المحرقة النازية: الاستغلال والثمن..بقلم: عبد الرحمن شهاب

الساعة 11:47 ص|23 ابريل 2018

فلسطين اليوم

بقلم: عبد الرحمن شهاب

ترجمة : مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية

منذ أن بدأت فكرة إقامة دولة إسرائيل، دأبت الحركة الصهيونية على استغلال الكارثة التي حلت بالشعب اليهودي علي يد الألمان، وجرى تهويل الكارثة ومأسستها وكأنها أكبر كارثة حلت بالإنسانية منذ بدء الخليقة، وقد استغل هذا الحدث على مستوييْن:

المستوى الأول: وهو يعمل على تحقيق أمريْن؛ الأول: أن يقوم العالم الغربي تكفيرًا عن خطيئته بدعم الشعب اليهودي لإقامة دولة على أرض فلسطين وتهجير أهلها القاطنين فيها. الثاني: أن يدفع العالم ثمن هذه المحرقة، ليس لمرة واحدة، بل ثمنًا مستمرًا يتمثل بضمان بقاء دولة إسرائيل موجودة وقوية دون النظر للجريمة الأخلاقية التي تسبب قيامها بأن تحل بالشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، وزرع اللا استقرار في المنطقة على وجه العموم.

المستوى الثاني: لقد تمأسست المحرقة في مؤسسات أساسية في أجهزة الدولة، فتم إقامة المتاحف في إسرائيل، بحيث لا يمكن لأي زائر إلا أن يزور ذلك المتحف "يد فاشيم"، وكذلك في المدن الأوروبية التي وقعت على أرضها تلك الكارثة، ثم أدخلت المحرقة إلى مناهج التعليم، وخصصت المواسم والمراسيم التي ربطت بين ذكرى الكارثة وبين يوم استقلال دولة إسرائيل الذي يسبقه يوم "الجنود الضحايا"، وفيه تعدد أسماء الجنود الذي سقطوا في معارك الدولة، والوقوف منكسي الرؤوس أمامهم.

لقد استخدمت الحركة الصهيونية الكارثة كي تبني الفرد اليهودي الجديد، فاستخدمت المحرقة للتعبئة المجتمعية والتعبئة العقيدية للجيش وأجهزة الأمن، وقد صبت مفاهيم داخل العقل اليهودي تجعل من مواطني الدولة حماة الشعب اليهودي مستقبلًا والأمناء على عدم تكرار هذا الحدث في أية بقعة من العالم، كما كانت هذه المفاهيم تتضمن تحريضًا واضحًا ضد أي جهة تناهض الدولة أو حتى على الأقل انتقادها، على أساس ان كل من يعادي الدولة هو صانع كارثة محتمل في المستقبل. وأكثر من ذلك، فقد اعتمدت ماكنة المحرقة على ان حلفاء الدولة هم حلفاء الحاضر وغير مضموني المستقبل، وعلى الأقل أنهم ربما لن يمنعوا تكرار المحرقة، وأن على الشعب اليهودي أن يدرك بأنه عندئذ سيكون وحده أمام هذا المصير؛ ولذلك عليه ان يستعد لذلك اليوم.

هذا الإعداد لنبوءات مستقبلية عن احتمال تعرض اليهود إلى محرقة ثانية - ولو بعد زمن بعيد - تغذى بنبوءات دينية تتوقع ملاحم مستقبلية (يأجوج ومأجوج) بينهم وبين أقوام آخرين في المنطقة؛ الأمر الذي خلق تصورًا مرعبًا عن المستقبل اليهودي في عقل الإسرائيليين.

هذه الجرعة الزائدة من التعبئة وتحميل مسؤولية حماية الشعب اليهودي على أكتاف قلة من يهود العالم المتواجدين على أرض فلسطين، وقلة من هؤلاء هم الجيش، وقلة من الجيش هم النخبة؛ جعل تكرار المحرقة كابوسًا يقض مضاجعهم على مدار الساعة ومحركًا يتحكم في سلوكهم، وغمامة تربط بين تكرارها وبين كل تهديد.

لكن الطريق الوحيدة التي تنتهجها إسرائيل لمنع الكارثة هي أولًا إقامة دولة على أرض شعب آخر، وفي منطقة تعج - منذ بدء الخلق إلى الآن - بالصراعات، فالصراع الديني على هذه الأرض لم يتوقف؛ ولذلك فاليهودية لم تستبعد وسيلة الحرب كعامل لاستقرارهم وتعزيز نفوذ الدين على الأرض والغلبة على أصحاب الأديان الأخرى.

