شريط الأخبار

سيناريوهات مستقبلية للعدوان وبعده ..د. سعيد الشهابي

08:01 - 13 تشرين أول / يناير 2009

 

آلة الدمار والموت الصهيونية لن تتوقف عن قتل الأبرياء، فهي قوة شريرة محكومة بعقلية الحقد والانتقام. وبالتالي فان قرار مجلس الامن الدولي الذي صدر يوم الخميس الماضي لم يخفف وطأة العدوان لانه صدر بدوافع عديدة، أهمها صيانة سمعة الجيش الاسرائيلي من الانهيار التام بعد ان فشل في تحقيق اي هدف عسكري او امني حقيقي بعد اسبوعين متواصلين من التدمير.

انه الفشل الذريع الثاني الذي يمنى به جيش الاحتلال في غضون اقل من ثلاثين شهرا، وبذلك سيكون ايهود اولمرت اول زعيم اسرائيلي يترك منصبه (بعد الانتخابات المقبلة) ملاحقا بهزيمتين وملف فساد يزكم الأنوف. كما ستكون منظمة حماس أول منظمة فلسطينية تحقق نصرا لشعبها منذ احتلال فلسطين قبل اكثر من ستة عقود. ولكن الخاسرين هذه المرة كثيرون، وخسارتهم ليست عسكرية او سياسية فحسب، بل أخلاقية أيضا.

فالكيان الصهيوني سيخرج من حربه مهزوما، ولن يحقق أيا من أهدافه العسكرية، او السياسية. فعلى الصعيد العسكري انحصرت 'انجازات' قوات الاحتلال بتدمير المناطق السكنية والمساجد والمدارس والمراكز الصحية، الامر الذي أثار غضب شعوب العالم ليس ضد 'اسرائيل' فحسب بل ضد الولايات المتحدة كذلك. وفشل العدوان في 'تدمير' صواريخ المقاومة التي استمرت في السقوط على الاهداف الاسرائيلية وتمكنت من الوصول الى ابعد تلك الاهداف. وكان هناك قلق اسرائيلي وغربي شديد من تعرض المنشآت النووية الاسرائيلية وخصوصا مفاعل 'ديمونا' بصحراء النقب، للقصف. ولن تكون تل أبيب بمنأى عن سلاح المقاومة الذي سيستهدفها فيما لو استمر العدوان. وخسرت الولايات المتحدة، كعادتها، سياسيا واخلاقيا، وتكرست صورة الرئيس جورج بوش في الضمير الانساني كإنسان فقد ضميره وقلبه وانسانيته، باصراره على السماح لقوات الاحتلال بالاستمرار في العدوان. وسعى الاتحاد الاوروبي لملء الفراغ السياسي فسعت دوله لإنقاذ الوضع الاسرائيلي باقتراح وقف اطلاق النار ولكن بالشكل الذي يضمن سلامة 'اسرائيل' وامنها، فكانت مواقفها في الاعم الاغلب تتميز بازدواجية المعايير، وان كانت أقل سوءا من المواقف والسياسات الامريكية.

وعلى الصعيد العربي، هناك ثلاثة اطراف متميزة: السلطة الفلسطينية المتمثلة بالرئيس محمود عباس، ومصر والسعودية من جهة، وبقية الدول العربية من الجهة الثالثة. ويمكن القول ان أبو مازن خسر فرصة ثمينة بعدم تقديم اي دعم حقيقي للمقاومة، والاستمرار في التواصل مع الاسرائيليين بينما كانت حممهم تحصد رؤوس الاطفال والنساء وتدمر المساجد والمدارس والمستشفيات. كان بامكانه ان يضع الخلافات السياسية مع الحكومة الفلسطينية المنتخبة التي تمثلها حماس، جانبا، ويشارك عمليا في الكفاح المسلح ضد الاحتلال. انه لم يفعل ذلك، بل اعتقد ان العدوان الاسرائيلي سوف يخلي له الساحة من حماس ومناصريها، وبالتالي سيكون الرئيس بلا منازع. ووفقا لبعض المصادر الاعلامية فقد كان هناك شرطة ومسلحون ورجال امن تابعون لعباس ينتظرون في القاهرة سقوط حماس، لينتقلوا الى غزة على الفور، ولكن حماس لم تسقط. وليس مستبعدا ان تكون الحرب ضد غزة قد قضت عليه سياسيا واظهرت. عجزه عن قيادة الشعب الفلسطيني الذي يسعى الى التحرر من الاحتلال والاستعباد.

