بقلم: تسفي برئيل
(المضمون: قرار الرئيس ترامب الانسحاب من سوريا يعتبر انتصار لتركيا التي تريد توسيع غزوها للمحافظات الكردية. وروسيا وايران يمكنهما الآن تنفس الصعداء ومواصلة المضي قدما في خطواتهما في المنطقة).
في شركة "لوكد مارتن"، التي تنتج طائرات اف 35، يقومون بقضم الاظافر: هل صفقة المليارات التي فيها ستشتري تركيا 100 طائرة اف 35 المتملصة ستخرج الى حيز التنفيذ، أم أن الكونغرس سيمنع عملية البيع؟ العائق الاساسي أمام الصفقة هو نية تركيا أن تشتري انظمة صواريخ مضادة للطائرات من طراز اس400، التي حسب البنتاغون ستضر بقدرة التنسيق الاستراتيجي لدول الناتو. الأهم من ذلك هو أن تكنولوجيا سرية موضوعة في طائرات اف 35 يمكن أن تنتقل لروسيا، وهذه يمكنها استغلالها لتحسين قدرات انظمة دفاعها الجوي.
القرار حول مصير الصفقة معقد لأن تركيا هي شريكة في مشروع تطوير الطائرة، وسبق لها واستثمرت نحو مليار وربع مليار دولار في مراحل التطوير، وأهلت عشر شركات تركية تم منحها صلاحية انتاج اجزاء حيوية في الطائرة بأشكالها المختلفة. اذا تم ابعاد تركيا عن المشروع فهي ستخسر 12 مليار دولار من انتاج الاجزاء وستخسر الشركات الامريكية الصفقة الضخمة. وزير خارجية تركيا، مبلوط تشاوشاولو، اعلن أن صفقة شراء الصواريخ من روسيا هي "صفقة منتهية"، لكن الادارة الامريكية غير مقتنعة بذلك، ولهذا اقترحت الادارة الامريكية هذا الاسبوع المصادقة على بيع 140 نظام من انظمة صواريخ الباتريوت لتركيا بمبلغ 3.5 مليار دولار تقريبا، اذا الغت تركيا الاتفاق مع روسيا.
إلا أن صفقات السلاح هذه تتعلق بالسياسة الخارجية لثلاث دول، ومرتبطة بالاساس باستمرار الخطوات السياسية والعسكرية في سوريا. تركيا محبطة من واشنطن بسبب الدعم والتمويل والتسليح الذي تمنحه للمتمردين الاكراد في شمال سوريا. مرات كثيرة عرضت جيشها كبديل للقوات الكردية في الحرب ضد داعش، وفي كل المرات رفض ذلك. الاكراد الذين اظهروا نجاح مثير للاعجاب في هذه الحرب ثبتوا انفسهم كقوة حيوية ورافعة سياسية. لقد منحوا لامريكا موطيء قدم في العملية السياسية التي تقودها روسيا لانهاء الحرب، وتأسيس نظام جديد. تركيا انشأت لنفسها "جبهة التحرير الوطنية" المشكلة من عدة مليشيات وفيها جيش سوريا الحر، وبهذا فقد حصلت على نفوذ عسكري وسياسي في سوريا. بشكل مشابه، استخدمت واشنطن الاكراد كمبعوثين سياسيين وظيفتهم ضمان المصالح الامريكية في المستقبل ايضا. لهذا الغرض فان الولايات المتحدة عزمت على انشاء عدة قواعد مراقبة على الاراضي السورية على طول الحدود مع تركيا للصد والانذار من هجوم تركي على المناطق الكردية.
