بقلم: نداف شرغاي
(المضمون: حماس تدق وتدا في رام الله بالذات وتدفع ابو مازن للتعاون الامني مع اسرائيل).
عادت رام الله فجأة الى جدول اعمال الارهاب. وبالذات في عاصمة السلطة الفلسطينية، بابراجها، دقت حماس الان وتدا. هناك بالذات، في المدينة التي اجتذبت اليها في السنوات الاخيرة البنوك والمراكز التجارية والمنظمات الدولية والسفارات، وبالاساس التنمية السريعة – مئات المباني التي ترتفع الى 20 طابقا فأكثر، تدق حماس الان "اصبعا في عين" ابو مازن.
المدينة والقرى المحيطة بها، التي تشكل المركز السياسي والاقتصادي للسلطة اصبحت هذا الاسبوع ساحة مطاردة لخلية المخربين التي نفذت العمليات في موقف الباصات في عوفرا وفي جفعات اساف. فالاجتياحات المتواصلة، التطويق، الاستيلاء على المنازل واطلاق النار على المتظاهرين، بالذات في القلب النابض للسلطة الفلسطينية التي عادت هذا الاسبوع للتعاون الامني الكامل مع اسرائيل – لا تضيف صحة لابو مازن المريض على اي حال.
في مركز هذه المنطقة، بين المستوطنات اليهودية حلميش، نحليئيل وعطروت، تقع كوبر، قرية هي القصة. قرية تربي القتلة. كوبر تجسد تضعضع مكانة ابو مازن في المنطقة التي تقع فيها عاصمته.
في تشرين الاول 2011 جرى هنا احتفال كبير بمناسبة تحرر اربعة من ابناء القرية، في اطار صفقة شاليط التي ولدتها حماس. اثنان من المحررين كانا ابناء العمومة نائب وفخري البرغوثي اللذان قضيا في السجن الاسرائيلي اكثر من 30 سنة. في 1978 قتلا بطعنات سكين سائق الباص موتي يكوئيل من رمات غان، الذي اعاد عمالا فلسطينيين الى بيوتهم في كوبر وفي قرى المنطقة. واستقبل نائل وفخري مواطن القرية عمر البرغوثي، شقيق نائل، الذي ادين بعملية القتل اياها، ولكنه كان تحرر في صفقة جبريل في 1985.
ومنذئذ عاد نائل، "المحرر من شاليط" الى السجن الاسرائيلي بعد أن خرق ظاهرا شروط تحرره. كما أن لزوجة نائل يوجد "تاريخ". فقد قضت محكومية في السجن على التخطيط لعملية لم تنفذ في شارع يافا في القدس. اثنان من ابناء فخري قضيا محكوميات في السجن الاسرائيلي.
فخر محلي مهزوز
عادت قرية كوبر هذا الاسبوع مرة الى العناوين الرئيسة، بعد ان تبين ان صالح البرغوثي ابن الـ 29 هو المخرب الذي فتح النار قبل نحو اسبوعين على موقف الباصات قرب عوفرا. واصيب في هذه العملية سبعة مواطنين اسرائيليين، بينهم عميحاي وشيرا ايشران. وليدهما عميعاد يسرائيل، الذي ولد بعملية طواريء لم ينجو. صالح البرغوثي صفته قوة "يمم" حين كان يحاول الفرار من الاعتقال. المخرب من موقف باصات عوفرا هو ابن عمر البرغوثي، (احد من كبار رجالات حماس في الضفة) وابن شقيق نائل البرغوثي، احد قتلة موتي يكوئيل. عم آخر لصالح، جاسر البرغوثي، الذي حكم لتسعة مؤبدات على قتل جنود وتحرر في صفقة شاليط هو المشبوه بتوجيه خلية القتل التي نفذت العمليات في عوفرا وفي جفعات اساف، من مقره في غزة واستغل معرفته للناس في كوبر.
كما ان القاتل والزعيم الفلسطيني مروان البرغوثي الذي يقضي في السجن الاسرائيلي خمسة مؤبدات هو ايضا من مواليد كوبر. وكذا ايضا عماد عبد الجليل قاتل ثلاثة ابناء عائلة سولومون في العام الماضي، وكذا محمد طارق، قاتل يوتم عوفايدا في الصيف الماضي في مستوطنة آدام – كلهم من كوبر. "قرية كوبر تصمم اليوم مجدها"، هكذا تباهت صحيفة السلطة الفلسطينية "الحياة الجديدة" قبل سنة فقط، بعد أن ذبح عماد عبد الجليل، من سكان القرية ابناء عائلة سولومون في بيتهم. وافادت الصحيفة انه "في اثناء انتفاضات الشعب الفلسطيني خرج من كوبر 15 شهيدا وعشرات الجرحى ومئات الاسرى".