وفشلت الحكومات العربية بشكل عام في اتخاذ مواقف مبدئية ازاء العدوان، واكتفت بالتنديد والاعلان عن استعدادها لاستقبال الشهداء والجرحى. فلم تنعقد قمة عربية واحدة خلال عشرين يوما من العدوان. وعندما انعقدت قمة مجلس التعاون الخليجي في مسقط خلال العدوان، فشل القادة الخليجيون في اتخاذ موقف ضاغط على 'اسرائيل' وداعميها. وكان موقفهم مخجلا، ورفضوا حتى التلميح لإمكان وقف ضخ النفط للدول الداعمة للعدوان. وعندما انعقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب كانوا أضعف من الاعلان عن موقف بمستوى المسؤولية. وكان همّ الوزراء الاعلان عن موقف مستحيل، يحفظ ماء وجههم امام الجماهير العربية الغاضبة، ولا يغضب تل أبيب او واشنطن. وبذل وزراء الخارجية العرب جهودا مضنية بحثا عن صيغة سياسية او عسكرية تؤدي الى تقليم اظافر المقاومة الفلسطينية الرافضة للاحتلال، بدلا من استهداف العدوان بشكل مباشر.

اما مصر والسعودية، فلم تستفد حكومتاهما اي درس من حرب تموز/يوليو 2006 التي شنتها قوات الاحتلال الاسرائيلية ضد حزب الله. وقد أصبح الرئيس المصري، حسني مبارك، رمزا لكل ما هو بعيد عن مشاعر الأمة. فقد أصر على ابقاء المعابر الى غزة المحاصرة مغلقة، ورفض الدعوة لوقف اطلاق النار، ورفض الدعوات المتواصلة لطرد السفير الاسرائيلي من القاهرة، وواجهت قواته المتظاهرين المصريين بأقسى الاساليب، وزج أعدادا كبيرة من الاخوان المسلمين في السجون بدون رحمة او انسانية. لقد استطاع الرئيس مبارك تهميش دور مصر العظيمة وابعادها عن الصراع الفاعل مع عدو متربص لمصر وغيرها بالشر. وكان وزير خارجيته أسوأ منه أداء وحنكة في الوقت الذي كانت المشاعر العربية والاسلامية تنتظر مواقف من نوع آخر من ارض الكنانة. ولم تنجح الحكومة السعودية في الامتحان، بل كررت خطأها الفادح بتميز واصرار. فقد استهدف قادتها واعلاميوها منظمة حماس، واعتبروها المسؤولة عن التصعيد، تماما كما فعلوا مع حزب الله. واشترك علماء البلاط السعودي هذه المرة في المواقف المخزية فاعتبر رئيس مجلس القضاء، الشيخ صالح اللحيدان، ان المظاهرات والاحتجاجات غوغاء غير جائزة في الاسلام. وعندما خرجت مسيرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني في المنطقة الشرقية، قمعت بشراسة، ونفت السلطات السعودية خروج اية مظاهرة!

العدوان لم ينته بعد، ولكن التساؤلات الاستراتيجية التي فرضها لم تحظ باجابات واضحة، لانها ليست من النوع السهل. ومن تلك التساؤلات: ما سر قدرة مجموعة محاصرة، قليلة العدد والعدة، على الصمود امام جيش مدجج بأعتى أدوات الموت الصهيونية والامريكية؟ كيف استطاعت كسر شوكة المعتدين وصمدت فترة أطول من فترات كافة الحروب التي حدثت بين الجيوش العربية النظامية وقوات الاحتلال منذ العام 1948؟ هل بدأت حرب التحرير التي طالما تحدث عنها الاسلاميون الذين يستشهدون بالقرآن لإثبات حتمية الحرب الفاصلة؟ لماذا تضافرت جهود الدول الغربية والعربية بهدف حماية الصهاينة وكسر سلاح المقاومة على مدى اكثر من عشرين يوما؟ وكيف فشلت محاولات بث الفرقة بين المسلمين على اسس عرقية ومذهبية في كسر عزائم المقاتلين؟ ما مصير الاوضاع السياسية في مصر والسعودية بعد السقوط المروع لحكومتيهما في الامتحان الثاني في اقل من ثلاثين شهرا؟

