اتفاق تبلوره الولايات المتحدة مع طالبان
يمنح ايران رافعة لتوسيع نفوذها
بقلم: تسفي برئيل
(المضمون: بعد أن فقدت امريكا اكثر من تريليون دولار وحياة آلاف جنودها في افغانستان، هي مصممة على الخروج من مستنقع افغانستان. الاتفاق بين الطرفين يمكنه أن يوفر لايران رافعة لتوسيع هيمنتها هناك - المصدر).
البشرى التي خرجت هذا الاسبوع من عاصمة قطر الدوحة، والتي تقول إنه يبدو أن هناك اتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان الافغانية. كلمة المفتاح هي "يبدو". هناك بوادر، احتمالات، امكانيات وتفاؤل حذر رافقت عدد كبير من المحادثات التي أجراها الامريكيون مع ممثلي طالبان خلال الـ 17 سنة الاخيرة منذ احتلال افغانستان من قبل الولايات المتحدة في 2001 ردا على عمليات الحادي عشر من ايلول. الآن ايضا يفضل أن لا نحبس الانفاس قبيل الاتفاق على وقف اطلاق النار، وبالأحرى سلام شامل، في هذه الدولة الممزقة. حوالي 45 ألف مقاتل افغاني وعشرات آلاف المواطنين قتلوا فقط في السنوات الاربعة الاخيرة منذ اعلنت الولايات المتحدة للمرة عن نية الانسحاب من افغانستان.
هدف امريكا الاساسي من المفاوضات الحالية هو التمكين من انسحاب معظم القوات الامريكية، حوالي 14 ألف مقاتل، وضمان أن افغانستان لن تتحول الى قاعدة جديدة لنشاطات القاعدة وداعش. الحديث لا يدور، على الاقل في المرحلة الحالية من الاتصالات، عن مصالحة بين حكومة افغانستان المنتخبة وبين طالبان. هذا كما يبدو هدف صغير، تكتيكي في جوهره، الذي اذا تم التوصل اليه فلن يضمن بالضرورة الهدوء والاستقرار في افغانستان، لكنه سيضمن انسحاب هاديء للقوات الامريكية. بمفاهيم اسرائيلية الحديث يدور عن تهدئة وليس عن اتفاق سياسي.
الموافقة الاساسية لطالبان لم تحظ بعد بترجمة فعلية، والجدول الزمني للتوقيع على الاتفاق ومراحل الانسحاب الامريكي لم تحدد بعد، ايضا ترتيبات الحماية التي سترافق الانسحاب وطرق العمل والترتيبات الامنية التي ستضمن التزام طالبان باحباط نشاطات القاعدة وداعش غير واضحة. لم تتضح المساعدة العسكرية والمالية التي سيحصل عليها التنظيم من امريكا من اجل تنفيذ التفاهمات، ولا يقل اهمية عن ذلك، أي أدوات ضغط وتهديد ستبقى في أيدي الامريكيين في حالة عدم وفاء طالبان بالاتفاق. مع ذلك، الممثلون الامريكيون يعطون اهمية كبيرة لحقيقة أن طالبان اختار أن يتولى نائب رئيسه، عبد الغني بردا رئاسة وفد المفاوضات. هذا الاختيار يمكن أن يدل على مستوى الجدية الذي يعطيه طالبان للمفاوضات، لا سيما أنه يريد تسريع النتائج، لأنه من خلال مكانته يستطيع بردا اتخاذ القرارات مباشرة والتشاور دون حاجة مع عدد من الزعماء في هرم التنظيم التراكمي.
في السابق كانت هناك مرات ارسل فيها طالبان ممثلون غير رفيعي المستوى، مثل صاحب بقالة تم تقديمه كشخصية كبيرة في التنظيم، أو ممثل من قبل الملا عمر الذي قتل قبل بضع سنوات. الممثلون الامريكيون الذين يقدرون حضور بردا يمتنعون عن التطرق الى اعضاء وفد طالبان الآخرون، الذين قضى عدد منهم فترة طويلة في معتقل غوانتنامو.
