قراءة في نتائج الانتخابات السويدية والسيناريوهات المتوقعة

الساعة 10:24 ص|22 سبتمبر 2018

قراءة في نتائج الانتخابات السويدية 

والسيناريوهات المتوقعة

بقلم : رائد محمد الدبعي  

ملخص : 

شكلت نتائج الانتخابات السويدية الأخيرة في التاسع من أيلول 2018، حالة نادرة، وذلك بسبب  التقارب الحاد بين الكتل المتنافسة، ممثلة  بكتلة الحمر والخضر، والتي تضم أحزاب" الاشتراكي الديمقراطي، والبيئة، واليسار" وتحالف البرجوازيين ممثلا بأحزاب " المحافظين، والليبراليين، والوسط، والمسيحي الديمقراطي " تصل حد التطابق، مع تقدم ملحوظ لحزب " ديمقراطيي السويد الشعبوي، المتطرف، والمعادي للأجانب، والهجرة، والاتحاد الأوروبي، والسياسية المالية الموحدة، وهو الأمر الذي يظهر أن خطر الشعبوية التي يجتاح أوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية، مع صعود ترامب للحكم، أضحى يهدد الأنظمة ذات  الديمقراطيات الراسخة، والمجتمعات الأكثر استقرارا، وهو الأمر الذي يعود لمجموعة من الأسباب في مقدمتها سياسات اللجوء المتسامحة التي تبنتها مجموعة من الدول، واستغلال إحباط سكان الضواحي والارياف نتيجة تدني الخدمات المقدمة لهم، والخطاب الشعبوي القريب من ثقافة الطبقات الشعبوية غير المثقفة، وغيرها من الأسباب التي تخدم مصالح تلك القوى، وتجعلها تحصد المزيد من الأصوات، كما حصل في إيطاليا، والمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية. 

 أدخلت نتائج الانتخابات السويد في حالة  من عدم اليقين،  إذ أن أي  من الكتلتين الرئيسيتين، لن تكون قادرة  على تشكيل ائتلاف  حكومي دون  التحالف مع الاخرى، في ظل قرارهما بعدم التعامل مع حزب " ديمقراطيي السويد"، وهو الأمر الذي يجعل من التنبؤ بشكل الائتلاف الحكومي المقبل مهمة صعبة للغاية، نظرا لتقارب فرص مختلف السيناريوهات المتوقعة، والمتباينة ما بين ائتلاف بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالتحالف مع أحزاب الخضر، والليبرالي، والوسط، وبدعم من حزب اليسار، أوتحالف بقيادة حزب المحافظين، وبمشاركة التحالف البرجوازي، وبدعم من ديمقراطيي السويد، أو حزب البيئة، أو الاتفاق على رئيس وزراء من خارج الحزبين،  بينما  يظل سيناريو تنظيم انتخابات مبكرة في السويد، في حال تعطل الجهود الرامية لتشكيل حكومة  ائتلافية لأربع مرات متاالية مطلا برأسه، ولو بشكل نظري. 

    طبيعة الائتلاف الحكومي القادم  سيحدد أولويات السويد وطنيا، واقليميا، ومواقفها دوليا، إذ أن حكومة برئاسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ، ستركز على قضايا دولة الرفاه، والاندماج، وتحسين الخدمات الصحية، وقضايا المساواة الجندرية، كما أنها ستحافظ على حضورها القوي في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وجهود إصلاح الأمم المتحدة،  ودعم جهود حظر الأسلحة النووية، كما أن هذا السيناريو، سيحافظ على موقف متقدم تجاه القضية الفلسطينية، وتدخل إيجابي لصالح الحق الفلسطيني، لا سيما في موضوع دعم التوجه الفلسطيني في الانضمام للمنظمات الدولية، وحث الدول على تعويض قطع  الولايات المتحدة لدعمها للأونروا، بينما  ستكون أولويات ائتلاف بقيادة حزب المحافظين، سياسات أكثر تشددا تجاه قوانين الهجرة، والتركيز على قضايا الأمن، وتقليص الضرائب، وتحسين الخدمات الصحية، فيما سيكون انخراطها على الصعيد الدولي، أقل نشاطا، لا سيما في الموضوع الفلسطيني، إذ أن وجود حزب الوسط في التحالف قد يقود نحو سياسات أقل عداء لفلسطين، إلا أن حالة الاندفاع تجاه الحق الفلسطيني، والاتجاه نحو اتخاذ خطوات فعلية  كما فعلت الحكومة السابقة، التي اعترفت بفلسطين، ووقفت إلى جانب الحقوق الفلسطيني ليس من المحتمل أن يستمر في هذا السيناريو. 

   تأتي هذه الورقة البحثية بهدف تسليط الضوء على مخرجات الانتخابات السويدية، وأسباب تنامي قوة القوى الشعبوية، واستعراض ابرز السيناريوهات المتوقعة لشكل الحكومة القادمة، وذلك لما لمسه الباحث من غياب مرجعية بحثية عربية حول الموضوع، وفقا لعلم الباحث، في وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية على حد سواء . 

 

رائد الدبعي

 

  مقدمة 

      أوجدت نتائج الانتخابات السويدية في التاسع من أيلول 2018، واقعا سياسيا جديد ا ، وأظهرت جليا تغيرا  في توجهات الرأي العام السويدي خلال السنوات الأربعة المنصرمة من حكم تحالف الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب البيئة، كما أن التقارب النادر في النتائج بين كتلتي اليسار، والذي يطلق عليه " كتلة الحمر والخضر"،  وتحالف يمين الوسط، الذي يطلق عليه التحالف البرجوازي" يجعل من التنبؤ بتركيبة وشكل الائتلاف الحكومي القادم غاية في التعقيد، ويجعل من المشاورات  بين مختلف الكتل النيابية الممثلة في البرلمان، مهمة صعبة، وشاقة وطويلة. 