ثمة عوامل ساهمت في اضعاف المواقف الاستسلامية لبعض الحكومات العربية ذات الصلة بالوضع الفلسطيني، ومن اهم ذلك: الجرائم المروعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الصهيونية، وفي مقدمتها استهداف المصلين في المساجد والاطفال في المدارس، والاطباء والممرضين في العيادات وسيارات الاسعاف. هذه الجرائم هزت ضمائر الاحرار في العالم، ولكنها لم تجد صدى في نفوس المتربعين على كراسي الحكم في الدول العربية. فبينما تبادر فنزويلا لطرد السفير الاسرائيلي من اراضيها، تمتنع مصر عن القيام بمثل ذلك. وبينما تعبئ ايران كافة طاقاتها السياسية والاعلامية لدعم المقاومة والشعب الفلسطيني، ترفض الدول العربية اتخاذ موقف واضح وحاسم يدعو لوقف اطلاق النار ويصر على استهداف حماس او القاء المسؤولية عليها. وفيما كانت طائرات (اف 16) الاسرائيلية تدك المساجد والمنازل وتلقي الحمم على رؤوس النساء والاطفال، كانت الطائرات السعودية من الطراز نفسه التي يفوق عددها وعدتها ما لدى 'اسرائيل' 'محفوظة' في المخازن تنتظر انتهاء عمرها بالصدأ والعطب لتستبدل بصفقات اخرى تحصد المزيد من اموال الأمة.

هل سيكون الوضع العربي بعد العدوان تكرارا لما كان عليه قبله؟ لقد كان واضحا عمق مشاعر الغضب لدى الجماهير خصوصا مع بث صور العدوان وأشلاء الضحايا، والدمار الهائل الذي اصاب مدن غزة وقراها حتى لم يعد بالامكان التمييز في تلك المشاهد بين ما يعود الى الحرب العالمية الثانية او ما يحدث الآن على ايدي الصهاينة. هذه المشاهد كانت محتملة، ولكن غير متوقعة. ولذلك فعندما وقعت أحدثت هزة ضميرية واسعة، ولكن هل ستكون هذه الهزة عاملا تغييريا في العالم العربي؟ ثمة رهانان هنا: اولهما يعتمده الاسرائيليون وحكومتا مصر والسعودية والدول الغربية، بان ذاكرة الشعوب قصيرة، وان وقف اطلاق النار سوف يساهم في تهدئة الوضع في البداية قبل ان يتحقق القضاء على سلاح المقاومة بشقيها اللبناني والفلسطيني. وعندئذ سيكون مشروع التطبيع مع الكيان الاسرائيلي امرا أيسر. هذا المشروع اتخذ ابعادا مثيرة عندما وجه ملك السعودية الدعوة لرئيس الكيان الاسرائيلي، شمعون بيريز، قبل شهرين، لحضور قمة الاديان في نيويورك، وعندما صافح شيخ الأزهر بيريز أيضا. ومن المتوقع ان تستمر الجهود لتحقيق التطبيع مع الكيان الصهيوني بكافة الاساليب والوسائل، ايا كانت النتيجة النهائية للعدوان الحالي. فمع ان العقل يقضي بضرورة دعم 'السلاح المنتصر' الا ان الأنظمة التي استمرأت الفشل والهزيمة، لا تستطيع التعايش مع صانعي النصر والصامدين بوجه الغزاة. وما يزال ماثلا في الذهن ما حدث في حالتين أخريين. اولاهما الضغط الذي مورس في مطلع التسعينات على حكومة الرئيس الافغاني آنذاك، برهان الدين رباني، لطرد من كانوا يسمون 'الأفغان العرب' من بلاده بعد الهزيمة المنكرة التي منيت بها القوات السوفياتية. كانت تلك الهزيمة عاملا مهما في تداعي الاتحاد السوفييتي في غضون اعوام ثلاثة. اما الحالة الاخرى فهي ما جرى بعد انتصار المقاومة الاسلامية في لبنان قبل ثلاثين شهرا. فبدلا من احتضان المقاومة ودعم سلاحها، تصاعدت الاصوات المهزومة مطالبة بنزع ذلك السلاح. ولن يكون الامر مختلفا هذه المرة. اذ من المتوقع ان ترتفع الاصوات 'المعتدلة' تحت عناوين شتى وذرائع مختلفة لـ 'احتواء' الموقف، و'منع تكرار' الاوضاع التي دفعت الصهاينة لشن عدوانهم ضد غزة. اما الرهان الثاني فتعتمده ايران التي دعمت المقاومة، وتعتبر انتصارها نجاحا لمشروعها السياسي الذي يعتمد مبدأ التحرير وعدم المساومة.

