شريط الأخبار

في الأسبوع الثالث من العدوان: العوامل التي ستحدد نهاية الحرب ..د. بشير موسى نافع

04:32 - 15 تشرين أول / يناير 2009

ـ القدس العربي 15/1/2009

في الأسبوع الثالث من العدوان يحاول كل طرف من أطراف الحرب حسم النتائج السياسية لصالحه. هذه حرب بات الطرف الإسرائيلي يعرف معرفة يقينية أنه لن يمكنه كسبها عسكرياً، بدون إفناء كامل للشعب الفلسطيني في قطاع غزة. يصل تعداد المسلحين في القطاع إلى عشرات الآلاف، تحيط بهم حاضنة شعبية صلبة وواسعة.

هؤلاء هم أبناء أهالي القطاع، وليس بينهم وافد أو غريب واحد. ويدرك الطرف الفلسطيني، الذي لم يختر الحرب أصلاً، أن ليس هناك فرصة لتحقيق تكافؤ في القوى العسكرية، والتوصل بالتالي إلى إيقاع هزيمة عسكرية بالجيش الإسرائيلي. ما يحاوله الإسرائيليون هو إيقاع دمار هائل بالقطاع، وإيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية، بالمدنيين من الأهالي قبل المقاتلين، لفرض انتصار إسرائيلي سياسي. وما يقوم به الفلسطينيون هو الصمود في كل شبر من أراضي القطاع، وفضح العدوان باعتباره مجزرة دموية ضد سكان عزل. الهجمة الإسرائيلية تصل إلى طريق مسدود، وقد دخلت الحرب مرحلة صراع الإرادات السياسية.

بدأ الإسرائيليون حربهم بضربات جوية هائلة، كانوا يأملون بأنها ستطال قيادات حماس الرئيسية والكوادر العليا للأجنحة المسلحة، وتوقعوا اضطراباً نوعياً وواسعاً في قدرات القطاع على الصمود. ما كان يأمله الإسرائيليون، وإلى جانبهم ربما بعض الأطراف الفلسطينية والعربية، أن الضربة الجوية ستحقق إطاحة إدارة حماس، أو على الأقل إخضاعها، خلال أسبوع على الأكثر. ولكن لا الضربات الجوية المتلاحقة حققت أهدافها، ولا انهارت إرادة الفلسطينيين في قطاع غزة. وبذلك، انتقل الإسرائيليون إلى المرحلة الثانية، والتي تضمنت تدميراً منهجياً لمناطق بأكملها، وتمركزاً برياً في المناطق الزراعية حول المدن الرئيسية للقطاع، وتقطيع أوصال القطاع باحتلال محاور خالية من السكان. في المرحلة الثالثة، بدأت القوات الإسرائيلية التوغل في مناطق سكانية محدودة، إما لتدمير مواقع ومراكز معينة، أو لجذب المقاومين إلى مواجهات غير متكافئة وإيقاع خسائر كبيرة بهم. ولأن كل محاولة توغل ووجهت بمقاومة كبيرة، ولأن الخسائر في صفوف المقاومة ضئيلة، ولأن القوى الفلسطينية المسلحة حافظت على معدلها اليومي في إطلاق الصواريخ، فإن الهجمة الإسرائيلية العسكرية وصلت إلى مفترق حاسم. سيكون على الإسرائيليين إيقاف الحرب من طرف واحد، وبدون السعي لاتفاق سياسي، مع الادعاء بتحقيق الأهداف، والتهديد بالعودة إلى الحرب في حال استمر إطلاق الصواريخ الفلسطينية، أو التوجه نحو اتفاق حل سياسي وسط على أساس من المبادرة المصرية، والاعتراف غير المباشر بإخفاق الهجمة، أو اتخاذ قرار باحتلال كامل للقطاع، بكل ما يعنيه ذلك من خوض مواجهات طويلة وقاسية في قلب المدن الفلسطينية، ستؤدي بالتأكيد إلى إيقاع خسائر متزايدة في القوات الإسرائيلية وفي سكان القطاع.