نحو 4.500 نسمة يسكنون في كوبر التي في المنطقة ب، بسيطرة امنية اسرائيلية وسيطرة مدنية فلسطينية. حقول القرية تقع في المنطقة ج التي في السيطرة الاسرائيلية الكاملة. في كوبر عدة عدارس واربعة مساجد. احدهما بني بتبرع من جمعية الصداقة كوبر ولسول. لسول هي مدينة من 200 الف نسمة في شمال غرب انجلترا. والذي عقدت اتفاقية توأمة مع كوبر. في العلاقات الخارجية التي اقامتها قرية كوبر مع العالم الخارجي، تبدو واضحة بصمات حركة الـ بي دي اس العالمية – التي يترأسها عمر برغوثي آخر. فقائمة الارهابيين القتلة الذين خرجوا من كوبر لا تقلق اصدقاءها الاوروبيين. في كوبر يتعاطى الكثيرون مع وجود اسرائيل كمصيبة، وحماس، التي خطت على علمها ابادة اسرائيل، هي الجسم السياسي – الديني القومي هناك. وتبرز هذه القوة ضعف ابو مازن، حتى في منطقته. لقد خشي ابو مازن هذا الاسبوع جدا على استقرار حكمه، لدرجة انه سارع الى اعادة توثيق التعاون الامني مع اسرائيل، والذي ضعف مؤخرا. وعمل الجيش الاسرائيلي هذا الاسبوع في منطقة المقاطعة في رام الله وبجوار منزل ابو مازن الخاص هناك، للعثور على السيارة التي اطلقت النار منها في موقف الباصات في عوفرا. على مسافة غير بعيدة من هناك صادرت المخابرات الاسرائيلية افلام التصوير من كاميرات الحراسة في وكالة "وفا" للانباء، التي هي الاخرى في مركز رام الله، ولم تتدخل اجهزة الامن الفلسطينية. يعرف ابو مازن جيدا بان حماس تقاتل الان ليس فقط ضد سرائيل بل وضده ايضا. وهو يسره ان تلقي اسرائيل القبض على كل مخرب يحمل السلاح من حماس. هذا الاسبوع فقط فرق رجال الامن في سلطته بعنف متظاهرين ومتظاهرات من حماس في مراكز المدن في الخليل ونابلس واعتقلوا الكثير منهم ممن اطلقوا الهتافات ضد حكم محمود عباس.
منظمة متعددة الاذرع
كما أن خوف السلطة الفلسطينية من تدخل ايران شجع ابو مازن ورجاله على العودة الى التعاون الامني مع اسرائيل. ايران هي التي تدير استراتيجيا سياسة التفريق لحماس بين غزة – حيث تتمسك حماس بسياسة الهدوء والتفاهم مع اسرائيل، وبين الضفة – التي تحاول حماس اشعالها، من خلال استخدام الخلايا الغافية التي اقامتها في المنطقة. "ضفتان لحماس"، كتب هذا الاسبوع عاموس هرئيل في "هآرتس" واصاب جيدا. فحماس بالفعل تفرق بين غزة، وبين الضفة، حيث تسعى الى خلق الفوضى واصابة عصفورين بحجر واحد: تمس باسرائيل وتسقط ابو مازن في نفس الوقت.
لحماس ذراعان تستخدمهما من بعيد. واحدة من غزة وواحدة من خارج البلاد، لتفعيل عدة خلايا لها في الداخل. ومقابل جهود حماس تواصل القيادة الامنية سياسة التمييز بين السكان وبين المشاركين في الاعمال المعادية. إذ تعارض العقاب الجماعي وترى فيه ضررا أكثر مما ترى فيه نفعا. ويرى الجيش والمخابرات الاسرائيلية في التعاون الامني مع السلطة ذخرا وليس عبئا. أما الجيش فيستغل الان مطاردة المخربين الذين نفذوا العمليات في عوفرا وجفعات اساف لغرض تنظيف المنطقة من أكبر عدد ممكن من نشطاء حماس وتقليص امكانية العمليات. حتى الان اعتقل اكثر من 150 مشبوها. وتنضم هذه الاعمال الوقائية الى عمل واسع النطاق تقوم به المخابرات والجيش الاسرائيلي لمواجهة محاولات حماس القيام باعمال ارهابية في المنطقة. فقد عدد رئيس المخابرات نداف ارغمان 480 عملية هامة تم منعها، واعتقال 590 منفذا فردا للعمليات.
وينبغي الاشارة الى أنه الى جانب التنسيق الامني مع اسرائيل تواصل السلطة الفلسطينية السماح بتحريض شديد ضد اسرائيل، ربما على سبيل "التوازن" الذي يصورها لدى الجمهور الفلسطيني ليس كمتعاونة مع الاحتلال. وفي حركة فتح، التي يترأسها ابو مازن رسميا، صلوا هذا الاسبوع على روح قتلة زيف حجبي وكيم يحزقيل في برقان وقتلة الوليد عميعاد يسرائيل الذي انقذ من بطن امه الجريحة بعد العملية في عوفرا وتوفي بعد بضعة ايام. وتمنوا في فتح لهم الخلود والمجد ووصفوهم بانهم انقياء القلب.
صحيح أننا اعتدنا على هذا التحريض القاسي جدا في التجربة الفلسطينية، ولكن عندما يصل الامر الى الكارثة وهتلر، الاقسى على الاذن، فحتى السكوت وانعدام الرد من الجانب الاسرائيلي – يكون لاذعا.