الصراع الذي سيحدث في الفترة المقبلة سيكون ذا طبيعة مختلفة ولكنها مألوفة. هذه المرة قد تستطيع الجماهير، فيما لو توفرت لها قيادات ميدانية كفؤة، ترجيح كفة التغيير في بعض المناطق خصوصا مصر التي تأخر التغيير فيها طويلا. فموقف الرئيس المصري ووزير خارجيته، مدعومان بسلطة دينية خطت خطوات مكشوفة للتطبيع مع الصهاينة، كانت من ابشع المواقف التي حدثت خلال الصراعات المتوالية مع الكيان الاسرائيلي. فقد منع الدواء والغذاء عن غزة. مصر مرشحة للتغيير، وكذلك السعودية التي كانت باستمرار تقف على خط المواجهة ضد كافة قوى المقاومة: وطنية كانت ام اسلامية، شيعية ام سنية.

لقد استبدلت الدبلوماسية الامريكية المكونين الرئيسيين لسياسة 'العمودين المتوازيين' التي انتهجها الرئيس رتشارد نيكسون في السبعينات، وذلك بالاعتماد على ايران الشاه والسعودية، بعمودين متوازيين حاليا هما مصر والسعودية. وفي كلا الحالين كان للمؤسسة الدينية دورها ليس في توفير 'الشرعية الدينية' لمشروع التطبيع، بل المشاركة فيه عمليا، والتصدي للمقاومين والاحرار. هذا السيناريو لم يعد مستبعدا، ولكن يوازيه سيناريو آخر يعتمد سياسة الاستهداف المكثف للقوى الاسلامية والوطنية التي تعتمد نهجا عقلانيا قائما على المبادئ والقيم والاعتماد على الذات. هذا الاستهداف سيكون بأساليب عدة: اولها الاستهداف المباشر تحت عناوين جاهزة كمواجهة التطرف، وثانيها: تكثيف الاعلام المضاد لنزع القداسة عن المجموعات المقاومة التي صنعت النصر للأمة، وثالثها: تشجيع مجموعات بعناوين اسلامية لمواجهة ما تبلور خلال العدوان الاخير على غزة، من تلاحم بين المقاومين على اختلاف انتماءاتهم الايديولوجية والمذهبية، واستغلال ذلك لارتكاب المزيد من القمع. وبين هذين السيناريوهين، يتواصل العدوان والتآمر ضد قوى التحرر والصمود، ولكن، هذه المرة، بمشاركة مباشرة من قوى الامن المحلية واموال النفط الهائلة. فهل ستنجح تلك الخطة؟ ربما لن تكون الظروف هذه المرة مؤاتية لذلك، لان الفشل الصهيوني فاق التصور، وفاجأ داعمي العدوان، فسارعوا لإنقاذه تحت عناوين من ابرزها وقف اطلاق النار بدعم امريكي، ومبادرات 'عربية'.

 

 

' كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

 

انشر عبر