منذ أيام تبذل جهود لانهائية لمنع اشتعال واسع في الساحة الفلسطينية قبل انتخابات الكنيست. في يوم الثلاثاء خرجت بعثة من المخابرات المصرية لاجراء اتصالات تسوية حول ازمة الحرم. هناك الخلاف يدور حول فتح مبنى موجود في أيدي الاوقاف.
اليوم مثلما في ايام الجمعة، هو ذو اهمية بالنسبة لمستقبل الازمة في غزة، والآن ايضا في القدس. احتجاج المصلين مخطط له على ابواب الحرم ويمكن أن يبدأ قبل ساعات من المظاهرات على حدود غزة. الاجواء المريحة ليست بشرى طيبة، لأنه في ظروف كهذه من السهل جذب عدد اكبر من المتظاهرين وعندها من الصعب على المنظمين الفلسطينيين السيطرة على قوة الاحتكاك.
لا يوجد لحماس خطط فورية لمواجهات عسكرية واسعة في القطاع، وللمصريين كما يبدو لا توجد خطط واقعية لتحقيق ما سمي في السابق "تسوية كبيرة". وقف طويل لاطلاق النار يتضمن رفع الحصار عن غزة وحل مشكلة الاسرى والمفقودين الاسرائيليين. حماس تشد بصورة مقصودة الحبل من خلال ادراك الحساسية الاسرائيلية للضغوط على خلفية الحملة الانتخابية على أمل تحقيق تسهيلات.
مساء أول أمس عندما قتل شاب فلسطيني على أيدي قوات الجيش الاسرائيلي قرب الجدار تم اطلاق صاروخ من القطاع على منطقة مفتوحة في النقب الغربي وتم تشغيل القبة الحديدية (لكن لم تعترض الاطلاق). اسرائيل تصعد قليلا هجماتها على مواقع حماس على الحدود ومعسكرات المنظمة في عمق القطاع، لكن كل خطوات الطرفين تتم حتى الآن بضبط نسبي. وقليل من المصابين يمنع في هذه الاثناء فقدان السيطرة. في اسرائيل قلقون ايضا من احتمال أن حادثة عسكرية وحيدة من الجهاد الاسلامي على الحدود ستبتلع كل الاوراق: لهذا التنظيم توجد سياسة منفصلة عن حماس، ومؤخرا وقف خلف سلسلة من احداث اطلاق النار للقناصين على قوات الجيش الاسرائيلي.
حماس تتوقع من الوسطاء المصريين – هذا الاسبوع تم اشراك المبعوث القطري في الاتصالات – أن يحصلوا من اسرائيل على عدة خطوات: زيادة فورية لتزويد الكهرباء، السماح بتحويل اموال اخرى من قطر، توسيع منطقة الصيد امام شواطيء القطاع وتسهيلات للحركة في المعابر. في الايام العادية هذه رزمة كان يمكن لرئيس الحكومة نتنياهو كما يبدو أن يتعامل معها، لكن الصعوبة تنبع من الادعاءات التي ترتفع من اليمين واليسار بشأن اظهار ضعف من قبل رئيس الحكومة تجاه الارهاب. نتنياهو يوجد في شرك: تسهيلات هدفها منع الاشتعال ستعرض في اوساط اعدائه كتنازلات وخضوع. في المقابل، ايضا الانحراف نحو جولة عنف لبضعة ايام مثلما حدث في المرة الاخيرة في تشرين الثاني الماضي يمكن أن تبقي الجمهور في اسرائيل مع شعور مرير بأنه لم يتحقق شيء – والتأثير بصورة سيئة على انجازاته في الانتخابات.
