ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

على أرضية المطار الصلبة تتكسر العظام، لا طعم للنوم هنا ولا رائحة للحياة، الليلُ قاسٍ، وأحلام اليقظة أكثر سطوةً من كوابيس النوم، ومع بزوغ الصباح قالوا له: غادر من هُنا عُدْ من حيث جئت.. أخذ الشاب برهةً من التفكير والتأمل وابتسم ثم قال: أنا لا أعرف من أين جئت.

كانت هذه اللحظات الأخيرة للشاب الفلسطيني سامي الكرد في مطار ماليزيا، بعد أن رفضت سلطات المطار إدخاله للبلاد، وأعادته إلى اندونيسيا حيث كان قبل ذلك، وكذلك بداية طريق الآلام، لكن ليس في شوارع القدس، إنما في سماء الله الواسعة، وفي حجرات المطارات.

غزة.. بداية السفر

خرج سامي (29 عامًا) من غزة بعد أن ذاق مرها كاملًا مكملًا، فبعد أن تخرَّج من كلية تكنلوجيا المعلومات من الجامعة الإسلامية، لم يجد سبيلًا للحصول على فرصة للعمل حاله حال معظم خريجي هذه المدينة التي اكتظت بسكانها وخيباتهم المتكررة.

لم يستسلم الشاب مباشرةً فقد حاول أن يجد له مكانًا بعيدًا عن تخصصه في غزة، فقام بفتح محل لألعاب الفيديو، لكن الأمر لم يدم طويلًا، إذ لاحقته أزمات الكهرباء وقلة المعدات، مما اضطره إلى إغلاق مشروعه الصغير، متحملًا وعائلته الخسائر.

هنا كان القرار الحاسم، لكن القرار لم يكفِ لخروجه من غزة في المرة الأولى، فبعد أن حصل على تأشيرة إلى تركيا للدراسة، تم إرجاعه من الصالة المصرية في معبر رفح دون أسباب واضحة، ليحمل خيبته ويجرها مع حقائبه عائدًا إلى نقطة الصفر من جديد.

"بعد محاولات حثيثة استسلمت للأمر الواقع وقمت بدفع 1400 دولارًا استدنتها من والدي لأحد المنسقين للخروج من غزة ، ومكثت في مصر شهرين محاولًا تجديد التأشيرة التي حصلت عليها من تركيا، أو الحصول على أي تأشيرة لأي بلد أُخرى لكن دون جدوى" يقول سامي.

اندونيسيا.. أمل كاذب

لم تفلح المحاولات في الحصول على تأشيرة، لكن رسالة من صديقٍ قديم في اندونيسيا حول طبيعة الحياة البسيطة، والأجور المنخفضة لكن المعقولة في ذات الوقت، كانت كافية ليأخذ سامي أول طائرة لمطار جاكرتا ويحط هناك باحثًا عن أمل، أو عملٍ، أو حياة.

بالفعل اندمج الشاب سريعًا في نمط الحياة، وكانت روحه المعنوية عالية، ولم يترك عملًا متاحًا إلا وزاوله، فمرةً في إدخال البيانات، وأخرى في الاستيراد والتصدير أو التسويق، مما أعطاه استقرارًا مؤقتًا وقف موضوع الإقامة حاجزًا صلبًا أمامه.

ويضيف سامي في حواره مع مراسل "فلسطين اليوم الإخبارية": "اندونيسيا لا تعطي إقامة، وتم رفض تجديد إقامة الدخول التي كانت مدتها شهر، فقمت بالبقاء شهراً إضافيًا بشكل مخالف، وكان لزامًا عليَّ بعدها أن أغادر، فدفعت المخالفات التي قُدرت بـ300 دولار واتجهت إلى ماليزيا".

ماليزا.. فرصة ولكن!

في ماليزيا حصل الشاب على إقامة لمدة شهر وكانت الأجواء أفضل من اندونيسيا، حيث تعرف على أصدقاء عرب، وعمل معهم في مجال السياحة والتسويق، والاستيراد والتصدير، وقام بتجديد الإقامة مرتين لمدة شهرين، لكن في المرة الثالثة قوبل طلبه بالرفض.

وعن ترحاله الجديد يروي سامي: "طلبوا مني الخروج لمدة 48 ساعة من الأراضي الماليزية والعودة إذا أردت أن أحصل على إقامة جديدة، لكنني اكتشفت فيما بعد أن الإجراء غير صحيح، حيث قمت بالسفر إلى اندونيسيا لمدة 3 أيام من أجل العودة إلى ماليزيا مجددًا".