صحيح أن واشنطن بررت هذه الخطوة بالرغبة في الدفاع عن تركيا من أي هجوم، لكن الاخيرة لم تقتنع بهذا التفسير. هذا الاسبوع اعلن اردوغان أنه ينوي توسيع الغزو التركي حتى مدينة منبج وتحريرها من سيطرة الاكراد، رغم الاتفاق الذي تم التوصل اليه مع الولايات المتحدة، والذي بحسبه ستقوم قوات مشتركة امريكية وتركيا باعمال الدورية في محيط المدينة. هذا الاعلان وضع الولايات المتحدة امام مفترق طرق معقد – مواصلة دعم الاكراد أو الاستجابة لطلب تركيا.
قرار ترامب سحب القوات الامريكية التي تبلغ حوالي ألفي جندي ومدرب من الاراضي السورية اوضح بأن تركيا انتصرت في هذه الجولة، والحلفاء الاكراد سيبقون مهملين دون دعم ودون دفاع امريكي، عدا عن الضغط السياسي الذي سبق واثبت فشله. ليس واضحا اذا كان القرار الامريكي قد جاء نتيجة اتفاق تم التوصل اليه مع تركيا بشأن الغاء أو تجميد صفقة الصواريخ مع روسيا، لكن بالنسبة لتركيا هذا يشكل ضوء اخضر لمواصلة السيطرة على المواقع التركية من مدينة عفرين شرقا من اجل انشاء منطقة كردية مستقلة حسب نموذج المنطقة الكردية في العراق. اردوغان قال هذا الاسبوع إنه أبلغ ترامب عن نواياه العسكرية لاحتلال مناطق شرق نهر الفرات. وحسب اقواله "ترامب وافق على ذلك". اذا كان حقا هذا هو جواب ترامب فيبدو مع ذلك يوجد اتفاق ما يربط بين انسحاب امريكا وبين صفقة الصواريخ.
روسيا وايران شريكتا سوريا في الخطوات السياسية يمكنهما تنفس الصعداء بعد أن اخلت امريكا مكانها ودفع خطواتهما الى الامام. حسب ادعاء الاكراد فان روسيا تدفع تركيا للسيطرة على المناطق الشرقية من اجل اجبار الاكراد على الانضمام الى الخطوات السياسية وبذلك تحييد احدى العقبات الصعبة التي تقف امام انشاء تحالف متفق عليه من قوات المتمردين.
هذا الاسبوع اتفقت ثلاث دول على تشكيل لجنة من ممثلي الحكومة السورية والمتمردين في جنيف في بداية 2019 تحت رعاية الامم المتحدة. هذه اللجنة يتوقع أن يجتمع فيها 150 مندوب، منهم 50 من ممثلي الحكومة و50 من المتمردين و50 "مستقلين"، الذين بشأن هويتهم حدث خلاف بين الطرفين. هدف اللقاء هو تشكيل لجنة لصياغة الدستور، التي ستحدد ضمن امور اخرى صلاحيات الرئيس وتمهد للانتخابات البرلمانية والرئاسية.
الولايات المتحدة اوضحت مؤخرا أنها لن تعارض استمرار حكم الرئيس الاسد شريطة أن ينتخب في انتخابات حرة، لكن ما ينقص الموقف الامريكي هو التطرق لطبيعة النظام الذي تريده امريكا في سوريا، واشتراط حقوق الاقليات مثل الاكراد في الدستور الذي ستتم صياغته وترتيبات امنية وانسحاب القوات الاجنبية، وبالاساس التواجد الايراني. باختصار امريكا تفهم جيدا أنه لم يعد باستطاعتها التأثير، وبالاحرى تشكيل صورة النظام الجديد في سوريا.
احد الاسئلة الاساسية يتعلق باعادة اعمار سوريا بعد الحرب، وهي عملية طويلة حسب تقديرات معقولة ستكلف 300 – 400 مليار دولار. الولايات المتحدة اوضحت في السابق أنها لن تدفع دولارا واحدا طالما أنه لا توجد ادارة متفق عليها ومستقرة في الدولة. وهذا هو موقف الدول الاوروبية ايضا. ولكن من المعروف أن من لم يشارك في اعادة الاعمار لا يمكنه التأثير على النظام ايضا.