التوتر في غزة يؤثر على نقطتين اخريين للتوتر – في الحرم وفي السجون الاسرائيلية. ولكن في نفس الوقت ايضا يتأثر منهما. وفي الحالتين الحديث يدور عن مسائل تعتبر حاسمة للنضال الفلسطيني: القدس والسجناء. في الايام الاخيرة حاولت اسرائيل والاردن التوصل الى تسوية وازالة التوتر الذي خلقه فتح مبنى باب الرحمة الواقع في الجانب الداخلي في الحرم قرب باب الرحمة. في البلاط الملكي في عمان وصلت امس بعثة اسرائيلية رفيعة المستوى لاجراء محادثات مستعجلة بشأن الوضع في الحرم.
الاوقاف فتحت المبنى في منتصف شباط بعد اغلاقه لمدة 16 سنة من خلال استغلال حقيقة أن امر الاغلاق للشرطة للمبنى لم يمدد. الرياح في شرقي القدس عاصفة بسبب اوامر الابعاد عن الحرم التي اصدرت لنشطاء فلسطينيين قبل الصلاة اليوم. مصادر مرتبطة بفتح وحماس دعت المتظاهرين – وهناك خوف من مواجهة خارج ابواب الحرم في صلوات احتجاج جماهيرية. القصد واضح: تكرار النجاح في ازمة البوابات الالكترونية في صيف 2017 واجبار نتنياهو على التراجع.
في السجون تستمر المواجهة بين مصلحة السجون وقيادات السجناء الامنيين على ضوء تركيب اجهزة تشويش للهواتف الخلوية. هذا الاسبوع هاجم وزير الامن الداخلي جلعاد اردان موقف الجيش الاسرائيلي الذي عارض توقيت نشاطات مصلحة السجون على خلفية الوضع في غزة وفترة الانتخابات. في تغريدة في تويتر اعتبر اردان ادعاء الجيش "غير معقول". وفي الجيش الاسرائيلي امتنعوا عن الرد. في هذه الاثناء تمسكت السلطة بقرارها أن تمتنع تماما عن تسلم اموال الضرائب من اسرائيل، احتجاجا على قرار الكابنت خصم نصف مليار شيكل منها (كعقوبة على الدعم الاقتصادي الذي تحوله السلطة للسجناء الامنيين). رئيس السلطة محمود عباس يقف وراء ذلك – رغم أن الاستخبارات الاسرائيلية تقدر أن ذلك سيؤدي الى ازمة شديدة في ميزانية السلطة خلال شهرين تقريبا.
في محادثات مع عدد من رجال الامن يظهر انطباع بأن الضغط السياسي في فترة الانتخابات يحث المستوى السياسي على اتخاذ خطوات تظاهرية – خصم من اموال الضرائب للسلطة، تركيب اجهزة التشويش في السجون، الانحراف نحو مواجهة في الحرم. تراكم هذه الخطوات يزيد جدا خطر الانفجار، لكن القدرة على اقناع نتنياهو بأن يكون مرنا تقل، في الوقت الذي يتركز فيه الاهتمام على الانتخابات والتحقيقات. في الوقت الذي يرى فيه رؤساء اجهزة الامن رئيس الحكومة يهاجم بشكل شخصي شخصيات كبيرة في النيابة العامة، في اعقاب نشر لائحة الشكوك ضده، من المعقول أن هذا الامر لا يعطيهم الشجاعة للتمسك بضراوة اكبر في مواقفهم المهنية.
كوخافي ينظف الطاولة
على طاولة رئيس الاركان الجديد افيف كوخافي سيوضع قريبا تحقيقات مفصلة حول حادثتين شديدتين حدثتا في ولاية سلفه غادي آيزنكوت. طاقم برئاسة الجنرال نتسان الون وفيه ممثلون عن اجهزة الاستخبارات الاخرى، انهى فحص عبر الخلل العملياتي في خانيونس في تشرين الثاني الماضي الذي قتل فيه ضابط برتبة مقدم (اسمه بصورة استثنائية لم يسمح بنشره) بعد أن شخصت حماس قوة خاصة اسرائيلية في ذروة نشاط حساس. في نفس الوقت سينتهي عمل طاقم خبراء برئاسة العميد اورن سمحا الذي فحص عبر الحادث التدريبي الذي غرق فيه في شهر كانون الثاني مقاتل من دورية المظليين، العريف افيتار يوسفي، في فيضان في وادي حلزون في الجليل.