     ساهمت الحكومة السويدية برئاسة ستيفان لوفان، بشكل محوري في دعم وإسناد الشعب الفلسطيني، عبر اعترافها  كأول دولة في الاتحاد الأوروبي بدولة فلسطين، ودعم التوجه الفلسطيني في الأمم المتحدة، وقيادتها حاليا للجهود المبذولة لتعويض وقف الإدارة الأمريكية لأموال الأونروا من خلال حث الدول الأخرى في أوروبا وغيرها على تعويض النقص الذي خلقه سياسات الإدارة الأمريكية  في هذا الإطار، والمشاريع التنموية التي تقدمها الحكومة السويدية لدولة فلسطين، ولمؤسسات المجتمع المدني، وللأحزاب الشريكة مع الأحزاب الفلسطينية لا سيما حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وذراعها الطلابي حركة الشبيبة الفتحاوية، اللتين تربطهما بالحزب  الاشتراكي الديمقراطي، وشبيبته " عصبة  الشباب الاشتراكي الديمقراطي السويدي " علاقة وثيقة، تتجاوز المشاريع والتوجهات السياسية والاجتماعية المشتركة، باتجاه تنظيم حملات مشتركة على الصعيد العالمي، لمقاطعة بضائع المستوطنات، وتقديم مشاريع قرارات مشتركة في المنظمات الاشتراكية الديمقراطية مثل الاشتراكية الدولية" SI"    ومنظمة 

"التحالف التقدمي" " the Progressive Alliance" "والاتحاد العالمي للشباب الاشتراكي" 

" IUSY  " حول القضية الفلسطينية، بل أن " عصبة  الشباب الاشتراكي الديمقراطي السويدي " هي أول المنظمات الاشتراكية في أوروبا التي تبنت ال BDS في مؤتمرها العام سنة 2013 ، كما أن وجود شخصيات في الحكومة السويدية من أمثال " اَن ليندا " وزير التجارة والشؤون الأوروبية، والتي شغلت سابقا موقع سكرتير العلاقات الدولية للحزب الاشتراكي الديمقراطي، وأحد أبرز الشخصيات المناصرة لقضية فلسطين، ووزيرة الخارجية "مارغوت فالستوم"، التي تعرضت لهجمة شديدة من إسرائيل، وحلفائها في السويد، وأوروبا نتيجة لمواقفها المبدئية والمناصرة للحق الفلسطيني، ولا سيما تصريحاتها حول ضرورة إنهاء الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة، يجعل من الحكومة السويدية الماضية، أحد أكثر الحكومات السويدية دعما لفلسطين، وتمسكا بإرث رئيس الوزراء الأسبق " أولف بالمة" الذي كان من أوائل الشخصيات السياسية الغربية، التي فتحت حوارا مع منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيسها الأسبق الشهيد ياسر عرفات . 

 على الرغم من كل ذلك،  ومن الانعكاسات المباشرة على شكل الائتلاف الحكومي القادم في السويد على القضية الفلسطينية، إلا أن الإعلام الفلسطيني عموما، الحكومي منه والخاص، وكذلك الحركي، والحزبي، لم يولي تلك الانتخابات الأهمية التي تستحق، وعليه يأتي هذا التقرير بهدف محاولة سبر أغوار تلك الانتخابات من حيث نتائجها، وأسباب تلك النتائج، وسيناريوهات الائتلاف الحكومي المرتقب، وأولويات كل ائتلاف على الصعيد المحلي والعالمي، وأخيرا أثر ذلك على القضية الفلسطينية . 

 نتائج متقاربة وحالة من عدم اليقين 

   شكلت نتائج الانتخابات السويدية 2018، حالة نادرة من  حيث التقارب الذي يكاد يصل إلى حد التطابق بين الكتلتين  المتنافستين، ممثلين بكتلة  الحمر والخضر، والمكونة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم، وحليفه حزب البيئة " الخضر " وحزب اليسار، والذي حصل على 41% من نسبة التصويت، البالغة 87.2%، حيث حصل الحزب الاشتراكية الديمقراطي " برئاسة ستيفان لوفان"  على 28.3 %  حاصدا العدد الأكبر من الأصوات، ومتقدما على منافسه الرئيسي حزب المحافظين، على الرغم من تراجعه بنسبة 2.8%  عن انتخابات عام 2014، فيما حصل حزب اليسار برئاسة " يوناس خوستيت " على 8%،  متقدما 2.3% عما حققه في العام 2014، علما بأنه الحزب الذي أعد النشيد السويدي الشهير " تحيا فلسطين وتسقط الصهيونية"، بينما حصل حزب البيئة برئاسة " ايزابيلا لوفين " على 4.4%، متراجعا 2.5% عن العام 2014. 

    فيما حصلت كتلة يمين الوسط، والتي يطلق عليها  " التحالف البرجوازي " والمكونة من (المحافظين والليبراليين والديمقراطي المسيحي والوسط)  على نسبة 39.1%، إذ حصل حزب المحافظين، المنافس التقليدي للحزب الاشتراكي الديمقراطي تاريخيا  برئاسة  ألوف كريسترشون، على نسبة 19.8%، متراجعا 3.5  % عما حققه في العام 2014، فيما حصل حزب الوسط برئاسة " انية لوف " على ما نسبته 8.6%، محققا تقدما مقداره 2.5 عن نتائجه في العام 2014، فيما حقق الحزب الليبرالي برئاسة " يان بيوكلوند " على 5.5%، محققا تقدما طفيفا مقداره0.1 % عما حققه في العام 2014، فيما حصل حزب الوسط برئاسة "  انيه لوف " على 8.6%، بزيادة مقدارها 2.3% مقارنة بالانتخابات السابقة عام 2014، فيما حصل الحزب الديمقراطي المسيحي برئاسة "  إيبا بوش تور  " على ما نسبته 6.3%، بزيادة 1.8% عن نتائج العام 2014، فيما حصل حزب ديمقراطيو السويد القومي الشعبوي المتطرف، برئاسة " جيمي أكيسون" =، المعادي للأجانب، والاتحاد الأوروبي، والعملة الأوروبية الموحدة، والمناهض لسياسات الهجرة، والاندماج التي تتبعها الحكومة الاشتراكية على ما نسبته 17.5%، بزيادة هي الأعلى بين مختلف الأحزاب بلغت 4.7% عن العام 2014 على الرغم من أن استطلاعات  الراي العام كانت تمنحه 25% قبل أيام من الانتخابات، فيما لم تتجاوز القوائم الأخرى نسبة الحسم، وحصلت مجتمعة على ما نسبته 1.5% . 