حماس والقوى الفلسطينية الأخرى تواصل التأكيد على الصمود أمام الاجتياح الإسرائيلي، والمحافظة على إطلاق يومي للصواريخ. اعتبرت حماس، التي تقود التحرك السياسي، أنها غير معنية بقرار مجلس الأمن، على اعتبار أنها لم تكن طرفاً أصلاً في المفاوضات التي أدت إلى التوصل للقرار، الذي بدا أنه لم يصدر للتطبيق على أية حال. ولكن حماس لم ترفض التعامل مع المبادرة المصرية، التي وضعت الاتصال والتفاوض مع حماس في مركزها. ثمة عدد من التحفظات الفلسطينية على المبادرة المصرية، التي بدأت كمبادئ ثلاثة عامة، ثم أخذت في الدخول إلى مجال التفصيلات شيئاً فشيئاً. من وجهة نظر حماس، فإن الاتفاق المقبول لا بد أن لا يسمح بتغيير الإرادة الشعبية الفلسطينية الانتخابية، لأن أي تغيير في الإدارة السياسية للقطاع لا بد أن يتم بإرادة شعبية أو توافق وطني فلسطيني؛ ولا بد أن يتضمن نهاية فورية وغير مشروطة للعدوان، وتعهداً بانسحاب إسرائيلي كامل وشامل من القطاع؛ ولا بد أن لا يضمن للإسرائيليين تهدئة مطلقة زمنياً، فليس ثمة شعب تحت الاحتلال يطلب منه ضمان أمن قوة الاحتلال؛ ولا بد أن يؤدي إلى رفع كامل للحصار المستمر على قطاع غزة منذ زهاء العامين. وقد أعلنت حماس والقوى الفلسطينية الأخرى بوضوح رفضها الأفكار المتعلقة بوجود قوات دولية في القطاع.

في ظل سقف كامب ديفيد، تلعب مصر دوراً وسيطاً، لا أكثر. بدأت الوساطة المصرية بعد مرور أسبوع على العدوان، وقد أطلقت المبادرة المصرية على خلفيات متناقضة من الغضب الرسمي جراء فشل مشروع الحوار الوطني الفلسطيني في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ومن الغضب الشعبي، المصري والعربي والإسلامي، ومن الضغوط والمواقف الأوروبية والأمريكية المتباينة. ترغب القاهرة في التخلص من مشكلة قطاع غزة لأطول فترة ممكنة، ولذا فقد دفعت باتجاه تطبيق هدنة طويلة المدى. ولكن القاهرة تستشعر الخطر من بروز نفوذ دولي شريك في قطاع غزة، وهي بالتالي أقل استجابة لفكرة وجود قوات دولية. وبالرغم من المطالب التي تقدمت بها حماس لتعديل المبادرة المصرية، واستمرار المباحثات في القاهرة طوال الأسبوع الثالث بين وفد من حماس والمفاوضين المصريين، فإن أحداً في القاهرة لا يبدو واثقاً من أن تفاهماً مصرياً مع حماس حول صيغة الاتفاق الأخيرة، يمكن أن يكون مقبولاً من الإسرائيليين. كان المفاوض الإسرائيلي عاموس جلعاد قد زار القاهرة في وقت مبكر من الغزو؛ ولكن زيارته المفترضة لبحث صيغة الاتفاق تأجلت عدة مرات، إلى أن أعلن عن إمكانية وصوله القاهرة يوم الأربعاء، 14 كانون الثاني/يناير الجاري.

