محمود عباس اتصل مع خالدة جرار الساعة الواحدة ظهرا في يوم الاحد لتهنئتها بتحريرها من الاعتقال الاداري الذي استمر عشرين شهرا. الى جانبه كان رئيس الاستخبارات ماجد فرج. فرج هنأها اولا وهي ردت بتهنئته على شفائه من المرض. عندها حول الخط لعباس الذي قال: "لقد اشتقت اليك". هذه تهنئة مؤدبة وعادية جدا، مثل كيف حالك. وجرار اجابته بالاجابة المطلوبة: "ايضا أنا اشتقت اليك، أخ ابو مازن".
لقد قال لها انهم في طريقهم الى بغداد، الى ما يسميه المتحدثون الرسميون بلقاء هام مع الحكومة العراقية. حسب ما نشره عدد من مواقع الانترنت، في المرة الاخيرة التي التقت فيها جرار مع عباس في لقاء القيادة الفلسطينية في حزيران 2017، انتقدت بشدة سياسة العقوبات لرئيس السلطة تجاه غزة وكذلك التنسيق الامني مع اسرائيل. كان هناك حتى تقارير قالت إن عباس كان ينوي منع مشاركتها في جلسات القيادة. بعد شهر من ذلك الشباك والجيش الاسرائيلي اعتقلوها من بيتها.
ولكن هذا الاسبوع ظهر أن محمود عباس وخالدة جرار ايضا طبيعيان في تبادل الاقوال القصيرة. محادثتهما جرت اثناء مقابلة لجرار مع قناة تلفاز محلية، وبعد ذلك لقاء مع "هآرتس" ومكالمة هاتفية مع شخصية رفيعة في حركة فتح، استوضح متى يمكنه زيارتها، وزيارة قصيرة لاحدى الاقارب كانت منفعلة وتبكي والتي جاءت لتهنئتها ولم تعرف أنه كان هناك استقبال جماهيري.
كشخص مجرب من اطلاق سراحها السابق في حزيران 2016 علم زوجها غسان جرار أن البيت سيكون صغير على احتواء المهنئين. لذلك اهتم مسبقا باستئجار قاعة في الكنيسة الكاثوليكية في رام الله مدة ثلاثة ايام، ست ساعات كل يوم، بدء من يوم اطلاق سراحها، يوم الخميس الماضي. لقد حضر الآلاف كأفراد وجماعات.
الناس جاءوا من الخليل والقدس وجنين وطولكرم ومن حيفا والناصرة، من قرى ومخيمات لاجئين، كبار وصغار، رجال ونساء. منهم من هو محدد اللون السياسي ومنهم من هم ليسوا سياسيين. الناس الذين عرفتهم جرار وكثيرين لم تعرفهم. اشخاص معروفين وغير معروفين.
جاء سجناء سابقون ("أنا في فترة بين اعتقالين"، سخر شخص ما). لا توجد عائلة فلسطينية لم تجرب الاعتقال أو السجن الاسرائيلي لأحد أبنائها أو بناتها بتهمة مقاومة الاحتلال الاسرائيلي.
جرار صافحت الجميع وعانقتهم وتحدثت بلطف مع كل من جلس قربها وكأنه كان الشخص الوحيد في القاعة. التقطت صور السيلفي مع من أراد ذلك، واجرت مقابلات قصيرة وبالاساس ابتسمت كثيرا. "منذ زمن لم ابتسم هكذا، منذ فترة لم نكن في وضع نفسي افضل" لخصت على الفيس بوك نشيطة نسوية كانت من بين مستقبلي جرار في الكنيسة يوم الخمس. "كم هو جميل رؤية هذا القدر من الناس، ومن اجل التغيير ليس في خيمة عزاء"، ابدت امرأة اخرى ملاحظتها.