    وعليه فإن تحالف الحمر والخضر، يكون قد حصل على 144  من عدد أعضاء البرلمان البالغ 349 ، حيث توزعت بواقع 100 مقعد للحزب الاشتراكي الديمقراطي، و28  لحزب اليسار، و16  لحزب البيئة،  فيما حصل تحالف يمين الوسط على 143،  مقسمة بواقع 70مقعدا للمحافظين،و  31  مقعدا لحزب الوسط، و22 مقعدا للحزب الديمقراطي المسيحي، و  20   مقعدا للحزب الليبرالي، فيما حصل  حزب ديمقراطيو السويد  الشعبوي المتطرف على62 مقعدا . 

 تقدم جديد للشعبوية القومية المتطرفة 

  أظهرت نتائج الانتخابات، أن المجتمع السويدي ليس بمأمن عن تأثيرات  موجة الشعبوية المتطرفة، التي تجتاح أوروبا، والعالم، والتي تتغذى بشكل أساسي على اقتناص مخاوف المواطنين، ومعاداة الأجانب والتخويف من الإسلام، واللاجئين، ورفض أي سياسات تسامحيه فيما يتعلق بدمج اللاجئين، إذ أثبتت نتائج الانتخابات أن السويد تلحق اليوم بركب، ألمانيا، التي حقق بها حزب البديل الشعبوي العنصري 13.1% واستطاع الحصول على 94  في البرلمان الألماني، وتوجيه ضربة شديدة، للأحزاب التقليدية التاريخية في المانيا، بما فيها الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والاتحاد المسيحي، وكذلك في ايطاليا، والنمسا، وفرنسا التي أصبحت الدعوات بها لمغادرة الاتحاد الأوروبي علنية، ولها من يدافع عنها داخل أروقة البرلمانات . 

    تتعد أسباب تقدم القوى الشعبوية اليمينية المتطرفة في أوروبا، فعلى الرغم من أنها لا تزال أحزاب حديثة التأسيس مقارنة بالأحزاب التقليدية التي حكمت أوروبا خلال القرن الماضي، فمثلا حزب البديل من أجل المانيا تأسس عام 2013، وحركة النجوم الخمسة في أيطاليا تأسست عام 2009،  والحزب ديمقراطيو  السويدي تأسس عام 1988، بينما تأسست  الأحزاب الاشتراكية، والمحافظة  منذ نهاية القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين،  إلا أن تلك القوى استطاعت تبني عددا من الاستراتيجيات التي أثبتت قدرتها على النفاذ إلى الرأي العام وأهمها : 

1- اقتناص هواجس المواطنين ومخاوفهم:   

حيث استغلت القوى الشعبوية في السويد وغيرها من الدول الأوروبية، هواجس المواطنين، وإحباطهم، وحاجاتهم الاجتماعية، والمادية، كأزمة السكن، ونوعية الخدمات الصحية المقدمة،  لتأليب الرأي العام، ولا سيما بين الطبقات، والأقاليم التي تعاني أصلا من مستويات مرتفعة في نسب البطالة، والفقر، وتدني الخدمات، ومستويات المعيشة، و نسب الأمية، إذ أن نسبة الحاصلين على دراسات ما بعد الثانوية في الأرياف لا تتجاوز 28% في السويد، بينما فشل الحزب الديمقراطي السويد  في تحقيق أي نتائج متقدمة في المدن الرئيسية، فيما  نجح في اختراق الضواحي، والقرى، مستخدما خطابا تعبويا، يتوافق مع امال واحلام وتطلعات المواطنين، كما أنه نجح في اختراق بعض القطاعات التي شكلت قلعة حصينة للحزب الاشتراكي الديمقراطي تاريخيا،  مثل نقابات العمال، التي تشير الاستطلاعات أن قطاعات واسعة بها صوتت لصالح حزب ديمقراطيي السويد،  دفاعا عن مصالحها، ومثال ذلك قطاعي البناء والنقل، التي توظف عمالا أجانب ضمن الحد الأدنى للاجور في بلدانهم، مما يهدد مصالح العمال السويديين،  وكذلك الحال في المانيا، إذ أن حزب البديل، حقق انتصارات حاسمة في الولايات التي ترتفع بها نسب البطالة، والجريمة، وتتدنى بها مستويات الخدمات العامة، مثل إقليم سكسونيا في المانيا الشرقية. 

 

2- التخويف من الإسلام " الإسلاموفوبيا " ومعاداة اللاجئين : 

نجحت القوى الشعبوية في السويد، وغيرها من دول أوروبا، في بث مشاعر الخوف والتهديد القادم من أفواج اللاجئين الهاربين من الحروب، والقمع في بلدانهم، واستطاعت رسم صورة لهم، وكأنهم غزاة، يهدفون إلى تهديد الثقافة والهوية الغربية للبلاد القادمين إليها، حيث يعتبر الترهيب من الإسلام، ومعاداة اللاجئين، والهجوم المستمر على سياسات الحكومات التي أبدت تسامحا، وانفتاحا في هذا الإطار، أحد ابرز ثوابت سياسات الأحزاب الشعبوية، وهو الأمر الذي يعتبر عاملا رئيسيا ومشتركا لمختلف القوى الشعبوية في العالم، بدءا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي شكل  تحريض المواطنين الامريكيين على الأيدي العاملة المكسيكية أحد أعمدتها الرئيسية،  وكذلك دعوته لبناء جدار فصل بين المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية، مستلهما ذلك  من جدار الفصل العنصري في فلسطين كما صرح هو بذاته، وكذلك تصريحات رئيسة حزب الجبهة الوطنية اليميني في فرنسا  " مارين لوبان " التي صرحت بأنه " على اوروبا التوقف عن استقبال اللاجئين، وأما عن المانيا فهي تريد استغلالهم " وتصريح وزير الداخلية الأيطالي " ماتيو سالفيني" بأن ايطاليا لا يمكن أم تتحول إلى مخيم للاجئين، مقترحا إنشاء مخيمات لهم في ليبيا، فيما وصل الأمر برئيس الحزب الديمقراطي السويدي الشعبوي إلى تصريحه بأن " اللاجئين القادمين إلى السويد لا يمكن دمجهم، كونهم غير قادرين على ذلك " في تصريح يعيد للأذهان العقلية النازية التي تقوم بتصنيف الناس وفقا لعرقهم، ولون بشرتهم، أو دينهم، كما أن شعارات من قبيل " لا لرفع الأذان أضحت شعارا شعبويا يعلق على يافطات في الانتخابات السويدية الأخيرة.  

