شريط الأخبار

حقائق نشر قوة من طرف ثالث في غزة (*)

04:30 - 15 تشرين أول / يناير 2009

مونتجمري ميجس ـ ترجمة: محمود عبده علي ـ إسلام أون لاين 15/1/2009

مع تصاعد وتيرة العنف في غزة، تتزايد الدعوات الدولية المطالبة بنشر قوات تابعة لطرف ثالث لضبط منطقة رفح الحدودية بين مصر وقطاع غزة، وتتفاوت هذه الاقتراحات بين إرسال مجموعة بسيطة من المراقبين، أو تشكيل قوة كبيرة لفرض السلام؛ قد تحقق مزايا لجميع الأطراف إذا تم تجهيزها بشكل صحيح.

ولكن إدخال هذه القوة إلى قطاع غزة بدون مهمات واضحة، وقواعد تمكنها من الاشتباك الصارم، أو دون اشتمالها على عدد كاف من ذوي الخبرة والمدربين تدريبا جيدا، قد يؤدي إلى تدهور الوضع وليس تحسنه، علاوة على أنه بغض النظر عن مهمة القوة أو طريقة تشكيلها، فإنها لن تستطيع أداء مهمتها إلا إذا قبلت كل الأطراف فرضية أن هناك حاجة لقوة سلام تعمل على أراضيها، ويبدو التغلب على كل هذه العقبات أمرا يفوق جميع قدرات الأطراف المعنية.

الاتحاد الأوروبي وغزة

كجزء من اتفاق "التنقل والعبور" (اتفاقية المعابر) الذي تم التوصل إليه بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، أسهم الاتحاد الأوروبي ببعثة مراقبة أطلق عليها: "بعثة المساعدة الحدودية" Border Assistance Mission (BAM)؛ وذلك لمراقبة معبر رفح بين مصر وقطاع غزة، وخلال ذروة نشاط البعثة، في الفترة من نوفمبر 2005 حتى يونيو 2006، عبر حوالي 280 ألف شخص من معبر رفح.

ونتيجة للإغلاقات المتكررة للمعبر والاشتباكات التي تلت اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت في يونيو 2006، لم يفتح المعبر إلا ثلاثة وثمانين يوما فقط في السنوات التالية، وحتى في هذه المدة القصيرة، فقد عبر حوالي 165 ألف شخص خلال المعبر، وبمرور السنوات أصبح معبر رفح رقما صعبا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ورغم كون بعثة الاتحاد الأوروبي محدودة في المهام والتشكيل، فقد واجهت صعوبات كثيرة، لكنها ضئيلة مقارنة بالصعوبات التي يمكن أن تواجهها القوة الدولية بعد وقف إطلاق النار المحتمل في غزة؛ فبعثة الاتحاد الأوروبي كانت بعثة مراقبة فقط، حيث لم تتولى البعثة مهمة تشغيل معبر رفح، كما لم تملك سلطة فيما وراء نقاط تفتيش المسافرين، فهي تشرف فقط على أنشطة موظفي الحدود التابعين للسلطة الفلسطينية، والاتصال مع جيش الدفاع الإسرائيلي، وستتطلب أي ترتيبات مستقبلية بخصوص قضية انتقال البشر والبضائع إلى غزة ليس فقط فتح منفذ رفح الخاص بالمسافرين، بل فتحه أيضا؛ وذلك لنقل البضائع التجارية.

متطلبات القوة الدولية في غزة

وبالنظر إلى المهمة المحددة للقوة الدولية، فإنها يجب أن تتمتع بولاية تسمح لها ببتر نشاط التهريب عبر الحدود بداية من معبر "كيرم شالوم" (كرم أبو سالم) وحتى البحر؛ وذلك من أجل منع إعادة تسليح حماس.

ولكي تكون هذه القوة فعالة، فإن جهودها لمكافحة التهريب يجب أن تمتد إلى كل من قطاع غزة أو الأراضي المصرية (أو كليهما معا)، وهو أمر قد يعقد من علاقات البعثة مع كل من هذه الأطراف، ومن ثم يعيق أو يلغي العمليات التي تقوم بها؛ ولذا قد تلجأ إسرائيل إلى -وتجد أنه من الأسهل لها- التوصل إلى اتفاقية ثنائية مع مصر.