كان موقف السلطة الفلسطينية هو الأسوأ على الإطلاق، سواء في ما يتعلق بالموقف من العدوان أو ما يتعلق بالمفاوضات الجارية لوضع نهاية له. بدت قيادات السلطة في الأسبوع الأول من الحرب وكأنها تنتظر انهيار إدارة حماس، وعودة القطاع إلى أحضان السلطة، وحتى عبارات استنكار الهجوم الإسرائيلي والتضامن مع قطاع غزة لم تتضمن مجرد إشارة إلى حق القطاع في المقاومة. وما أن طرحت المبادرة المصرية حتى تعلق بها الرئيس عباس، بينما كانت قوات أمن السلطة تواجه المتظاهرين في بيرزيت وبعض المدن الأخرى. وعندما طرحت أفكار حول مشاركة قوات تتبع السلطة، إلى جانب قوات تتبع حكومة حماس في غزة، في الترتيبات المتعلقة بفتح المعابر والإشراف على خط الحدود، لم يتردد رئيس وزراء السلطة الفلسطينية في التصريح بأن السلطة ترفض تقاسم الأدوار. ما يستبطنه هذا التصريح هو إحجام حكومة رام الله عن القيام بدور جدي ومخلص للمساهمة في وقف الهجمة على القطاع، في الوقت الذي يكرر الرئيس الفلسطيني الدعوة لوجود قوات دولية في القطاع. من جهة أخرى، تزايدت تقارير الصحف الإسرائيلية والغربية التي تشير إلى رغبة قيادات في رام الله باستمرار الهجمة الإسرائيلية حتى إسقاط حكومة حماس في غزة.

في ظل التغطية الأمريكية الكاملة للدولة العبرية، واقتراب إدارة الرئيس بوش من ساعاتها الأخيرة في البيت الأبيض، وجدت فرنسا ساركوزي فرصة من أجل تعزيز دورها وموقعها في المنطقة. ولكن ساركوزي، ووزير خارجيته كوشنير، تصرفا كوريث للإدارة الأمريكية في حماية الموقف الإسرائيلي وتبرير المجزرة الدائرة في قطاع غزة، وليس كوسطاء أمناء. وبينما تتوجس القاهرة من فكرة وجود قوات دولية في القطاع، وترفض حماس وكل قوى المقاومة الأخرى الفكرة من أساسها، فإن فرنسا تبدو الأكثر تصميماً على الدفع بقوة دولية (توصف بالأوروربية، والمقصود منها فعلاً أن تكون فرنسية)، بحجة مراقبة وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ما سيحدد نتيجة هذه الحرب في النهاية هو عدد من العوامل، أولها، صمود قطاع غزة في مواجهة العدوان، ووحدة قواه وشعبه، ورفضه الخضوع للإرادة الإسرائيلية؛ وثانيها، تواصل الدعم الشعبي، عربياً وإسلامياً وعالمياً. لم يحدث من قبل أن وقف شعب بهذا الحجم، على أرض بهذا الحجم، أمام آلة حرب هائلة وبشعة مثل آلة الحرب الإسرائيلية. ولم يحدث منذ النكبة الفلسطينية في 1948 أن انطلق مثل هذا الدعم الشعبي لفلسطين وشعبها، ولا أرسلت للقوى العالمية رسالة تؤكد على موقع القضية الفلسطينية المركزي في هذه المنطقة من العالم ودورها في التأثير على استقرار العالم وسلمه. ولكن هناك عوامل أخرى ستؤثر أيضاً على نتيجة الحرب؛ بينها مستوى الثقة بين قيادة حماس والمفاوض المصري، وبينها بالتأكيد قدرة النظام العربي الرسمي على الاتفاق على رؤية لحماية قطاع غزة وأهله، وممارسة ضغط متصاعد على الولايات المتحدة والقوى الأوروبية الرئيسة.

عاجلاً أو آجلاً، ستصل هذه الجولة من الصراع نهايتها؛ وعندما تنتهي ستتكشف بالتأكيد عن خارطة قوى مختلفة، فلسطينياً وعربياً. في هذه الحرب، بدا المشهد الفلسطيني السياسي منقسماً على نفسه، ومنقسماً في حالة حرب شاملة على قطاع كبير وهام من الشعب والوطن الفلسطينيين؛ بينما كرر الموقف العربي الرسمي انقسام دوله الرئيسة خلال حرب صيف 2006، هذه المرة في مواجهة حرب أكثر بشاعة، وأثقل وطأة على الضمير العربي والإسلامي. وإن انتهت الحرب بإخفاق إسرائيلي، وهو ما تشير إليه تطورات الأحداث، فسيكون هناك في المشهدين العربي والفلسطيني رابحون وخاسرون، ليس بالضرورة خلال أيام وأسابيع، ولكن بالتأكيد خلال فترة ليست طويلة.

 


انشر عبر