 يضاف إلى تلك التصريحات ربط الجرائم، ومستويات البطالة المرتفعة التي تعصف بأوروبا قبل الربيع العربي، وانتشار الجريمة المنظمة،  باللاجئين، ولا سيما المسلمين منهم على وجه الخصوص، وتصويرهم على أنهم أصل الشرور التي تعصف بالمجتمعات التي يعيشون فيها، فعلى سبيل المثال، ركز الحزب الديمقراطي السويدي، بشكل كبير، ولا سيما في المجتمعات الريفية، والضواحي التي تتميز أصلا بنزعات احتجاجية على مستوى الخدمات المقدمة لهم، على رواية أن اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط، وافريقيا، هم سبب ارتفاع مستويات الجريمة في السويد، على الرغم من أن الحقيقة أن مستويات الجريمة على المستوى الوطني خلال السنوات الأربعة الماضية قد تدنت بشكل ملحوظ فيها، هذا بالإضافة إلى تأليب المواطنين على سياسات حكوماتهم من خلال إظهار اللاجئين بالتهديد الذي يصادر حقهم بالعمل، والخدمات الصحية والتعليمية، ويهدد أمنهم، بل ويهدد هويتهم الوطنية، وثقافتهم الغربية، إذ ركزت على سبيل المثال رئيسة الجبهة الوطنية " مارين لوبان " على مهاجمة الذبح الحلال، وتصويره بأنه يهدد قيم الجمهورية الفرنسية، وهوية الأمة، وهو الأمر الذي نجح  الحزب الديمقراطي السويدي في تحقيقه . 

   أبرز ما يميز مخرجات الانتخابات  السويدية في هذا الإطار، ليس عدد المقاعد والنسب المئوية لكل حزب، إنما اختراق القوى اليمينية الشعبوية، للنسيج المجتمعي السويدي، ونجاحه في التغلغل  في طبقات اجتماعية، تشكل الطبقة الوسطى التي تخشى على موقعها الاجتماعي، والامتيازات التي تحظى بها في دولة كالسويد، والطبقات الفقيرة، المصابة بالإحباط، والغضب، ولا سيما في الضواحي والقرى، وهو الأمر الذي تصفه نائب رئيس لجنة العلاقات الدولية في الحزب الإشتراكي الديمقراطي السويدي

" ايفين انجير" بتطبيع الشعبوية، وامتدادها، وتمثيلها بشكل رسمي في البرلمان، والحياة السياسية السويدية، بل إن حزب ديمقراطيي السويد  الشعبوي المتطرف، سيكون قادرا بموجب القانون السويدي، من الاستفادة من أموال الوكالة السويدية للتنمية  " سيدا"، لنشر أفكاره  المتطرفة عالميا، عبر تنظيم أنشطة مع حلفائه مما يشاطرونه ذات الفكر الشعبوي المتطرف في جميع أنحاء العالم، وكذلك الأمر طبعا في المانيا، وغيرها من الدول الأوروبية،  إذ أن حصة كل حزب من المساعدات المخصصة للمشاريع الدولية، والوطنية في الدول الديمقراطية، تحدد وفقا لعدد أعضاءه في البرلمان . 

     المشكلة الحقيقة التي تواجه اللاجئين في السويد، وغيرها من الدول الأوربية هي الاندماج، إذ أن مستويات الاندماج في المجتمع السويدي، وتعلم اللغة، لا تزال تعاني من بطئ شديد، وهو الأمر الذي يجري تصويره من قبل القوى الشعبوية المعادية للأجانب على أنه غزو ثقافي إسلامي، هدفه تشويه الثقافة واستهداف ديمقراطية المجتمع، والدعوة لتشديد قوانين الهجرة، بل وإعادة اللاجئين إلى بلدانهم التي قدموا منها . 

3- استخدام خطاب شعبوي يلامس المواطن البسيط : 

يقول "أوكتافين أورزو"، رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في مدينة غولتز شرقي المانيا  "لسنا قريبين بما فيه الكفاية للناس وإلا لكانت النتائج مختلفة. علينا الاستماع للناس الآن ونعثر على الطريقة المناسبة لحل مشاكلهم"، وهو الأمر الذي يؤكد عليه العديد من قيادات  الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي أيضا، والذين يشيرون إلى أن الخطاب الذي قدمته الحكومة الاشتراكية خلال الأعوام الأربعة الماضية في السويد، لم يرتق  لملامسة حاجات المواطنين، ومخاوفهم، واحتياجاتهم، كما أنه لم يحسن إيصال رسالته للمواطنين، ولا سيما نضاله المستمر، نحو الحفاظ على دولة الرفاه، وتوفير الاحتياجات الأساسية للمواطن، من مسكن، وتعليم نوعي، وخدمات صحية، وبنية تحتية، من خلال تبني سياسات مالية تقوم على رفع نسب الضرائب على الأغنياء، مقابل توفير الخدمات، ودولة الرفاهـ،  وهو الأمر الذي استخدمه حزب ديمقراطيو السويد، ليبث بين المواطنين، بخطاب شعبوي بسيط، وكلمات واضحة ومفهومة، بأن المواطن السويدي يدفع الضرائب بينما يستفيد منها اللاجئين الأجانب، الذين يشكلون عبئا على المجتمع، وقيمه، واقتصاده، وأمنه، ونسيجه المجتمعي، وهو الأمر الذي نجح في استقطاب مئات الالاف من المواطنين. 