الى جانب اتفاق وقف اطلاق النار، الولايات المتحدة تسعى الى دفع طالبان الذي يسيطر على نصف سكان افغانستان تقريبا، للتفاوض مع حكومتها، وتفحص لهذا الهدف ربط موعد الانسحاب مع موعد بدء المفاوضات الداخلية. ولكن طالبان في هذه المرحلة ليست له أي نية لاجراء مفاوضات كهذه، التي تعني بالنسبة لهم الاعتراف بالحكومة المنتخبة تحت حراب الاحتلال. في المقابل، حكومة افغانستان برئاسة اشرف غاني، تخشى من أن الجشع الامريكي في التوصل الى مصالحة داخلية تجبر طالبان على تقديم تنازلات كبيرة في مجال المشاركة في الحكم. ويؤدي الى المس بشكل كبير بحقوق الانسان وتغييرات كثيرة في الدستور، وستلغي انجازات كثيرة نجحت الحكومة في تحقيقها في مجال مكانة النساء والاحوال الشخصية والتعليم والقضاء. هذه القيم يخشون في السلطة أن تمر بالطلبنة على نمط النظام الذي ميز الدولة بين الاعوام 1996 – 2001 عندما كان طالبان في الحكم.
الولايات المتحدة تتملص في هذه الاثناء من التفسيرات والتصريحات بشأن الطريقة التي ترى فيها اشراك طالبان في الحكم للامتناع عن مواجهة مع حكومة افغانستان. ولكن قبل الانتخابات الرئاسية التي ستجري في شهر تموز لن يكون مناص من بلورة سياسة امريكية حول مكانة طالبان كجسم سياسي شرعي. طالبان يمكنه أن يطلب من الولايات المتحدة تقرير سياسة كهذه كشرط لتنفيذ الاتفاق التي يتبلور في الدوحة. اذا اردنا أن نحكم حسب سلوك الرئيس ترامب في صراعات اخرى في الشرق الاوسط، فمن المشكوك فيه أن يبدي أي اهتمام بالنسبة لطبيعة النظام في افغانستان بعد سحب قواته. وهو ايضا لن يكون الرئيس الامريكي الاول الذي سيركل جثة افغانستان بعد تحقيق اهدافه. الرئيس جورج بوش الأب "نسي" أين تقع افغانستان بعد انسحاب القوات السوفييتية منها.
اجراء المفاوضات مع طالبان يعتبر انعطافة جوهرية في السياسة التقليدية للولايات المتحدة والتي تقول إنها لا تتحدث مع تنظيمات ارهابية، لكن عمليا ليس فيها أي تجديد حقيقي. شخصيات رفيعة في وزارة الخارجية وفي الـ سي.آي.ايه التقوى علنا مع رؤساء طالبان في التسعينيات، وهم يعرفون الطبيعة الوحشية للنظام الذي اقاموه والقتل الجماعي الذي نفذوه ضد المدنيين الذين يعتبرون "منحرفون عن الاسلام الصحيح"، حسب التفسير السني الراديكالي للتنظيم.
في 1997 زار وفد من طالبان المقر الرئيسي لشركة النفط الكبيرة "يونوكال" في تكساس من اجل الاتفاق حول انشاء انبوب غاز بين تركمانستان وباكستان يمر عبر اراضي افغانستان. كان على طالبان تأمين الانبوب مقابل مبالغ جيدة. الاتفاق لم يخرج الى حيز التنفيذ بسبب ضغط الرأي العام الامريكي، لكن الادارة لم تر أي مشكلة في عقد مشاريع اخرى مع طالبان حتى 11 ايلول 2001. بالمناسبة، من توسط بين طالبان و"يونوكال" هو زلماي خليل زاد، الذي يترأس الآن وفد المفاوضات الامريكي مع طالبان. الاتصالات بين القوات الامريكية وبين ضباط من طالبان جرت بموازاة الحرب التي اجرتها قوات دولية في افغانستان. وبين الفينة والاخرى تم التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق نار محلي بين الطرفين.
