شريط الأخبار

آخر الحروب “الإسرائيلية”؟ ..سليم الحص

08:28 - 21 حزيران / يناير 2009

كانت حرب “إسرائيل” الغاشمة على غزة، فيما يرجّح، آخر حروب “إسرائيل” على العرب بعد حرب “إسرائيل” الهمجية على لبنان في عام ،2006 وخذلانها. شنّت “إسرائيل” حرباً وحشية على غزة، فكانت هي التي أوقفت القتال من جانب واحد أولاً، الأمر الذي يوحِي بأن الدولة العبرية كانت هي التي شعرت بالانهاك أولاً، فكانت غزة، على ضآلة حجمها نسبياً وضعف إمكاناتها هي التي كانت الأقدر على الصمود.

 

قد لا نغالي إذ نقول إنّ “إسرائيل”، بعد حربها على لبنان ثم غزة، وفشلها في تحقيق انتصار في الحالتين، قد لا تفكّر في مهاجمة بلد عربي في المستقبل المنظور.

كان ثمة خوف من أن “إسرائيل”، لو لا سمح الله سجّلت انتصاراً في غزة، كان يمكن أن تتوجّه نحو لبنان انتِقاماً لما حلّ بها في حربها عليه في عام 2006. ولو نفذت انتقامها من لبنان بعد تدمير غزة، لما كان هناك ما يلجمها عن مواصلة التوجّه على طريق الغطرسة والعربدة وتهديد سائر الأقطار العربية في المنطقة. أما الشعب العربي الذي قد لا يسلم من استمرار عدوانيتها وتماديها فهو الشعب الفلسطيني، ولا سيما في الضفة الغربية بعد غزة. فليس ما يحميه من تسلّط “إسرائيل” وجورها، وقد أظهرت الحرب على قطاع غزة أن دول العالم في معظمها ليست على استعداد لالتِزام شيء ممّا تدّعي من قِيم أو لممارسة شيء ممّا تزعم من مبادئ العدالة والسلام.

 

وخيبات “إسرائيل” في حربيها على لبنان وغزة سيكون من شأنها إسقاط رهانات قوى خارجية على الدور الصهيوني في المنطقة. وليس من عربي إلاّ وبات مقتنِعاً بعد مسلسل من التجارب المريرة مع الكيان الصهيوني أن “إسرائيل” كيان، إنّما زُرع في المنطقة العربية ليحقّق أهدافاً معيّنة: منها ضرب أيّ كيان عربي يكتسب من القوّة أو السطوة أكثر ممّا هو مكتوب له، وتفتيت الأقطار العربية كيانات وفئات متصارِعة تجعل الكتلة العربية غير ذات شأن في تهديد المصالح الغربية الاستراتيجية، واستنزاف الطاقات العربية الناجِمة عن ثروة النفط. وكانت الدولة العظمى، أمريكا، تستخدم الدولة العبرية أيام الصراع بين الجبارين، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، في التصدّي للمدّ الشيوعي في العالم العربي. والمعروف أن جهاز الاستخبارات “الإسرائيلية” ناشِط داخل المجتمعات العربية يعيث فيها فساداً وفتناً.

ولعل أخطر ما بلغت “إسرائيل” من مكانة في منظومة الشرق الاوسط أنّها أضحت محطّ رِهان حتى من بعض القوى العربية في حساباتها مع تيارات أو قِوى إقليمية معينة. أضحت بعبارة أخرى عنصراً في معادلة النزاعات العربية  العربية، وفي معادلة الصراع بين أنظمة عربية وتيارات حزبية أو عقائدية معينة. فترى بين ظهرانينا قلوباً سقيمة متعاطفة مع “إسرائيل” أو منحازة إليها في مواجهات معينة داخل العالم العربي. وفي حرب “إسرائيل” على لبنان كان بين المسؤولين العرب من يتمنّى ضمناً، وليس جهراً، القضاء على تنظيم حزب الله، وفي الحرب على غزة كان هناك من يصبو إلى القضاء على حركة حماس، وذلك لاعتبارات تتعلّق بصراعات تلك السلطات العربية مع قوى داخلية متعاطفة مع الحزب أو الحركة.

هكذا استحالت “إسرائيل” مع الزمن، للأسف الشديد، عنصر قوّة على ساحة التفاعلات العربية بعد أن كانت عدو المصير العربي بامتياز.

ما زالت “إسرائيل” عدو العرب، واقِعاً ومصيراً، وستبقى كذلك ما دامت تحتل أرضاً عربية في فلسطين وتستولي على القدس الشريف. وهي تذكّرنا بذلك بين الفينة والفينة بمثل حربها على لبنان وحربها على غزة. وإذا كانت بعض الأنظمة العربية ترى لنفسها مصلحة في الانفتاح أو الرهان على العدو الصهيوني في لحظات معينة، فإن الشعوب العربية أظهرت بلا مواربة تمسّكها المطلق بصفاء عروبتها والتزامها القومي الخالِص، خصوصاً في حالات العدوان الصهيوني على جهة عربية، كما كان في الحرب على لبنان ثم في الحرب على غزة.

وإذا كانت “إسرائيل” تتصرّف بدافِع غطرسة التفوّق والقوّة في تعاطيها مع الجوار العربي، فقد تزعزع هذا الرِهان في الحرب على لبنان في عام ،2006 وتقوّض نهائياً في الحرب على غزة في عام ،2009 وذلك بفضل المقاومة في الحالتين. لعلنا لا نغالي إذ نقول إن “إسرائيل” لن تجرؤ بعد اليوم على شنّ حروب جديدة على الجوار العربي، ولكن الشعب الفلسطيني في غزّة أو الضفة الغربية يبقى مُعرّضاً لاعتداءات الصهاينة وانتهاكاتهم بلا حدود. ويبقى السؤال: كيف يجب أن يكون الردّ العربي في تلك الأحوال؟ هل ستكون المقاومة العربية هي الردّ؟

 

 

انشر عبر