ادخل كلمات البحث ...

^200 مثال: حكومة التوافق الفلسطيني

الأكثر رواجا Trending

مشاركة

"كنا نُلقيّ الحجر من بيتنا ليسقط في البحر" هكذا بدأ الحاج صالح عبد الرازق "78 عاما" حديثه عن قرية (الحرم- سيدنا علي) الواقعة إلى الشمال من مدينة يافا، والتي تركها طفلا لا يتجاوز عمره الثمانية أعوام ولا يزال يذكرها أكثر من بيته في مخيم طولكرم هذه الأيام.

الحاج عبد الرازق قال لمراسلنا: "أذكر كل شيء في القرية، كنا نتسلل إلى البحر ونراقب الصيادين والبواخر التي كانت تمر من كل العالم إلى يافا، والزوار كانوا يقصدون قريتنا باستمرار للصلاة والذبح عند مسجد سيدنا علي".

بهذه الجملة لخص عبد الرازق تاريخ قريته التي ارتبطت بوجود مقام لولي من سوريا إلى القرية أسمه "علي بن عليل" ويمتد نسبه إلى الخليفة الإسلامي عمر بن الخطاب، هو كل ما تبقى من القرية الآن إلى جانب آثار المنازل المهدمة ومنازل قليلة يسكنها يهود من بينها منزل عبد الرازق، وآثار المقبرة التي تشرف على البحر مباشرة.

وقدِم "علي بن عليل" إلى فلسطين وأقام في قرية قريبة "ارسوف" وتوفي ودفن في أطرافها، وبجانب قبره نشأت القرية وسميت بالحرم نسبة له، وكان هذا الولي معروف بكراماته فبنى الأهالي على القبر مقام ومسجد.

وبعد النكبة تُرك المسجد والمقام مهجوران، حتى العام 1967 واحتلال ما تبقى من فلسطين، حيث عاد أهالي القرية بزيارته من جديد.

وما بين الأعوام 1988 وحتى 1996 قامت جمعية أبناء القرية المهجرة في فلسطين والشتات بترميمه وإعادة البناء الخارجي له، وهو الأن مفتوح للصلاة طيلة أيام الأسبوع، وتمرّ به حافلات الرحلات الجماعية للاستراحة والصلاة فيه.

وعن أهل القرية وحياتهم قبل النكبة يقول الحاج "عبد الرازق": "إن الحياة في القرية بسيطة فسكانها يعتمدون على الصيد والتجارة، وكانوا يستقلون الجمال خلال تجارتهم"، مستذكراً والده الذي كان يسافر من يافا إلى بلاد الشام عبر الجمال التي تحمل البرتقال لبيعها.

وبحسب التوثيق فإن عدد سكان القرية في حينه لم يكن يتجاوز 403 فلسطينيا، معظمهم من حمولة "أبو سرية" التي يتفرع منها عدد من العائلات مثل (القرم والمختار وأبو سرية وعبد الرازق والبطح وأبو قنديل) إلى جانب عائلة من مدينة قلقيلية "آل زهران" سكنت القرية قبل النكبة ب 40 عاما.

ورغم عدد السكان البسيط في القرية إلا أنها كانت تملك أراضي شاسعة، تمتد إلى الطيرة وطولكرم زرعت بالقمح والحبوب وقسم كبير كانت بيارات حمضيات ومزارع موز.

وعن الخروج من القرية يقول الحاج عبد الرازق:" وصلت أنباء للقرية إن العصابات الصهيونية قتلت 15 شابا من عائلة "القنيشة والشوبكي" من القرية القريبة على الشارع العام، فخاف أهالي القرية وقرروا الخروج".

خرجت والدة عبد الرازق وأخوته مع أخوالهم بعد رفض والده مغادرة البيت والقرية، وضعوا الصغار على "عربة حمار" التي كان يستخدمها شقيقه في عمله ببيع الخضار والفواكه.

خرجت عائلة الحاج " عبد الرازق"، مشيا على الأقدام دون أن يحملوا شيئا من متاعهم، حتى وصلوا إلى مدينة الطيبة.

لم يستمر بقاء والده في القرية طويلاً، حيث أضطر للخروج بعد مغادرة رفيقه من "عائلة العبوشي" والذي خاف على نجله من القتل بعد ملاحقة من قبل العصابات "الإسرائيلية" بالقتل.

اجتمع شمل العائلة في الطيبة ومن هناك غادروا إلى مدينة طولكرم وسكنوا منطقة يقال لها المنشية "تعني المقبرة المهجورة" وكانت مزروعة بأشجار السرو والصنوبر، في خيمة صنعت من "الخيش" كما معظم اللاجئين الذين وصلوا هناك.

يستذكر الحاج " عبد الرازق بصوت خافت حديث الكبار في حينه: "نخرج أسبوع وبنرجع" قائلاً: "الآن صار 70 عاما ولم نرجع".

لم ينقطع الحاج عبد الرازق عن قريته خاصة بعد 1967، فكان يزور المسجد دائما، وحينما رزق بأبنه البكر في بداية السبعينات، طلبت منه والدته أن يزور الحرم ويذبح عقيقته هناك، تبركا بكراماته وكما جرت العادة في "الحرم" قبل النكبة.

ويذكر الحاج " عبد الرازق" زيارته لبيته بناء على طلب والدته، وهو من البيوت القليلة التي بقيت قائمة، قال: "إن عائلة من اليهود المغاربة كانت تسكنه، وإن والدته فور دخولها البيت قامت بالصراخ على السيدة التي فتحت لهم الباب لأنهم لم يصلحوا أرضية البيت والتي كانت من الباطون الأحمر، قالت لها" تسكنون في المنزل ببلاش ولم تصلحوا فيه شيئا".

وبيت عبد الرازق يقع على مداخل القرية بعد منزلي عائلة " أبو حبيش" و "أبو حسن"، ويمتد على أرض مساحتها أربعة دونمات، بني البيت في الوسط وخصص حوله أماكن للجمال والدواب التي كان يملكها والده.

وبعد 70 عاما ومن غرفة منزله في مخيم "طولكرم" لا يزال يحلم الحاج " عبد الرازق" بالعودة إلى بيته وبلدته التي لم ينفصل روحيا عنها، قائلاً: "الأمل موجود ولن ينطفئ يوما، عشت سبعين عاما في المخيم وعندما يسألني أحد عن بلدي أقول أنا "من حرم سيدنا علي".