من عذابٍ إلى عذاب

ويكمل: "سريعًا عدت إلى المكان الذي وجدت فيه نفسي بعد أيام في جاكرتا، لكنني تفاجأت برفض دخولي إلى ماليزيا رغم أن أوراقي صحيحة، وأملك كل ما طلبوه مني وهو تذكرة عودة، ومصروف شخصي، وحجز فندق، وبعد الكثير من الأسئلة قرروا حجزي دون أسباب واضحة".

لا ينكر الشاب أن مشهد مرور الجميع ودخولهم دون أدنى مشكلة استفزه، مما جعله يلوم العاملين على معاملة الفلسطيني بهذه الصورة، مما دفعهم إلى الرد بصورة قاسية ومعاملة سيئة وألفاظ بذيئة أحيانًا.

وعن ليلة العذاب يتابع سامي: "نمت على الأرض بعد أن رفضت التواجد في غرفة الحجز بسبب ضيق النفس، وخلال يومين لم أحصل إلا على زجاجة مياه منهم، ونمت على أرضية المطار، وبعد ذلك طلبوا مني العودة إلى اندونيسيا من جديد".

خارت قواه بين الذهاب والعودة، عاد إلى مطار جاكرتا من جديد، وهناك رفضوا استقباله وطلبوا منه العودة إلى بلده، لكنه حاول أن يوضح لهم الصورة، وقال إنه لا يملك ثمن تذكرة إلى مصر، وحدثهم عن خروجه والتنسيق والترحيل، لكن لم يشفع له أيًّا من ذلك.

مناشدة رسمية ودولية

وبصوت مرهق يردف سامي وقد بدا عليه الإعياء: "خاطبت السفارة الفلسطينية وكانوا لا يملكون سوى رواية واحدة وهي الحجز على جزر المالديف للخروج من مطار جاكرتا، رغم أنني قلت لهم أن التذكرة مرتفعة الثمن، والحياة هناك غالية، لكنني خضعت للأمر الواقع بالنهاية".

حتى الخروج من المطار لم يفلح به، فقد رفضوا في مطار جاكرتا خروجه، وضاعت عليه تذكرة السفر والتي بلغ ثمنها 200 دولار، دون أسباب واضحة من جديد، ليعود إلى حجزه وكأنه كُتب عليه الانتقال من سجن غزة، إلى حجز المطارات حول العالم، ليبقى حبيسًا طيلة حياته.

الورقة الأخيرة بيد الشاب كانت مناشدة الأمم المتحدة لإنقاذه، إذ قام بالاتصال بهم وطلب المساعدة، ولا زال ينتظر وصولهم، من أجل الخلاص من العذاب في أروقة المطارات، باعثًا برسالةٍ لكل من يستطيع مساعدته أن "لا توفروا جهدًا فكل ما أبحث عنه هو الحياة الكريمة".

وتعرض العديد من الفلسطينيين إلى الحجز في المطارات حول العالم، ومنهم من عاد إلى قطاع غزة بسبب انتهاء الإقامات السياحية التي دخلوا بها إلى الدول المختلفة، ومنهم من يقيم مخالفًا، والقليل منهم حالفه الحظ في الحصول على إقامة عمل، أو إقامة دراسة.

وشهد قطاع غزة في الآونة الأخيرة سفر الآلاف من الشبان بحثًا عن حياة وفرص عمل، بعد أن ضاقت بهم الأحوال إلى حد لم يستطيعوا تحمله أكثر، ومع اشتداد الحصار الإسرائيلي الذي أدمى غزة على مدار 12 عامًا.

ويحاصر الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 2 مليون فلسطيني في قطاع غزة منذ أكثر من 12 عامًا مما أدى إلى تردي الأوضاع الانسانية والاقتصادية بشكل كبير، ناهيك عن شن الاحتلال لثلاثة حروب خلال فترة الحصار ارتقى خلالها آلاف الشهداء، وتدمير آلاف المنازل، وإصابة عشرات الآلاف.

وأدى الحصار الإسرائيلي إلى ارتفاع كبير في نسبة البطالة، والفقر، والفقر المدقع في قطاع غزة، ووصلت نسب البطالة بين الخريجين إلى 73% وارتفعت نسبة انعدام الأمن الغذائي إلى 69%.

وبحسب الإحصائيات فهناك 255 ألف عاطل عن العمل في قطاع غزة، فيما يوجد مليون شخص يعتمدون على المعونات الخارجية من المنظمات الأهلية الدولية، كما وصلت معدلات الفقر إلى 54.9% في نهاية هذا عام 2018.