      يشير بعض نشطاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، أن الحزب لم يتمكن من إثبات نجاعة سياساته، وقدرته على التغيير الإيجابي نظرا لمحدودية فترة حكمه، والبالغة اربعة سنوات، جاءت بعد وجوده في مقاعد  المعارضة لثمان سنوات،  وأن ائتلافه الحاكم، القائم على تحالف بسيط مع حزب البيئة، ودعم حزب اليسار، لم يمكنه من العمل بحرية لتحقيق برامجه، وأفكاره خلال فترة الأربعة سنوات، إلا أنه اليوم يجد نفسه في وضع أعقد بكثير، كونه بحاجة ماسة إلى التحالف، مع القوى الليبرالية، وحزب الوسط، ليستطيع تشكيل حكومة للسنوات الأربعة القادمة، مما سيجعل من مهمته أكثر صعوبة، وتعقيدا، وهو الأمر الذي يؤكد ضرورة تبني الأحزاب الكلاسيكية في أوروبا، لا سيما الاشتراكية منها، لخطاب عصري جديد، يلامس احتياجات المواطنين، ويرتقي إلى تطلعاتهم،  الأمر الذي نجح به الحزب الإشتراكي الديمقراطي السويدي جزئيا، بعدما أظهرت نتائج استطلاعات الرأي قبل الانتخابات بحوالي شهرين، حصول حزب ديمقراطيو السويد الشعبوي على 20% من الأصوات، وتراجعه إلى   23.8%، مما جعله يتبنى حملة انتخابية قامت على التواصل الفردي مع المواطنين، والاستماع إلى اقتراحاتهم، واحتياجاتهم، مما مكنهم من تقليص الفارق بشكل جزئي. 

4- استخدام سلاح الإشاعة بشكل مكثف:

      تولي السويد قضية صورتها على الصعيد الدولي، والحد من النفوذ الأجنبي  أهمية خاصة، ومن أجل ذلك فقد أسست هيئة حكومية تسمى " هيئة الطوارئ المدنية السويدية" مهمتها مكافحة  عمليات النفوذ الأجنبي، التي تشوه صورة السويد، وتهدد نسيجه المجتمعي،  عبر نشر الأكاذيب والأخبار الملفقة، وعلى الرغم من ذلك إلا أن العديد من التقارير تشير إلى تعرض الحملة الانتخابية في السويد، لحملات منظمة من جهات خارجية، وداخلية، هدفها زعزعة ثقة المواطن السويدي بحكومته، ونشر الإشاعات، والأخبار الكاذبة . 

     إلا أن محاربة حرب الإشاعة التي استخدمتها القوى الشعبوية في السويد، من خلال استغلال سياسة الحكومة المتسامحة تجاه اللاجئين،  في ظل حقيقة أن حكومة الاشتراكي الديمقراطي السويدي  استقبلت أكبر عددا من اللاجئين في أوروبا، مقارنة بعدد السكان، يعتبر أمرا معقدا، وصعبا للغاية، نظرا لصعوبة السيطرة على العالم الافتراضي، ممثلا بالإعلام الاجتماعي، وتمتع القائمين على حرب الإشاعة بقدرات كبيرة على المراوغة، والتكتيك، ومعرفتهم العميقة والمتطورة بأساليب استخدام فضاء الإعلام الاجتماعي بشكل مؤثر، وقابل للتصديق، عبر استخدام معلومات تشتمل على قدر من الحقيقة، وتشكيلها بما يخدم مصالحهم، مما يجعلها قابلة للتداول بين العامة . 

     هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الأحزاب التقليدية في السويد لا تمتلك منصات إعلامية، وفرق متخصصة للتواصل مع المواطنين، وإيصال رسائلها، وأفكارها لهم، إلا أن تلك المنصات تبقى محدودة التأثير، أمام حرب الإشاعة، والأخبار المضللة في المجتمعات التي تمر بمراحل تحول، كما هو حال  السويد، التي تعمل على دمج مئات الاف  المهاجر ممن تم استقبالهم، خلال السنوات الأربع الماضية، وبالأخص في ظل وجود خبراء في توجيه الإشاعة وصناعتها، وإمكانية توجيهها  لخدمة طرف بعينه، وهو الأمر الذي يعيدنا من جديد الى الاتهامات الموجهة لروسيا، بشأن تدخلها في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، لصالح المرشح الشعبوي دونالد ترامب، عبر إرسال ملايين الرسائل التي تستهدف خصمه المرشحة هيلاري كلينتون . 

      الإشاعة طبعا لا تقتصر على استخدام الوسائل الالكترونية، إنما تتعداها لاختراق المجتمع عبر نشر إشاعات لها علاقة بازدياد نسب الجريمة مع قدوم اللاجئين، واستهداف اللاجئين للثقافة، والقيم الوطنية، واستحواذهم على حق المواطنين من الثروة والخدمات التي تقدمها الحكومة، وهو الأمر الذي أثمر تراجعا للأحزاب التقليدية، ولا سيما الحزبين الكبريين تاريخيا، لصالح  حزب ديمقراطيي السويد  الشعبوي . 

5- عدوى الجوار الشعبوي التي تجتاح أوروبا 

 يضاف إلى الأسباب المذكورة، موجة التطرف الشعبوي، المعادية للأجانب، والمهاجرين، والإسلام، والاتحاد الأوروبي، والعملة الأوربية الموحدة،  التي تغزو اليوم الدول الأوروبية الكبرى، والولايات المتحدة الأمريكية،  والتي قادت لخروج  بريطانيا من الاتحاد الأوروبي باستفتاء عام، وتقدم حزب البديل في المانيا، وحركة النجوم الخمس في ايطاليا، وتنامي قوى اليمين الشعبوي، في هولندا، والنمسا، وهنغاريا، وفوز دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية، وتنامي قوة اليمين الشعبوي في إسرائيل، وغيرها من الدول، إذ أن السويد ليست بمنأى  عما يعرف "بعدوى الجوار" ، وهو تأثر دولة أو أكثر بما يحدث في إحدى الدول المجاورة، لا سيما حين نضوج ذات الأسباب التي قادت إلى ذات الحدثـ ، إذ يشكل الربيع العربي أحد النماذج الواضحة، على الرغم من ماَلاته المؤسفة، وتحولاته الحادة  . 