الاستقبال كان دعوة لتذوق طعم الوحدة الوطنية وتقاسم لحظة جميلة لا يمكن عزلها عن الضائقة المستمرة، بصورة منفصلة ومعا، لحياة تحت سلطة اجنبية، معادية وعنيفة. هذه كانت فرصة للتغلب على مدى ثلاثة ايام على الاحباط والعجز الجماعي الذي تسببه الانقسامات السياسية، الاقتصادية – الاجتماعية الداخلية، وأن تضع جانبا لفترة قصيرة المخاوف من تصعيد العنف الاسرائيلي. كانت هذه فرصة للاحتفال معا بالخروج من السجن الصغير وتجاهل للحظة الاقفاص الكبيرة.
"أنا ما زلت مشوشة وأقدر أنه سيستغرقني شهرين – ثلاثة كي اعتاد"، قالت جرار. ايضا في بيتها هي اكثرت من الابتسام والضحك مع زوارها، ضحكة معدية من اعماق القلب، في حين أن زوجها غسان كان يهتم بتقديم القهوة والشاي والدخول مع طبق مليء الى الغرفة وتوزيع البقلاوة والشوكولاتة، ويصر على أن يأكل الضيوف.
مظاهرة في يوم المرأة
"كيف حال تمار؟" (المحامية تمار بيلغ)، اظهرت خالدة الاهتمام في يوم السبت في قاعة الكنيسة. في يوم الاحد اتصلت مع بيلغ (93 سنة) التي منذ بداية الانتفاضة الاولى كانت محامية مئات المعتقلين الاداريين من بينهم غسان جرار، الذي سجنته اسرائيل بدون محاكمة أو لائحة اتهام أو حق ادعاء البراءة. "لن انسى ما فعلتيه من اجلهم"، قالت خالدة لها واضافت "أنا افكر بك كثيرا واشتاق اليك". هذه المرة لم يكن اشتياق "مجاملة".
الاعتقال الاول لجرار كان في 1989 بسبب مشاركتها في مظاهرة في 8 آذار في يوم المرأة. في نيسان 2015 اعتقلت جرار من بيتها وادينت بصفقة في أنها تتصرف كعضوة في منظمة غير شرعية وفي تقديم خدمات وفي التحريض. حكمت 15 شهر سجن واطلق سراحها في حزيران 2016. بعد سنة، في تموز 2017، مرة اخرى جاء الجنود الى البيت في الليل واعتقلوها – كانت منتخبة من الجمهور، عضوة في البرلمان الفلسطيني في قائمة أبو علي مصطفى، على اسم السكرتير العام للجبهة الشعبية الذي اغتالته اسرائيل في آب 2001.
على رأس القائمة تم وضع احمد سعدات الذي ادين بالتورط في اغتيال رحبعام زئيفي في تشرين الثاني 2001 وحكم عليه 30 سنة. للمحقق لم يكن هناك ما يحقق فيه معها، النيابة العسكرية لم تنجح في وضع أي تهمة كما يبدو تمكن من تقديمها لمحاكمة صورية. "اعتقلوني وانا اعرف لماذا"، قالت جرار، "بالاساس أنا اعرف أن على الجميع ان يظلوا في البيت وأن لا نفتح فمنا، وهذا مخيف".
خلال فترتي الاعتقال لزوجته، غسان كم كان اسهل عليه أن يكون في السجن هو نفسه من أن يعاني من اعتقال خالدة. لقد فوجئت من السؤال: هل شعرت بنفس الشيء، أي أنه من السهل عليك أن تكوني في المعتقل على أن تعاني من اعتقال غسان؟ بعد لحظة تفكير قالت "أنا افهم اليوم كم هو السجن صعب"، واضافت "عندما كنت في السجن قلقت على غسان، كيف يدبر اموره في البيت". مرة اخرى ضحكت ضحكتها المدوية.
تجربتها الاصعب في السجن كانت موت والدها، كنعان، بعد شهر ونصف من اعتقالها. ايضا هذه تجربة - موت شخص قريب وانت في السجن، هو امر يوجد في تاريخ حياة آلاف الفلسطينيين.
