بتغذية من الاحتلال وخلل في التفكير تنتشر جرائم القتل!.. إبراهيم أبو صفية

الساعة 03:37 م|17 فبراير 2019

في ظل الترهل السياسي والانقسام الذي يعصف بالساحة الفلسطينية من سنوات، وقد وصل جميع فئات المجتمع بعد أن كان محصورًا في الأحزاب والسلطات السياسية، ومع تشديد الاحتلال لقبضته الإرهابية وحالة التشظي المنتشر وحرمان الفرد من الحقوق الأساسية لِحقوق الإنسان كبشر، والتفاوت الذي خلقته الرأسمالية، والاستبداد الفكري والسياسي والمجتمعي الذي جسده الاحتلال بصورة ممنهجة ومنظمة، كانت النتيجة بأن ازدادت الجريمة بكافة أشكالها.

كما أن كل ثورة في نظر المستعمِر يجب أن تُعاقب، وأن عقابها يكون من الداخل، من خلال دعم الفساد والمفسدين والعملاء، الذين تحولوا اليوم من المهنة التقليدية إلى مهنة مبرمجة أعد الاحتلال خططًا لتمريرها، والتي تقوم على دعم الاقتتال العشائري وبث الفتنة العرقية والدينية الطائفية، وترويج المخدرات، والقيام بعمليات إسقاط واسعة، تؤدي بنهاية المطاف إلى الانفلات المجتمعي وعدم ضبطه.

في نهاية الانتفاضة الثانية صرح قائد الأركان الصهيوني السابق "موشي يعلون" وفي أكثر من مناسبة وعلى نحو واضح وصريح، بأنه لا بد من "إعادة صهر الوعي الفلسطيني" وأن الخطط العسكرية لجيشه تستهدف تحقيق ذلك، وعندما تحدث عن "كي الوعي" ندرك جيدًا كيف يعيدون تشكيل قناعات وسياسات جديدة تنحرف عن الهدف الأصلي وتقزّمه، إلى أن تكون في نهاية المطاف متفقة أو غير متعارضة مع شروط العدو، أو تحت السقف الذي يقبله.

وجسدت دولة الاحتلال نظامًا يتجاوز فكرة "الفصل العنصري" أو "الاحتلال الاستيطاني"، والإبادة السياسية للفلسطيني، بل تدخلت في تفاصيل الحياة اليومية وفي توجهات مجتمع بأكمله باستعمال أحدث الوسائل والمخاطبة، وبث الرسائل التي تصور "الاحتلال" على أنه رحيم بينما الفعل المقاوم "جحيم" يرسلهم لمربعات الضيق والحصار، كما أنها بعد الأحداث العربية استشهدت بنماذج الدمار التي خلفته تلك الأحداث وخصوصاً في سوريا لقربه الجغرافي المتلاصق مع فلسطين.

وإذا ما أقبل الباحثون بدراسة حالات القتل والأدوات الممتهنة بعملية القتل، نجد استحضار نماذج إرهابية جسدتها الصورة ونقلتها لوعي القاتل، والتأثير الذي تركته فيديوهات (داعش) والمجموعات الأخرى وصورة التعذيب في السجون العربية، كلها مشبعة بمناظر تعجز المؤسسات الإعلامية على بث هذه النماذج في القتل.

فهي صورة متكاملة لعملية صهر الوعي وكيه، يبدأ بتضييق الاحتلال، والخنق وأول خطوة قام بها الاحتلال في هذا المسار هو ضرب فكرة المقاومة وجعلها مكلفة ماديًا من خلال التدمير والهدم والملاحقات، ومعنويًا من خلال ضرب ما أسماه وليد دقة الأسير الفلسطيني في كتابه صهر الوعي "البنية التحتية" وهي مقولة تجسد مجموعة القيم الجامعة لفكرة الشعب الواحد في الحياة اليومية كما تجلى خاصة إبان الانتفاضة الأولى. فالاحتلال ضرب "البنية التحتية" وجهزها لاستقبال نماذج قتل "مبدعة" يستحضرها القاتل في عمليته التي تستهدف ليس الاحتلال بل محيطه وبيئته.