وإلى جانب كل هذه الصعوبات، فإن بعثة لا تقتصر مهمتها على مكافحة "الإرهاب" فقط بل تمتد إلى إيقاف إطلاق الصواريخ، ستواجه تعقيدات وتحديات كبيرة.

ورغم هذه الصعوبات فإنه في حالة وجود هذه القوة الدولية ذات الولاية على مكافحة أنشطة التهريب، فإن هناك العديد من المتطلبات التي يجب ضمانها لكي تؤدي مهمتها على الوجه الأكمل:

- يجب أن يكون للقوة سلطة كاملة على المنطقة الحدودية، فوق الأرض وتحتها، وهي سلطة تحتاجها لممارسة صلاحياتها وتسهيلاتها، ويجب أن تتمتع هذه المنطقة الحدودية بعمق عملياتي على جانبي الحدود بشكل يدعم فعالية عمليات مراقبة الحدود.

- لابد أن تسمح قواعد الاشتباك باستخدام القوة المميتة أو المهلكة lethal force، أولا: لمواجهة التهديدات التي تعيق التوصل إلى تحقيق "بيئة سليمة وآمنة"، وثانيا: للدفاع عن النفس.

ويجب أن يعطي ميثاق هذه القوة لقيادتها السلطة النهائية في تحديد طبيعة التهديد الذي يحول دون تحقيق "بيئة سليمة وآمنة"، وكذلك حق استخدام القوة المميتة للحماية.

وأخذا في الاعتبار احتمال أن تكون هذه القوة مشكلة من تحالف دولي، فمن غير المرجح أن يتوفر لكل الأطراف الإرادة السياسية ونوعية وكيفية القوات اللازمة لتنفيذ مثل هذه النوعية من العمليات.

ومع الأخذ في الاعتبار أيضا ارتباطات الدول الحالية في أفغانستان، فمن الصعب تجميع مثل هذه القوة، ومع ذلك لا يجب إشراك الدول التي ليس بإمكانها توفير نوعية القوة المطلوبة، أو تقديم الدعم لتلك القوة الصارمة، في تكوين القوات.

ويجب أن يكون لدى قائد القوة وكوادره الخبرة اللازمة في إدارة عمليات حفظ السلام وقيادة التحالف، كما يجب أن يكون لدى القوة مستشارون سياسيون من الولايات المتحدة وحلف الناتو، ويجب أن تكون مخولة بالتعامل مع كبار المسئولين الإسرائيليين والفلسطينيين والمصريين، وربما مسئولين من دول إقليمية أخرى، وكذلك كبار المسئولين في الهيئة الدولية الراعية (مثل أو التي يحتمل أن تكون حلف الناتو).

وستحتاج قوة حفظ السلام الدولية المحتملة أيضا إلى:

- قدرة استخباراتية عالية؛ ما يتطلب تعاونا وثيقا مع كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية ومصر، ودعم استخباراتي قوي من واشنطن وعواصم الدول المساهمة في القوة.

- أن تضم نسبة كبيرة من قوات العمليات الخاصة (بما فيهم نائب قائد القوة) وذلك في حال حدوث تسوية تشمل إدخال قوات من السلطة الفلسطينية من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، وستقوم هذه القوات بأداء مهام الاستطلاع والعمل المباشر أو تدريب قوات الأمن الفلسطينية.

- توافر المهارات الهندسية وتكنولوجيا الاستشعار المتخصصة؛ وذلك لوقف عمليات التهريب تحت معبر رفح.

- تمتع أعضاء القوة بالوعي الثقافي، ومهارات التفاوض، والمعرفة باللغة العربية؛ لأن الاعتماد على المترجمين المحليين سيعطي فرصة للمفسدين للتسلل إلى البعثة ومراقبة أنشطة الوحدات، وينبغي أن تشمل قوة حفظ السلام محاربين ممن شاركوا في العراق وغيرها من عمليات حفظ السلام الدولية في الآونة الأخيرة، مع التركيز على الناطقين بالعربية.