الى حين تشكيل لجنة صياغة الدستور بقي على الاقل جيب آخر كبير على الجيش السوري احتلاله لاستكمال السيطرة على الدولة، وهذا الجيب هو محافظة ادلب ومدينة ادلب، التي يترك فيها الآن 100 – 150 ألف مقاتل من المتمردين الذين تجمعوا فيها من ارجاء الدولة في اعقاب اتفاقات وقف اطلاق النار التي بادرت اليها روسيا.
ادلب وقفت في شهر تشرين الاول على شفا الاحتلال الذي كان يمكنه أن يتسبب بقتل جماعي لآلاف الاشخاص. بضغط من تركيا وامريكا وافقت روسيا على تأجيل الهجوم شريطة أن تنجح تركيا في جعل المتمردين يخرجون من المدينة السلاح الثقيل والانضمام للعملية السياسية. صحيح أن ادلب الواقعة في المنطقة الامنية التي حددت في المحادثات بين روسيا وتركيا وايران، توجد تحت اشراف تركيا، ولكن تأثيرها على مليشيات المتمردين هو جزئي، ولا يشمل "جبهة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقا)، ومليشيات راديكالية اخرى.
الخشية هي أنه اذا لم تنجح تركيا في الايام القريبة في تنفيذ وعودها لروسيا، فان الاخيرة ستقرر العمل مع جيش الاسد وستحتل المدينة والمحافظة بالقوة. هذه الخشية أدت بآلاف السكان للهرب من المدينة. واذا جرت فيها معارك شديدة يتوقع أن تقف تركيا امام موجة كبيرة اخرى من اللاجئين الذين سيطلبون المأوى فيها.
في نفس الوقت يمكن للاسد أن يكون راضيا من الاتجاه الجديد الذي يظهر في سياسات دول عربية تجاه سوريا. السنونو الاولى هي زيارة رئيس السودان، عمر البشير، لدمشق، وقريبا يتوقع زيارة الرئيس العراقي الكردي، برهم صالح. رئيس تونس الباجي السبسي، الذي سيصل الى بيروت لحضور مؤتمر اقتصادي للدول العربية ينوي البحث مع رؤساء الدول رغبته في دعوة سوريا للمشاركة في مؤتمر القمة العربية التي ستعقد في تونس في شهر آذار القادم.
اذا تم الاتفاق على دعوة سوريا فهذه ستكون المرة الاولى التي تشارك فيها في القمة العربية منذ تم تجميد عضويتها في الجامعة العربية في تشرين الثاني 2011. صحيح أن الجامعة العربية اظهرت العجز في كل ما يتعلق بحل الازمة السورية، لكن وقف عضويتها كان عملية رمزية هامة استهدفت الاحتجاج على المذبحة التي نفذها الاسد ضد مواطنيه. اذا عادت سوريا للجامعة العربية قريبا فذلك سيشكل اكثر بكثير من بادرة حسن نية رمزية. هذه الخطوة ستكون صفعة للسعودية التي تعارض استمرار حكم الاسد، واعطاء اشارة واضحة الى أن التحالف العربي ضد ايران آخذ في التصدع الى جانب تهاوي مكانة زعيمة التحالف السعودية.
ترامب واقع تحت ضغط الكونغرس لتجميد صفقات السلاح مع السعودية التي تحولت في نظرهم الى دولة غير مرغوبة في تلة الكابتول. في المقابل، الدول العربية بدأت تشكك بقيادة السعودية وهي ترى كيف أن واشنطن تتراجع في سوريا. مقابل كل ذلك يمكن التوقع أن روسيا لن تبقى فوق المنبر. هذا السيناريو يعرض خطوات ترامب كخطأ كبير آخر، أو على الأقل كخطوة غير محسوبة، من شأنها رسم خارطة كتل جديدة في منطقة الشرق الاوسط تضر بمكانة الولايات المتحدة في المنطقة وربما بمكانة اسرائيل.