الحادثة في خانيونس هبطت بسرعة عن الاجندة الاسرائيلية: ستار من التعتيم الشديد وضعته الرقابة العسكرية لا يمكن من البحث في تفاصيلها – لا بالتعقيد الذي خلاله شخصت اجهزة الحماية لحماس القوة ولا في اظهار البطولة والشجاعة التي مكنت من انقاذ المقاتلين بعد قتل ضابط واصابة آخر دون أن يكون أسرى أو مصابين آخرين. الحادثة نفسها اشعلت تبادل للكمات استمر يومين مع الفلسطينيين في القطاع وخلالها اطلق اكثر من 500 قذيفة وصاروخ من القطاع نحو جنوب البلاد. وفي النهاية استقال افيغدور ليبرمان من منصبه كوزير للدفاع، وقال إن الدافع لهذا القرار يرتبط بالخلاف مع نتنياهو ومع رئيس الاركان اللذان عارضا طلبه لشن عملية واسعة ضد حماس.
تداعيات العملية في خانيونس يمكن أن تكون عميقة وواسعة: ستجبر على اعادة فحص الطريقة التي يشغل بها الجيش قوات خاصة في مهمات حساسة خلف خطوط العدو؛ توزيع المهمات والتنسيق بين اجهزة الاستخبارات المختلفة، وحدود الصلاحيات والمسؤوليات داخل قسم المخابرات في الجيش. من نواحي كثيرة يبدو أن هذه المشكلة تأثيرها سيكون كبير حتى اكبر من التعقيدات السابقة التي نسبت للاستخبارات الاسرائيلية ومنها قضية اغتيال رجل حماس محمود المبحوح في دبي في العام 2010، أو كشف شبكة التجسس في لبنان قبل سنة من ذلك.
جزء كبير من الاخفاقات حول موت الجندي يوسفي كشف في التحقيقات التي نشرها ينيف كوفوفيتش في الصحيفة. كوخافي سبق والتقى مع المحققين العسكريين في الاسبوع الماضي وارسلهم للقيام بعدة استيضاحات واستكمالات. اضافة الى ذلك يجري تحقيق في الشرطة العسكرية، ويتوقع جدا أن ينتهي بتقديم عدد من المتورطين للمحاكمة الجنائية.
ولكن قبل ذلك، كما يبدو، في الاسبوع القادم سيتخذ رئيس الاركان قرارات قيادية خاصة به. في الجيش يدركون خطورة الاخفاقات – كان هناك المزيد من دلائل التحذير تقضي بأن لا يدخل الجنود الى الوادي في مثل هذه الاجواء التي سادت في المكان، لكنهم دخلوا. الافتراض السائد هو أن رئيس الاركان الجديد سيستغل هذه الحادثة من اجل وضع منسوب توقعات عال من الضباط، بالتحديد في لوائه الذي جاء منه، لواء المظليين. ربما أن عدد من المتورطين (حتى على مستوى قيادة الكتيبة) سينهوا وظائفهم ابكر من المخطط له أو أن ترقيتهم (حتى رتبة لواء) ستتأخر.