 

6- استراتيجية التجاهل  الخاطئة في التعاطي مع الشعوبيين 

      تبنى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وشريكه الأساسي في الحكم حزب البيئة  استراتيجية  تقوم على التجاهل في تعامله مع حزب ديمقراطيي السويد الشعبوي، وعدم الرد على هجومهم، واتهاماتهم، للحكومة، وذلك تحت مبرر عدم منحهم منصة إعلامية، وأضواء إضافية، إذ قامت فلسفة التجاهل على أن الرد على أفكارهم الشعبوية، العنصرية ستمنحهم قوة إضافية، وهو الأمر الذي اكتشف الاشتراكيين عدم صوابه بعد نتائج الانتخابات الأخيرة، إذ أن تجاهل الشعبويين، ومحاولة تهميشهم في دولة ديمقراطية كالسويد، ساهم في تغلغلهم، وانتشارهم في الضواحي، والأرياف، وبين الطبقات الوسطى، والفقيرة، دون قيام الاشتراكيين، بتقديم رواية بديلة، قادرة على إسقاط روايتهم حول العديد من القضايا، مثل المهاجرين، والخدمات الصحية، والأمن، والتعليم، مما جعلهم يكسبون قطاعات واسعة من المجتمع، نتيجة تلك السياسة . 

      ستجد الأحزاب السويدية نفسها اليوم مضطرة للتعاطي مع الحزب الديمقراطي السويدي، لا سيما في البلديات، التي حقق بها الحزب نتائج كبيرة، إذ حل أولا في 13   بلدية في مقاطعة " سكونيه "  وحلوا ثانيا في بعض البلديات مثل مدينة " بيوف " بحصولهم على 33% من نسبة الأصوات، مما يجعلهم لاعبا أساسيا، ومؤثرا في رسم السياسات المحلية على مستوى السويد، من غير الممكن تجاهله مستقبلا  . 

  المفارقة الغريبة، أنه  بعد سنوات من التجاهل، وجدت الأحزاب السياسة في السويد نفسها أمام استطلاعات رأي تشير إلى تقدم كبير لحزب ديمقراطيي السويد، وتراجع ملحوظ للأحزاب التقليدية،ـ التاريخية، مما جعلها تنتفض لمهاجمته  وبناء حملاتها الانتخابية على استعراض خطورته على مستقبل السويد، وقيمها الديمقراطية،  بدلا من تقديم برامجها الانتخابية، وبدائلها، وهو الأمر الذي انعكس لصالحه في صناديق الاقتراع . 

   يضاف إلى ذلك  طريقة تعاطي الحزب الاشتراكي الديمقراطي مع خصومه  السياسيين، واتهامهم بالشعبوية، في ظل استمرار تلك القوى بالتعاطي مع الائتلاف الحاكم،  بهدف تحييد الشعبويين في البرلمان،  إذ قاد ذلك إلى خلق قاعدة عريضة من المحتجين من أنصار تلك الأحزاب،  والتي تحولت للتصويت لصالح حزب ديمقراطيي السويد،احتجاجا على سياسات أحزابها الرخوة تجاه سياسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن كل من صوت للحزب الديمقراطي هو عنصري، وشعبوي، ومعاد للأجانب، وللإسلام، إذ تتداخل العديد من العناصر، والمؤثرات المعقدة في القرار الانتخابي للمواطن السويدي، من اقتصادية، وفكرية، واجتماعية، وخوف من الوضع الأمني، وغيرها من القضايا . 

 

السيناريوهات المتوقعة لتشكيل الحكومة القادمة وأولويات كل منها 

كما هو موضح أعلاه فإن نتائج الانتخابات السويدية، والتقارب شبه التام بين كتلتي الحمر والخضر، ويمين الوسط، أو يعرف بالائتلاف البرجوازي، يعتبر حالة نادرة، وربما هي الاولى من نوعها في التاريخ السويدي المعاصر، مما يجعل من عملية تشكيل الائتلاف الحكومي القادم، قضية معقدة، وشائكة، وخاضعة لسيناريوهات متعددة،  لا يمكن تفضيل فرص أحدها على الاخر، إذ ان الدراما السويدية قد بدأت مع نهاية الانتخابات، ومن الصعوبة توقع نهايتها،  إلا أن السيناريوهات التالية، تعتبر الأكثر احتمالية خلال الفترة القادمة : 

الأول : ائتلاف  برئاسة الحزب  الاشتراكي الديمقراطي، ويضم أحزاب الوسط، والليبراليين، والبيئة، وبدعم من الحزب اليساري، برئاسة رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي " . 

      هذا السيناريو بالتأكيد سيكون له ثمنا سياسيا، واجتماعيا، سيدفعه الحزب الاشتراكي الديمقراطي، من خلال تعديل سياساته، وبرامجه، بما يوائم سياسات حزبي الوسط، والليبراليين، في القضايا الاجتماعية، والسياسية،  بالإضافة أنه يواجه تمسك أحزاب التكتل البرجوازي الأربعة، بتحالفها، ودعوتها لاستقالة رئيس الحكومة الحالية " ستيفان لوفان "،  وانضمام الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي لائتلاف بقيادة رئيس حزب المحافظين " ألوف كريسترشون" بمشاركة أحزاب الوسط، والليبرالي، والمسيحي الديمقراطي، وهو الأمر الذي يرفضه لوفان، مؤكدا تمسكه برئاسة الحكومة القادمة، كون الحزب الاشتراكي  الديمقراطي قد حصل على أعلى الأصوات، وبالتالي فالأولوية له في قيادة الائتلاف القادم . 

   ما يجعل من هذا السيناريو منطقيا، على الرغم تعقيدات المشهد السياسي، بعد نتائج الانتخابات، وجود توافق معلن خلال الحملة الانتخابية بين الكتلتين المتنافستين على أن الكتلة الأكبر تشكل الحكومة بدعم من الكتلة الأخرى، وذلك بهدف الحد من نفوذ وتأثير الحزب الديمقراطي السويدي الشعبوي المتطرف، إلا أن تصريحات قادة الائتلاف البرجوازي بعد نتائج الانتخابات، ودعوتهم  "ستيفان لوفان"  للاستقالة من رئاسة الحكومة، والانضمام لائتلاف حكومي تحت قيادة حزب المحافظين، يجعل من الالتزام بهذا التوافق الضمني والأخلاقي يسقط أمام حقائق  الواقع والمصلحة. 