إن ما يُسميه الباحث الفلسطيني من الداخل المحتل، مروان الدويري بـ"العنف المُنزاح"، أيّ العنف الذي يقع على أشخاصٍ لا علاقة لهم بأسباب العنف بشكلٍ مباشر أو غير مباشر. ويوضح الدويري، أن الجديد بما يتعلق بالعنف، ليس كميًا فحسب، بل نوعي أيضاً. إذ يمكن القول أن ما هو حاصل في المجتمع الفلسطيني اليوم، هو حالة انفلات، ينخفض فيها عنف السلطة الاجتماعية والتربوية، في مقابل ارتفاع في عنف الفئات المحبطة والضائعة، ولا سيما عنف الشباب.

وفي مساهمة الإحتلال لتغذية القتل بالمحيط الفلسطيني، لا تفعل شرطة الاحتلال الصهيونية شيئًا حيال تصاعد جرائم القتل في الداخل الفلسطيني المحتل، ويُحلل مجيد شحادة في كتابه "ليست مجرّد لعبة كرة قدم"، قضيّة العنف في ضوء الأحداث الدمويّة التي تلت مباراة لكرة القدم عام 1981 بين فريقين من منطقة الجليل، انتهت بسقوط قتيلين وإصابة آخرين بالرصاص والسكاكين. كان الفريق الأوّل من قرية كفر ياسيف والتي تعيش فيها أغلبية مسيحية، والفريق الثاني من قرية جولس وهي قرية درزيّة. إلّا أن الأحداث لم تنته بانتهاء المباراة، فقد تلت الأحداثُ هجوماً مسلحاً من قبل قرية جولس على قرية كفر ياسيف، إلّا أن ذلك لم يدفع "الشرطة الصهيونية" المُحتلة إلى التدخل رغم مطالب أهالي قرية كفر ياسيف من الشرطة إحضار عناصر شرطية للبلدة لحمايتها، فهذه الحادثة وغيرها ساهمت في التفكك والانهيار، تاركة الاحتلال مطمئناً لوجود هذه الكارثة في الوعي الفلسطيني، كما أنه يعتبرها مؤشراً على أن الفلسطيني فقد بوصلته وابتعد عن قضايا وطنه.

إن المأزق الراهن يطرح ضرورة العودة مجدداً إلى الثورة ومواصلة المقاومة، لأن الجمود يعطي فرصة للاحتلال وأعوانه بالتطرف والتعصب ضد كل ما هو فلسطيني، ويحاصران كل من يعتقد أن الثورة قادرة على تحريك القضية، وإن محاولات تطويق نداء الثورة والمقاومة تعمق من حدة الأزمة وتعطي الكارهين لها فرصة للنمو والتحكم وزيادة جرعة الترهيب، ولقد يبين وليد دقة في صهر الوعي "بأن الأدوات والمفاهيم الفلسطينية في التحرر تخلفت عن الواقع فغدت بحد ذاتها أدواتاً للقمع والتعذيب، وهي تقودنا رغم التضحيات المرة تلو الأخرى لطريق مسدود، إننا أشبه بمن يواجه حربًا نووية بسيف فما نراه في الواقع". ويعالج وليد دقة في حكايته مفهوم الحرية بطريقة شمولية، ويدعو الى الانتقال من الحرية السلبية الى الحرية الايجابية، وعدم الذوبان مع الوضع القائم الذي صنعه الاحتلال والذي من مظاهره السيطرة على الفعل المقاوم وفقدان الاحساس بالقضية، وتغليفها بهموم تحقيق لقمة العيش.

وفي الختام، إن الخلل البنيوي في التفكير، وحالة التخلف التي تسود في المجتمع الفلسطيني، بتمسكه بالفكر القبلي العشائري، هو أحد عوامل هذا الفلتان، وإذ لم يغزو "الوعي المضاد" ومحاربة واجتثاث الفكر الانغلاقي والإقصائي والتخويني والتكفيري في بعض الحالات، وإعادة المفاهيم الوطنية والانتماء للمجتمع ككل، فالاقتتال الداخلي وانتشار الجريمة بكافة أنواعها هي الكارثة التي يرتكز عليها الاحتلال الآن ويغذيها.