شريط الأخبار

نقطة النشوة /هآرتس

11:00 - 07 تشرين أول / يناير 2009

بقلم: الوف بن

        (المضمون: يحسن الا يغري اسرائيل المباغتة الاولى التي اصابت بها العدو وان تخرج الان قبل ان تدفع الى تورط طويل - المصدر).

        ما الذي يجعل حروبا تبدأ بداية حسنة تنتهي الى نهاية سيئة؟ وما الذي يجعل عملية عسكرية لامعة وجريئة حرب استنزاف باهظة؟ وكيف تنتهي عملية تبدأ بتفوق بالقوة الى حوادث كتلك التي حدثت امس في مدرسة وكالة الغوث- وبخسارة ارواح؟

        الحرب قضية معقدة مع الكثير من عدم اليقين والمفاجآت، لكن توجد ظاهرة مكررة تسبب خسارة العمليات العسكرية. لنسمها "نقطة النشوة"، ويمكن تعريفها على هذا النحو: النجاح السريع في بدء المعركة يرفع معنويات القادة ويشجعهم على الاستمرار على القتال "حتى النصر"، اعتقادا بأن استعمال قوة اخرى سيفضي الى اخضاع العدو المضروب. في هذه المرحلة ترفض اقتراحات وقف اطلاق النار باحتقار. في هذه الاثناء يكون العدو قد اعاد تنظيم نفسه، ويغرق الانجاز الاول في الوحل، ويتملص النصر المضمون من بين الاصابع. وما يبدأ مثل نزهة لطيفة ينتهي الى استنزاف طويل بل الى خسارة لاذعة.

        افشلت نقطة النشوة كبار خبراء الاستراتيجية والقادة العسكريين في التاريخ العسكري. ففي 1940 بعد ان اخضع هتلر فرنسا بحرب خاطفة لم يقف لينجز تسوية مع بريطانيا، بل اغراه اعتقاد ان قصف لندن سيخضع البريطانيين. فشل وبعد سنة من ذلك اخطأ الخطأ نفسه بغزو روسيا. بدل ان يستغل الانجاز الاولي لـ "عملية برباروسا" ليبتز ستالين تسوية سياسية افضل، استمر على الضغط العسكري وكان ذلك قبره كما كانت حال نابليون تماما قبلها.

        في السنة نفسها اخطأت اليابان الخطأ نفسه، بعد ان هاجمت بنجاح بيرل هاربر وسيطرت بعدد من العمليات الخاطفة على جنوب شرقي اسيا. نشوة قادتها قادتهم الى الاعتقاد بانهم سينجحون في السيطرة على هذه الامبراطورية بدل ان يبحثوا عن نقطة مخرج. وكانت النتيجة خراب اليابان واحتلالها.

        لكن المنتصرين ايضا لم يتعلموا شيئا. فقد اخطأ الجنرال ماك ارثر، الذي هزم اليابانيين في 1945، مثلهم بعد مرور خمس سنين في حرب كوريا. نجح بانزال بحري جريء من البحر في تحرير كوريا الجنوبية من احتلال الشمال. وآنئذ بدل ان يقف استمر يطارد الشماليين الى الحدود الصينية. اسقطته النشوة فقد تدخلت الصين، وصد الامريكيون، وعزل ماك ارثر وانتهت الحرب الى تعادل استمر الى اليوم.

        دفعت اسرائيل الى نقطة النشوة بعد النصر الخاطف في حرب الايام الستة، واعتقدت انها اذا استعملت قوة اخرى فستستطيع البقاء في سيناء الى الابد. اقترح المصريون المضروبون، الذين اخربت مدنهم في حرب الاستنزاف السلام الذي رفضته غولدا مئير باحتقار. وكانت النتيجة حرب يوم الغفران التي دفعت اسرائيل الى صدمة وطنية وبعدها الى انسحاب من سيناء بعد الاف القتلى بلا حاجة.

        كان جورج بوش الاب زعيما فريدا في نوعه، وقف التقدم في حرب الخليج في 1991 بعد تحرير الكويت السريع، ولم يغره ان يطارد العراقيين الى بغداد. واخفق ابنه في نقطة النشوة بعد ان اسقط صداما سريعا في 2003 واخطأ برؤى باطلة لجعل العراق ديمقراطية غربية. وكانت النتيجة استنزافا ضعضع مكانة امريكا كقوة كبرى مسيطرة على العالم.

        ايهود اولمرت قائد عسكري اصغر شأنا من نابليون، ومن الادميرال يماموتو او الجنرال ماك ارثر، لكنه يسقط مثلهم في نقطة النشوة. في الحربين اللتين قادهما في لبنان وفي غزة الان، يصعب على اولمرت ان يقف. فبدل ان يقف بعد العملية الجوية، التي فاجأت العدو واصابته بمكان مؤلم، اعتقد في 2006 ويعتقد الان ان النصر قريب ويصر على الاستمرار والضغط، بعرضه شروطا مفرطة لوقف اطلاق النار. في الحالتين، بإزاء حزب الله وحماس كانت النتيجة متشابهة: اضعاف الانجاز الاولي، وخسائر وضعضعة التأييد الدولي والتكتل الداخلي. قد يكون اولمرت قرأ تقرير فينوغراد وعمل به حرفيا لكنه كرر خطأه الأساسي.

        ما يزال الوقت غير متأخر للاصلاح: ففي 2006 جرت اسرائيل الى خمسة اسابيع من الاستنزاف انتهت الى صدمة وطنية. ويحسن بها في 2009 ان تقف وان تخرج من غزة قبل ان يحل محل النشوة البراقة خُمار مؤلم.

انشر عبر