  كما أنه من الممكن أن يتم الاحتفاظ بالتشكيلة الحكومية الحالية، برئاسة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب البيئة، وبدعم من حزبي الوسط، واليسار، مقابل صفقة سياسية، يتم الاتفاق بموجبها على تحقيق جزء من مطالب وبرامج الحزبين، دون أن يشاركوا بشكل مباشر في الحكومة، وهو السيناريو الذي سيتم توضيحه لاحقا. 

  ضمن هذا السيناريو، ستكون أولويات الحكومة هي قضايا دولة الرفاه، والرعاية الصحية، ورفع  بدلات التقاعد لأصحاب الأجور المنخفضة، والاندماج،  ومكافحة الجريمة، وسياسات جندرية تقوم على المساواة بين الجنسين، ورفع الضرائب على الأثرياء، وتوفير موازنات مناسبة لمجالس المحافظات، لتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، فيما من المتوقع أن تظل قضية التضامن الدولي، وإصلاح الامم المتحدة، والتوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة النووية على أجندتها، وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن هذا السيناريو هو الأفضل للفلسطينيين، كونه سيضم استمرار ذات السياسة التي تم اتباعها خلال السنوات السابقة، مع احتمال أن تضغط بشكل أوسع نحو إصلاحات داخلية، في قضايا حرية الرأي، واستقلالية العمل النقابي، وتحريره من التدخل الحكومي، أما حول سياساتها تجاه اللاجئين، فمن المتوقع تبني سياسات أكثر تشددا،  وموافقة سياسات هجرة تتوافق مع مبادئ الاتحاد الأوروبي، وكذلك  في مجال السياسات الضريبية، إذ من الطبيعي أن يفرض حزبي الوسط، والليبرالي رؤاهم حول هذه القضية، فيما سيضطر الحزب الاشتراكي الديمقراطي للموافقة عليها من أجل تمرير حكومته . 

الثاني : ائتلاف بقيادة كتلة يمين الوسط، وبدعم  حزب ديمقراطيو  السويد الشعبوي 

      هذا السيناريو صعب التحقيق، كون كل من حزبي الوسط، والليبرالي، أعلنا خلال الحملة الانتخابية رفضهم المطلق للتعامل مع حزب ديمقراطيو السويد ، كما رفضت قيادة الحزبين دعوة رئيس الحزب لمشاورات بِشأن تشكيل الائتلاف الحكومي المزمع، مما يجعل من فرص تحقيقه صعبة للغاية، لكنها ليست مستحيلة، إذ أن السيناريو  يمكّن أحزاب  يمين الوسط الأربعة أن تعقد اتفاقية مع حزب ديمقراطيي السويد، بحيث يتم التصويت لصالح الائتلاف الحكومي وهو خارج الحكومة، إلا أن لذلك ثمنا سياسا كبيرا، لا سيما في موضوع الهجرة، الذي يصر الحزب الديمقراطي السويدي على تشديد اجراءاتها، ويعتبره مطلبا لا يمكن التنازل عنه في أي تحالف أو اتفاقية مرتقبة . 

 من الطبيعي أن تكون أولويات ائتلاف  بقيادة حزب المحافظين، قانون هجرة أكثر تشددا، تقوم على منح اللاجئين اقامات مؤقتة، واشتراط منحهم  اقامات دائمة بقدرة اللاجئين على الاندماج وتعلم اللغة السويدية، وكذلك من المتوقع أن يتم تبني سياسات اقتصادية ليبرالية، ونيوليبرالية، تقوم على  تخفيض الضرائب، والحد من تدخل الدولة في الاقتصاد، والصحة، ومحاربة الجريمة، ودعم البلديات، والتركيز على القضايا الأمنية،  بينما من المرجح أن يتراجع الدور الحكومي في المجال الدولي، مع التركيز على  العلاقة مع الاتحاد الاوروبي، وعلى رفض التوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة النووية،  كما أن مواقف الحكومة تجاه الشعب الفلسطيني ستتأثر سلبا،  لا سيما في مجالات الدعم المالي والسياسي، وقيادة الحراك الأوروبي نحو تعويض قطع المساعدات الأمريكية  عن  الأونروا، لا سيما في ظل ازدياد تأثير حزب ديمقراطيي السويد، الذي يتبنى مواقف مضادة لحق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير.   

- ائتلاف حكومي برئاسة طرف ثالث : 

 

    إذ صرحت الناطقة باسم حزب البيئة " ايزابيلا لوفين " أنها لا تستبعد اختيار رئيسة حزب الوسط، " انية  لوف "، لرئاسة الحكومة، في حال فشلت محاولات الحزبين الأكبر في قيادة الائتلاف الحكومي، إذ يشكل حزب الوسط قاسما بين المعسكرين، حيث يتبنى سياسات متسامحة ومنفتحة في قضايا اللاجئين، والبيئة، مما يجعل منه خيارا قابلا للتطبيق.  . 

  مثل هكذا حكومة ستكون مقيدة بمجموعة من الشروط، والاتفاقيات التي تضمن مصالح ورؤى مختلف الخصوم السياسيين، من أجل الحفاظ على توازنها، مما سيجعل كل طرف يحاول جرها إلى مربعه، مما سيجعل منها حكومة بلا هوية واضحة، وبلا رؤى حقيقية. 

- حكومة تقوم على مبدأ الاتفاقيات  

     بموجب هذا السيناريو، يتم تشكيل حكومة لا تمتلك الأحزاب المشاركة بها نصابا قانونيا، لكنها تعتمد في بقائها على اتفاقيات مع مجموعة الأحزاب التي تدعمها داخل البرلمان، دون أن تكون جزءا منها، ومثال ذلك الائتلاف الحكومي الحالي، المكون من حزبي البيئة، والاشتراكي الديمقراطي، والمسنودة من حزب اليسار، والأحزاب البرجوازية التي قررت دعم الائتلاف على الرغم من نقاط الخلاف الواسعة مع سياساته في العديد من القضايا، إلا أنها اختارت بقاءه بهدف الحد من نفوذ الحزب الديمقراطي السويدي الشعبوي المتطرف، في الحياة البرلمانية، والسياسية السويدية، وهو الأمر الذي وإن نجح برلمانيا، فإن قد فشل سياسيا من خلال ارتفاع عدد مقاعد الحزب ب 15 مقعدا عن الانتخابات الماضية عام 2014 .  