الحروب الداخلية بين طالبان وقوات النظام الافغاني، التي فيها تم تقليص بصورة دراماتيكية مستوى سيطرة الحكومة على اراضي الدولة، جذبت اليها أعداء خارجيين ارادوا توسيع هيمنتهم على الدولة. باكستان التي حتى منذ فترة الحرب ضد الاتحاد السوفييتي بين الاعوام 1979 – 1988 كانت "حليفة" زودت وسلحت ومولت (بأموال امريكية) المجاهدين الذين حاربوا ضد القوات السوفييتية – حولت خريجو تلك الحرب الى رعايا لها.
سيكون من الصحيح القول إن طالبان بدأ نشاطاته العسكرية عندما كان نشطاءه طلاب ولاجئون هربوا من الحرب الاهلية الافغانية الى اراضي باكستان. التي انطلقوا منها في 1992 لاحتلال بلادهم من أيدي أمراء الحرب ورؤساء القبائل الافغانية الذين تصارعوا على السلطة بعد انسحاب القوات السوفييتية. المخابرات الباكستانية استخدمت نشطاء طالبان كعملاء سياسيين وعسكريين. وبعد ذلك فرع سياسي لباكستان.
السعودية، حليفة باكستان، ساهمت بدورها ايضا عندما ضخت ملايين الدولارات لصناديق باكستان وطالبان كجزء من الجهود لمد رعايتها وتوسيع هيمنتها في الدول السنية، رغم حقيقة أن طالبان تعاون مع القاعدة. في السنوات الاخيرة زادت السعودية مساعدتها لطالبان كجزء من صراعها مع ايران. تدخل ايران في افغانستان ليس جديدا، لكن مؤخرا طورت علاقات متشعبة مع طالبان من اجل أن تبني بواسطتها سور واق ضد هجمات محتملة لداعش في اراضيها، ومن اجل ضمان سلامة الاقلية الهزارية الشيعية التي تعيش في وسط افغانستان وقرب الحدود الايرانية. اضافة الى ذلك، ممثلو طالبان وصلوا في كانون الاول الى ايران للتباحث مع النظام الايراني حول نية التفاوض مع الولايات المتحدة وحول الترتيبات الامنية التي تنوي اقتراحها قبل الانسحاب الامريكي.
اختيار قطر ايضا لاستضافة المفاوضات تم بالتشاور مع ايران، بعد رفض طالبان اجراء المحادثات في السعودية، التي تضغط من اجل التوصل الى مصالحة مع الحكومة الافغانية. بصورة متناقضة تمثل المفاوضات الحالية ايضا التقاء للمصالح بين ايران وامريكا، حيث أنهما قلقتان من نشاطات داعش والقاعدة، وهما تعتبران طالبان عامل ايجابي في محاربة هذه المنظمات الارهابية. التعاون بين ايران وطالبان يناقض نظرية المحور الشيعي الذي يهدد الشرق الاوسط، حيث أن طالبان هو سني راديكالي، في حين أن ايران دولة شيعية. ويبدو أنه في الطرفين المصالح تتغلب على الايديولوجيا.
افغانستان ليست منجم ذهب، "لا توجد فيها ثروات"، كما عرف ترامب سوريا. ولكن عند انسحاب القوات الامريكية يمكن أن تتطور لتصبح ساحة صراع على السيطرة السياسية والعسكرية بين الدول المتعادية في الشرق الاوسط وأن تغري روسيا ايضا، التي هربت منها قبل ثلاثة عقود. ولكن بعد أن فقدت امريكا فيها اكثر من تريليون دولار وحياة آلاف الجنود الامريكيين، لا يمكن الاحتجاج للولايات المتحدة بشأن توقها للخروج من هذا المستنقع الموحل التي لم تنجح أي دولة في الماضي أن تحتلها.