من هنا، فإن إسرائيل لم تستطع حتى الآن ان تقنع الشعب اليهودي بأنها ستمنع الكارثة دون استمرار إحلال الكارثة بالشعوب الأخرى، ولم تكن دولة تتعظ من التاريخ وتصنع واقعًا مسالمًا يستبعد فكرة الحروب، فالنظرية الأمنية الإسرائيلية إنما هي قائمة على أساس ان الذي سيمنع الكارثة هو القوة، وأن ما لا يأتي بالقوة لا يأتي إلا بقوة أشد منها، وأن التهديدات المحيطة بالدولة هي الأساس في السلوك، وليس هناك دراسة لتتبع الفرص إلا الفرص التي تضر بالآخرين؛ ولذلك فإن إسرائيل بقيت في نظر شعوب العالم الدولة المسببة للكوارث، حتى في نظر هؤلاء الذين يتحالفون معها استرضاءً لقوى عظمى.

إسرائيل ما زالت تنفخ بالكارثة في قلوب جنودها بأنهم الأمناء على الشعب اليهودي، فيرسلون الجنود قبل التجنيد إلى متاحف المحرقة وإلى أرض المحرقة للاطلاع على المشهد، وتصوره وتذكره في اليوم الذي تم اعتماده يومًا وطنيًا هو ذكرى الكارثة والبطولة. إن هذا النفخ وهذا التحريض جعل الدولة تعيش الكارثة عند كل مواجهة، وتتعامل على ان كل تهديد هو تهديد محتمل لأن يتطور إلى الكارثة، ويحكم سلوك القادة في الكيان.

قيام لبنان بتركيب مضخة مياه في نهر الوزاني لري أحد الأحياء اعتبرته إسرائيل تهديدًا وجوديًا، وقيام مجموعة شبان بالتظاهر على حدود قطاع غزة وتخريب السلك الفاصل اعتبره وزير الجيش أفيغدور ليبرمان تهديدًا للسيادة ومسًا بحدود الدولة، وتهديدًا وجوديًا لها.

على الرغم من استفادتهم من الكارثة واستغلالهم لها، إلا أنها تبقى غيمة تظلل كل قائد إسرائيلي، وأن تكرار الكارثة هو كابوس يراه كل إسرائيلي في نومه كلما تذكر انه واقف على جبل الظلم وأنه متسبب بوجوده على هذه الأرض بكارثة لشعب آخر، وأن العدالة لا يمكن إلا أن تأخذ مجراها يومًا ما، فقد تعرضوا للكارثة ولكنهم خرجوا منها بإقامة دولة، وأن ضحاياهم لابدّ إلا ان تكون يد السماء عادلة معهم يومًا ما، وقد بدى ذلك في عدة مواقف لقيادات إسرائيلية.

لقد شعرت بذلك رئيسة الوزراء جولدا مائير عام 1973 عندما كشفت الحرب ضعفهم أمام الجنود المصريين والسوريين، ولقد كان رئيس الوزراء ايهود أولمرت يعيش نفس الموقف عام 2007 عندما قرر قصف مفاعل دير الزور، فقد كشفت الوثائق الأخيرة عن عملية التدمير وكيف كان الأرق يتملكهم خلال عملية اتخاذ القرار، رغم أنهم كانوا - على ما يبدو من وجهة نظرهم - يدمرون نواة المحرقة النووية التي قد تحرقهم.

ولقد بدى ذلك في الأزمة السورية الأخيرة لنتنياهو وليبرمان قبل حوالي أسبوع، عندما اكتشفا أن ترامب يجر أقدامه عن ضرب سوربا متراجعًا أمام التهديد الروسي، فقد وجدا أن أفضل حليف مر علهم منذ إقامة الدولة لا يمكن ان يكون حصانًا يُراهن عليه، وأن الأمريكان لا يمكن ان يحاربوا في معركة طويلة ولو تغلفت بغلاف إنقاذ شعب إسرائيل من التهديد الإيراني، فمهما استغلت المحرقة للتعبئة إلا أنه ما زال لها أثر قوي على قرارات قيادات الكيان، إن كان لصالحهم أو العكس.

 

 

كلمات دلالية