    بموجب هذا الاتفاق، يتم الاتفاق على الخطوط العامة لسياسة الحكومة، وأولوياتها، وبرامجها، وتفرض الأحزاب الداعمة للحكومة شروطها، بعد مفاوضات مع الائتلاف الحاكم، من أجل الوصول إلى صيغ تحقق مصالحها، وتحافظ على رصيدها الانتخابي، وهويتها الفكرية. 

  يبدو أن تكتل البرجوازيين مصرا على موقفه  بإسقاط حكومة لوفان، وضرورة تقديمه لاستقالته، ملوحين بإسقاطه في البرلمان، من خلال حجب الثقة عنه، فيما يصر هو على موقفه بأحقيته برئاسة الحكومة، نظرا لكونه الحزب الأكبر، مما يعقّد من المشهد أكثر، ويجعل من هذا السيناريو يطل برأسه وإن كان بشكل متردد  . 

  اولويات هذه الحكومة ستكون مزيجا بين مصالح، ومطالب المعسكرين، وستظل الحكومة في هذا السيناريو قائمة على مبدأ التوازنات، والتركيز على تحسين الخدمات الصحية، وإيجاد سياسات هجرة جديدة، أكثر تشددا من سياسات الحكومة الحالية، مع الأخذ بعين الاعتبار موقف كتلة الحمر والخضر في هذا الإطار،  فلسطينيا هكذا تحالف أقل ضررا من السيناريو السابق، كون حزب الوسط، بشكل عام، مناصرا لفلسطين، وله العديد من المشاريع مع مؤسسات فلسطينية في قضايا الجندر، والديمقراطية، وتمكين الشباب . 

 

- الدعوة لانتخابات مبكرة : 

    على الرغم من أن  العرف السياسي السويدي  في التاريخ  الحديث يكاد يخلو من تنظيم انتخابات مبكرة نتيجة فشل المشاورات الحزبية على تشكيل الحكومة، إلا أن سيناريو تنظيم انتخابات مبكرة، في ظل  الحالة النادرة، والاستثنائية  التي أنتجتها الانتخابات السويدية الحالية يبقى قائما، ولو كان من الجانب النظري، إذ أن الدستور السويدي يشير إلى أن الحد الأعلى لمحاولات تشكيل الحكومة هي أربعة، يكلف بموجبها رئيس البرلمان أحد رؤساء الأحزاب لتشكيل حكومته، ومن ثم تعرض على البرلمان، بحيث يتطلب تمريرها عدم تصويت أغلبية ضدها، وفي حال تصويت أغلبية برلمانية ضد الحكومة المقترحة لأربع  مرات، فإن رئيس البرلمان يدعو إلى انتخابات مبكرة، وهو الأمر الذي سيشكل مغامرة كبيرة،  لمختلف الأحزاب، كونه قد يقود إلى تقدم جديد للحزب الديمقراطي السويدي الشعبوي، وهي ذات الحالة التي قادت الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني قبل أشهر على الموافقة على المشاركة في الائتلاف الحكومي مع ميركل، بعد قراره بقيادة المعارضة، إلا أن نتائج الاستطلاعات التي أشارت إلى احتمالية تقدم حزب البديل في أية انتخابات مبكرة، أدى لاتخاذ هذا القرار، وهو ذات السيناريو المتوقع في الحالة السويدية، إذ سيقود الخوف من تقدم الشعبويين المتعصبين إلى  الموافقة على اتفاق حكومي، حتى لو كان دون قناعات كاملة، إلا أنه يبقى أقل الضررين . 

ختاما، لقد شكلت نتائج الانتخابات السويدية الأخيرة، دليلا جديدا على نمو القوى الشعبوية  المتطرفة في أوروبا، وأثبتت أن الدول جميعا، بما في ذلك التي تحظى بتراث ديمقراطي عريق، وتجربة عميقة في الحريات، إذ أن السويد هي الدولة الأولى في العالم، التي قدمت مفهوم حرية الصحافة، وهي أحد الدول القلائل التي تستجيب لرصد 0.7 من دخلها  القومي للأمم المتحدة، إلا أن كل ذلك لم يجعلها  في مأمن من تغلغل اليمين الشعبوي المتطرف، الذي يتقن استغلال الظروف، ويحسن استخدام الأدوات، إلا أن قراءة اكثر عمقا، لمالات الأمور، تثبت أن العنف، والحروب، والظلم، والعنصرية، والشعبوية،  والقراءات الخاطئة لجوهر الدين، لا تنعكس سلبا على المقهورين وحدهم، إذ أن الدماء المسفوحة في اليمن، وسوريا، والعراق، وليبيا، وكل بلاد وطن العرب الكبير، تنعكس جليا  على  العالم أجمع ، فكما أن سياسات الولايات المتحدة في العراق كانت سببا رئيسيا في تشكل داعش، وانتشارها، وتمددها سابقا، فإن سياسة التجاهل، وغض الطرف عن الاستبداد، والظلم، في الشرق الأوسط، هو أحد أسباب انتشار القوى الشعبوية في أوروبا، التي تجد بالإسلام عدو مفترض، قادر على حشد الفقراء، والمحتجين ضده، لتحقيق مكاسب سياسية. 

   ختاما فإن قوى اليمين المتطرف في إسرائيل، وغيرها من القوى الشعبوية في العالم أجمع، سواء كانت ملتحية أو حليقة، تلبس " دشداشة" أو ربطة عنق، تتحدث من على منصة في أفخم الفنادق، أم من الصحراء القاحلة، فإنها تغذي بعضها البعض، وتخدم مصالح بعضها البعض، بينما يدفع المواطن البسيط، ثمن الكراهية والتطرف. 

  فلسطينيا، علينا قراءة التحالفات التي تبنى كل يوم بدقة في السويد، لكي نحدد مدى تأثرنا بتلك النتائج، ومدى ارتدادها على الموقف السويدي الصديق خلال الأعوام الأربعة الماضية . 


للإطلاع على الدراسة كاملة اضغط هنا