جرار قالت إنه ذات يوم في الخامسة مساء استدعيت هي وممثل الاسيرات الى عيادة سجن الشارون. دهشت، لم اخمن أي شيء، كان هناك طاقم من السجانين، احدهم درزي بدأ بقول التعزية العادية وبعدها تحدث عن والدي وعرض علي شهادة الوفاة التي ارسلها الى السجن محمود، المحامي من الضمير، جمعية دعم السجناء وحقوق الانسان التي ادارتها جرار قبل انتخابها للمجلس التشريعي.
عندما عدت الى الغرفة سمحوا لعدة سجينات من الغرف الاخرى بتعزيتي، وفي اليوم التالي سمحوا لي بالحديث هاتفيا مع العائلة مدة عشرين دقيقة، قالت. الوالد، صاحب محل العاب في نابلس، الذي لم يتوقف عن العمل حتى عندما وصل الى العقد الثامن من عمره. لم يكن بصحة جيدة. في المساء الذي سبق اعتقالها زارته في المستشفى وابنتها سهى ذكرتها هذا الاسبوع "لقد احضرت له طبخة بازلاء". سهى سالت خالدة. ما هو التغيير الذي صدمها بشكل خاص عندما خرجت من السجن واجابت فورا: وضع امي الصحي الذي تدهور بدرجة كبيرة عندما اصبحت بصعوبة تستطيع المشي. هذه تجربة فلسطينية جماعية اخرى: أن تعيش في سجن كزمن مجمد وأن تخرج وتكتشف الفترة التي انقضت على والديك اللذين كبروا اكثر والاولاد الذين كبروا.
انجازات في السجن
رغم الصعوبات الموجودة في السجن، خالدة استغلت جيدا الفترة هناك للقراءة والتعلم الشخصي، لكن بالاساس تشجيع الاسيرات والسجينات الاخريات على التعلم والقراءة والتناقش في حقوق الانسان وحقوق النساء والاسيرات، مكانتهن والتمييز ضدهن في المجتمع. يقولون إن تقليد التعلم والقراءة للسجناء الامنيين الفلسطينيين انخفض من بداية التسعينيات. في السنوات الاخيرة هناك عدد من السجناء يحاولون العمل على تجديده وجرار انضمت لهذا التوجه. عشية يوم المرأة السنة الماضية الغت حكومة رامي الحمد الله عدد من القوانين التي تميز ضد النساء وكان هذا سبب لنقاش احتفالي في السجن في المساء، وفي الغد التعرف على انجازات يوم المرأة العالمي.
البرلمان الذي انتخبت له جرار في 2006 تم تعطيله كسلطة تشريعية، لكن عدد من المنتخبين وخاصة الذين من الاحزاب اليسارية الصغيرة ومنهم جرار حاولوا التأثير بطرق مختلفة على الخطاب العام في الشؤون الاجتماعية مثل توزيع الميزانية وحقوق النساء. جرار استخدمت تجربتها هذه في السجن. وفي السجن كما قالت ادركت عن قرب المشاكل الاجتماعية مثل العنف ضد النساء الذي دفع عدد منهم الى أن يعتقلن أو حتى محاولة الانتحار بواسطة التلويح بسكين امام الجنود.
"السجن ليس المكان وليس الحل لكن" قالت لهؤلاء النساء. النساء اللواتي خرجن من السجن قلن إنها كانت دائما لديها الوقت لدعمهن ومساعدتهم في اوقات الازمة. "لا تقولي ليس لديك رأي"، اعتادت القول، وفرحت من الاكتشاف في الاعتقال الاخير أن احداهن تحولت الى مصممة والآن حتى تنوي الترشح للانتخابات القريبة القادمة عندما ستتحرر.
الحياة بصورة جماعية عن قرب ولفترة طويلة جدا، قالت جرار، مع نساء من كل الطبقات الاجتماعية والمناطق الجغرافية المختلفة والتحادث معهن زادت توضيح وعيها "الى أي درجة النساء لدينا يعانين": تحت الاحتلال الاسرائيلي وفي المجتمع الفلسطيني.