التداعيات

من المنظور الفلسطيني، فإن القوة الدولية سوف توفر للفلسطينيين حكما محايدا يردع أي عمليات عسكرية مستقبلية في منطقة رفح، علاوة على أنه قد يمثل قاعدة لإعادة إدخال القوات الموالية للرئيس محمود عباس إلى قطاع غزة مجددا، أو على الأقل في المنافذ الحدودية الرئيسية.

ومن المنظور الإسرائيلي، فإن قوة ذات مهمة واضحة ومجهزة بشكل جيد قد تنجح في وقف تهريب الأسلحة، ومن ثم تقليل احتمالية قيام إسرائيل بأي عمليات عسكرية مستقبلية في هذه المنطقة.

وبمجرد أن يثبت وقف إطلاق النار فعاليته، قد تستطيع القوة الدولية التأكد من ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة على المدى القصير، والقيام بمشاريع التعمير والتنمية على المدى الطويل.

وأخيرا، فإن روابط القوة الدولية الدبلوماسية والسياسية مع كل من الطرفين، ورغم أنه قد يعطي الولايات المتحدة وحلفاءها قدرة محدودة للسيطرة على الأحداث، لكنه ربما يعطيها أيضا إدراكا أفضل للأوضاع على الأرض.

وحتى مع موافقة الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على نشر هذه القوة، فإن أي قوة خارجية تسعى لتوفير الأمن في غزة سوف تواجه صعوبات جمة؛ فالعواطف والرعب من اندلاع القتال في غزة قد يتخلل كل اتصال تقوم به القوة مع القادة المحليين، خاصة عندما ترتكب القوة بعض الأخطاء، والتي ستذاع على الفور في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي.

على أن القبول بهذه القوة سيعتمد على مدى نجاحها المبكر والمستمر في تحقيق الأمن، وهو ما ينطبق على السكان الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي على حد سواء.

ونظرا لضعف سجل مراقبي الحدود في الماضي، فإن الجيش الإسرائيلي سيكون بالغ التردد في تفويض المسئوليات الأمنية إلى قوات أجنبية.

والأخطر من ذلك أن هذه القوة قد تصبح هدفا للقوى الرافضة والجماعات "المتطرفة"، سواء الداخلة تحت مظلة حماس أو الخارجة عنها، ومن ثم يجب على القوة الدولية أن تكون مستعدة لمنع أو محاصرة الهجمات المتكررة، ومعدة للدفاع عن نفسها، ويجب على البلدان المانحة التي ستتشكل منها هذه القوة الدولية أن تقبل حقيقة أن وجود القوة الدولية في غزة قد يستمر لعقود، مثلما هو الحال مع قوات حفظ السلام في سيناء وهضبة الجولان.

وإيجازا، على القادة الوطنيين، الذين يتطلعون إلى تشكيل قوة لحفظ السلام لمنع دخول الأسلحة إلى غزة، أن يفكروا في مثل هذا القرار بقدر كبير من العقلانية وإدراك الواقع، مع معرفة طبيعة ما ستواجهه هذه القوة، وحجم الإحباط وخيبة الأمل اللذين يعترضان طريقها.

ولكي تقوم هذه القوة بإنجاز مهمتها لابد من تحديد ولايتها بوضوح وبشكل يمكنها من استخدام القوة المميتة، في حدها الأدنى، لوقف التهريب وليس مجرد المراقبة والإبلاغ.

بكلمات أخرى، إذا لم يتم تسليح هذه القوة والإنفاق عليها بشكل جيد، فإنها ستسبب كثيرا من الحرج، وستصبح مكلفة للغاية في ظل السياق الإقليمي الحالي.

---------------

أستاذ متخصص في العمليات الإستراتيجية والعسكرية ببرنامج الدراسات الأمنية، معهد "إدموند والش" للخدمة الخارجية بجامعة "جورج تاون" الأمريكية.

مقال نشر على موقع معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى تحت عنوان، سلسلة بوليسي وتش، رقم 1451، 8 يناير 2009.

 

انشر عبر