الجبهة الداخلية ما زالت في المقدمة
الخلاف على توزيع الصلاحيات في الدفاع عن الجبهة الداخلية بعيد عن أن ينتهي. في الشهر الماضي كتب في "هآرتس" أن المواجهة بين قيادة الجبهة الداخلية وسلطة الطواريء الوطنية في وزارة الدفاع تؤثر سلبا على استعداد الجبهة الداخلية الاسرائيلية للحرب. رؤساء مركز السلطة المحلي وهيئة المجالس الاقليمية ارسلت رسالة مستعجلة لنتنياهو بصفته الاخرى كوزير للدفاع، وطلبوا منه احلال النظام بين الاجسام المختلفة. في نهاية ولايته تبنى ليبرمان استنتاجات لجنة فحص قام بتعيينها بعد أن اوصت بتركيز الصلاحيات العملياتية في قيادة الجبهة الداخلية وارجاع سلطة الطواريء الوطنية الى مكانتها الاصلية – جسم في قيادة الاركان (ليبرمان حتى فحص تغيير اسمها الى سلطة قيادة الاركان للطواريء الوطنية، لكنه قرر بأن الفكرة غير ناجحة عندما تبين أن بداية حروفها البدائية ستكون ماحل). اللجنة برئاسة الجنرال احتياط آفي مزراحي، وجدت ازدواجية في الوظائف والنشاطات بين قيادة المنطقة وسلطة الطواريء الوطنية، تبذير اموال كبير وجو من الخصام بين الجسمين.
استنتاجات اللجنة لم تطبق حتى الآن بسبب معركة صد يديرها رئيس سلطة الطواريء الوطنية الجديد، العميد احتياط زئيف تسوك رام، الذي كان عضوا في لجنة مزراحي ووقع على الاستنتاجات، هو الذي يمنع الآن تطبيقها. النتيجة هي قطيعة تامة بين قيادة الجبهة الداخلية لسلطة الطواريء الوطنية وبين قائد المنطقة، تمير يدعي، وبين تسوك رام. هذه بالمناسبة الفترة الثانية لتسوك رام في الوظيفة بعد انقطاع لسبع سنوات، التي خلالها شغل وظائف كبيرة في مجلس الامن القومي. حتى في الجولة السابقة حدث شرخ بينه وبين قائد المنطقة في حينه يئير غولان.
نتنياهو أمر مؤخرا مدير وزارة الدفاع، الجنرال احتياط اودي آدم، بالعمل على تطبيق استنتاجات لجنة مزراحي. اذا كان تمترس رئيس سلطة الطواريء الوطنية سيستمر فربما يتخذ قرار باجراء تغييرات في قيادة الهيئة. ولكن لا يبدو أن تسوك رام متأثر من ذلك: بعد يومين من رسالة هيئة الحكم المحلي، ارسلت لرؤساء السلطات رسالة تهدئة بتوقيع الستة رؤساء الوية في سلطة الطواريء الوطنية. الستة يقولون إنه "لا توجد سلطة محلية أو مواطن سيارته تضررت لاسباب تتعلق بعمل سلطة الطواريء الوطنية وقيادة الجبهة الداخلية".
في منتصف الاسبوع اجرت السلطة تدريب واسع لمدة ثلاثة ايام فيه اختبرت صلاحياتها في اطر عسكرية من خلال تجاهل مطلق لاستنتاجات لجنة مزراحي. في التدريب شارك ممثلون عن وزارات الحكومة، لكن لم يحضر ممثلون عن قيادة الجبهة الداخلية، هذا الجسم سيضطر الى العمل الى جانب سلطة الطواريء الوطنية اثناء الحرب.
الجنرال مزراحي قال للصحيفة إن عدم تطبيق توصيات اللجنة "سيلحق ضرر امني حقيقي. وهذا بوضوح سيضر باستعداد الجبهة الداخلية. ليبرمان سبق وتبنى كل التشخيصات التي قمنا بها، لكن فعليا لم يتم تطبيقها حتى الآن. هذا ببساطة ضربة: سلطة الطواريء تحاول التشبه بقيادة الجبهة الداخلية 2، في خلاف كامل مع استنتاجاتنا". وزارة الدفاع قالت ردا على ذلك بأن وزراء الدفاع صادقوا على توصيات لجنة مزراحي وأن "طريقة تطبيقها توجد الآن قيد النقاش بين جميع الجهات ذات العلاقة".