بقلم: دافيد حاخام
(المضمون: يجب ايجاد تهدئة امنية في غزة بثمن حد ادنى يتمثل بمساعدة مدنية وتحويل اموال من مصادر خارجية دون التنازل عن المطالب الامنية -المصدر).
بعد سنة تقريبا على بداية المظاهرات على الحدود بين القطاع واسرائيل، وعلى خلفية الجهود المصرية لترسيخ التهدئة، يطرح على جدول الاعمال سؤال أي طريق على اسرائيل أن تتبعها تجاه حماس. أرغب في مناقشة هذا السؤال ايضا على قاعدة معرفتي القريبة والطويلة التي امتدت لسنوات في اطار خدمتي العسكرية حول ما يحدث في القطاع ومعرفتي بشخصيات رفيعة المستوى من حماس.
تحليل خطوط العمل التي على اسرائيل اتباعها يقتضي معرفة استراتيجية حماس، خاصة على المستوى السياسي والايديولوجي. يجدر التأكيد على أن حماس التي انشئت بعد بضعة ايام على اندلاع الانتفاضة الاولى (على اساس تنظيم "المجمع الاسلامي" الذي عمل في القطاع بمصادقة اسرائيل منذ 1979) عمل فعليا كفرع لحركة الاخوان المسلمين التي انشئت في مصر في نهاية العشرينيات، تأثر منها ومثل مبادئها في الساحة الفلسطينية.
على المستوى الملموس يجب التعامل مع مستويين رئيسيين كقاعدة للتحليل. الاول هو السياسي – الايديولوجي، حماس تطرح فيه نظرية منظمة ومفصلة لمواقفها وآرائها، ومصاغة بصورة قاطعة فيما يتعلق باسرائيل واليهود. بالملخص، حماس ترفض وجود اسرائيل وهي لا تعترف بها ككيان سياسي شرعي وتدعو فعليا الى تصفيتها واقامة دولة اسلامية فلسطينية على انقاضها. كل ذلك في حدود معينة، من البحر الى النهر. وكمرحلة اولى تمهيدا لاحياء الخلافة الاسلامية في المستقبل.
المستوى الثاني هو مستوى النشاط على الارض. بالملخص، في هذا الشأن يمكن ملاحظة مقاربة براغماتية من جانب حماس، التي يتم التعبير عنها كاستعداد للدفع قدما بتفاهمات مع اسرائيل على وقف اطلاق النار (تهدئة حسب وصفها). ولكن دون الاعتراف باسرائيل ومن خلال اجراء مفاوضات معها بواسطة وسطاء.
قبل سنة تقريبا بدأت حماس بمظاهرات ومواجهات عنيفة على طول الحدود، من خلال تسميتها "مسيرات العودة وكسر الحصار"، من خلال الشعور بالازمة التي وجدت نفسها فيها في اعقاب دفعها الى الزاوية سواء من قبل اسرائيل أو من قبل الانظمة العربية، هذا على خلفية التطورات في المنطقة، قلة الاهتمام بالموضوع الفلسطيني، الوضع الاقتصادي الصعب الذي تغرق فيه حماس، والانشغال المتزايد بمواضيع اقليمية اخرى، وفي مركزها مشكلة ايران. في هذه الظروف تعزز في حماس الخوف من تهديد متزايد على استقرار حكمها وعلى استمرار سيطرتها في القطاع. الاحداث العنيفة على الحدود تستهدف تغيير قوانين اللعب من ناحيتها.
في الحقيقة، حماس تدير ضد اسرائيل حرب استنزاف. التهديد الذي تضعه حماس امام اسرائيل ليس بمستوى الخطر الوجودي، ومظاهر نشاطها في السنة الاخيرة لا تشكل بالنسبة لها ذريعة للحرب. ازاء ذلك على اسرائيل أن تظهر مقاربة تدمج التصميم والصبر والصمود والعمل ضد حماس بخطوات محسوبة، من خلال الاعتراف بأن الامر لا يتعلق بصراع قصير على نمط "ضربة واحدة وانتهى الامر"، بل معركة طويلة ومتواصلة.
في سيناريو بحسبه تقف اسرائيل امام ضرورة شن عملية عسكرية شاملة عليها أن توقع ضربات مؤلمة لاهداف حماس – ولكن ليس من خلال نية احتلال المنطقة، ومن خلال التصرف بصورة لا تجرها الى التخبط ثانية في وحل غزة.
إن اعطاء تفويض جديد للسلطة الفلسطينية للعمل في القطاع يبدو لي في الظروف الحالية سيناريو لا اساس له وغير واقعي. حماس سيطرت في 2007 على القطاع ليس من اجل تحويل المنطقة على طبق من ذهب الى أيدي محمود عباس. في أي سيناريو لا أرى كاحتمال معقول موافقة من جانب حماس على نزع سلاحها واعطاء عباس المسؤولية لادارة الشؤون بروح طلبه المعروف وهو "حكم واحد وقانون واحد وسلاح واحد".
في هذه الظروف على اسرائيل أن تواصل سياستها الحالية، التي يتم التعبير عنها بجهد لتأسيس تهدئة امنية لفترة طويلة بقدر الامكان، مقابل ثمن بالحد الادنى من ناحيتها يتمثل بتحويل مساعدات مدنية انسانية، ضخ الدعم المالي من مصادر خارجية وتوسيع منطقة الصيد. مع ذلك، على اسرائيل أن تقف بالمرصاد وأن تمنع تآكل مطالبها الامنية ومواصلة الاشراف الشديد كمحاولة لاحباط تعاظم قوة حماس العسكرية.
في هذه الايام حيث اسرائيل تقف ازاء تحدي مهدد تضعه حماس، أنا أتذكر الاقوال التي قالها لي رئيس البلدية الاسطوري في غزة، رشاد الشوا، والتي تظهر كنبوءة تجسدت. لقد كان ذلك قبل فترة قصيرة من موته في ايلول 1988، قبل اقل من ساعة على اندلاع الانتفاضة. جلسنا على شرفة بيته الذي عاش فيه في حي الرمال الفاخر، وحولنا سمعت اصوات المتظاهرين المحتجين ضد الاحتلال الاسرائيلي، وزجاجات حارقة القيت على الشارع، وسحب دخان كثيفة تصاعدت من الاطارات المشتعلة. نظر نحوي وسأل "ما هي غزة؟"، وبدون الانتظار سارع الى الاجابة: "غزة هي مشكلة اسرائيل". بالحسنى ستعيش معكم بسلام، وبالشر ستكون حجر رحى معلق على رقابكم.
* * *