاهرات يوم السبت والأحد الماضيين، 6 منهم داخل ولاية الخرطوم، وواحد في ولاية وسط دارفور.
وأوضح أن السلطات قدرت عدد المعتصمين بالقرب من مقرّ القيادة العامة للقوات المسلحة، بنحو 10 آلاف شخص، مشيراً إلى خروج 33 تظاهرة في الخرطوم العاصمة، و13 ولاية أخرى من ولايات السودان البالغ عددها 18 ولاية. وكشف الوزير عن تعرض 42 من أفراد القوات النظامية لإصابات أثناء التعامل مع الاحتجاجات، بينما ألقى القبض على نحو 2496 شخصاً.
ويقول الصحافي عمرو شعبان لـ"العربي الجديد"، إن الغضب الشعبي المتفجر بسبب ما حدث فجر الإثنين من محاولة لفضّ الاعتصام، بلغ مراحل بعيدة دفعت الأسر السودانية للحرص على المشاركة في الاعتصام اليوم، ومعها حتى أطفالها، بغرض بناء مستقبل أفضل لهم. وأشار شعبان إلى أنه بات واضحاً أن الحل الأمني فقد فاعليته تماماً مع انسحاب قوات الأمن والشرطة، فيما توقع تسلل عناصر أمنية وسط المعتصمين، ما يفتح الباب أمام حدوث سيناريوهات احتكاك بين المحتجين والمتسللين.
في الأثناء، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع، أنباءً عن اجتماعات مستمرة لرتب عليا في الجيش. وبرزت أسماء عديدة، من بينها اسم رئيس هيئة الأركان السابق للجيش السوداني الفريق عماد عدوي، مرشحة لتولي السلطة، حال قرر البشير التنحي، وهو أمر لم يعد مستبعداً تماماً، مع تزايد الضغط الشعبي عليه.