شريط الأخبار

لم يعد طيارونا بسلام.. هآرتس

01:03 - 31 حزيران / ديسمبر 2008

بقلم: جدعون ليفي

افاضل ابنائنا، الذين وجهوا الى الطيران يهاجمون غزة الان. شبان اخيار من بيوت خيرة ينفذون افعالا سيئة. اكثرهم اذكياء مثيرون واثقون بأنفسهم بل انهم احيانا ذوو قيم في نظر انفسهم، خرج عشرات منهم في السبت الاسود لقصف اهداف من "بنك الاهداف" في غزة.

لقد خرجوا لقصف حفل تخريج لرجال شرطة شباب وجدوا مصدر رزق نادر في غزة وذبحوا عشرات منهم؛ وقصفوا مسجدا وقتلوا بذلك خمس بنات شقيقات، من عائلة بعلوش، الصغيرة في الرابعة؛ وقصفوا محطة شرطة واصابوا طبيبة جارة تنام الان مثل نبتة في مشفى الشفاء المزدحم بالجرحى والجثث؛ وقصفوا جامعة يسمونها عندنا "رفائيل الفلسطينية"، ودمروا مساكن الطالبات الجامعيات؛ والقوا مئات القنابل من سماء زرقاء صافية ونقية من المقاومة.

قتلوا في اربعة ايام 375 شخصا. لم يميزوا ولم يستطيعوا التمييز بين شخص من حماس وطفلة، وبين شرطي مرور ومطلق صاروخ قسام، وبين خزان ذخيرة وعيادة، وبين الطابق الاول والثاني في مبنى سكني مأهول بازدحام بعشرات الاولاد. على حسب التقارير كان نحو من نصف القتلى مواطنين ابرياء. لا ينبغي ان نحتج على دقة الطيارين، فلم يكن يمكن ان يكون الامر مختلفا والسلاح طائرة والهدف قطعة ارض مأهولة بكثافة. طيارونا الممتازون هم الان ابطال على ضعفاء: بغير اي سلاح جو بإزائهم وبغير نظام دفاع ما في مواجهتهم، يقصفون ويقصفون بلا عائق كما في طلعات تدريبية .

يصعب ان نعلم ما الذي يخطر في بالهم وما الذي يحدث في قلوبهم. لست إخال هذا ذا صلة. انهم يقاسون باعمالهم. إن الصورة من فوق ارتفاع الاف الاقدام تبدو نقية مثل امتحان حبر رورشاخ: تسديد الى الهدف، وضغط الزر ثم غيمة دخان سوداء مرتفعة. "اصابة جيدة اخرى للهدف". لا يرى احد منهم نتائج افعاله لا قبل ولا بعد، في مستوى عينيه بل في الطائرة من الاعلى فقط. ومن المحقق ايضا انهم مغمورون بقصص الرعب عن غزة – فهم لم يكونوا فيها قط- وكأنه لا يعيش فيها مليون ونصف من البشر يريد اكثرهم العيش بأدنى قدر من الكرامة فقط. غزة التي يوجد فيها شبان مثلهم، مع احلام انسانية كاحلامهم بالدراسة والعمل وانشاء عائلة، لكن يعوزهم اي احتمال لتحقيقها مع القصف او بغيره.

هل يفكرون فيهم، في ابناء اللاجئين الذين طرد اباؤهم واباء ابائهم مرة من حياتهم؟ هل يفكرون في الاف الجرحى الذين يتركونهم معوقين طول حياتهم في منطقة ليس فيها مشفى واحد يستحق هذا الاسم، ولا يوجد حتى مركز تأهيل واحد؟ هل يفكرون في الكراهية المتقيدة التي يثيرونها لا في غزة فقط بل في انحاء اخرى من العالم ازاء الصور الفظيعة؟.

لم يقرر الطيارون هذه الحرب لكنهم مقاولو تنفيذها. يجب ان يكون الحساب الحقيقي لمتخذي القرارات لكنهم هم شركاء ايضا. عندما يعودون الى البيت سيحظون بالتكريم والاجلال، كالعادة عندنا مع افاضل الطيران. يبدو ان لا احد سيحاول ان يثير عندهم حيرات اخلاقية، بل العكس هم الابطال الحقيقيون لهذه الحرب اللعينة. يبالغ متحدث الجيش الاسرائيلي كل مساء في مدحهم على "العمل الرائع" الذي يعملونه، ويتجاهل بطبيعة الامر ايضا الصور من غزة. فهم ليسوا من ساديي حرس الحدود الذين ينكلون بالعرب في ازقة نابلس وفي قصبة الخليل، او مستعربين قساة يقتلون من مدى الصفر بدم بارد. فهم كما اسلفنا افاضل ابنائنا.

ربما لو كانوا قابلوا ولو لمرة واحدة نتائج "عملهم الرائع"، لكانوا اصيبوا بالوسواس ، وربما فكروا ثانية في افعالهم. لو ذهبوا مرة الى مشفى ايلين في القدس، حيث تعالج منذ نحو من ثلاث سنين البنت ماريا امان، وهي شلاء اعضائها كلها وتدفع كرسيها المتحرك وحياتها بذقنها فقط، لتضعضع كيانهم. اصيبت ماريا الساحرة بصاروخ في غزة قتل كل ابناء عائلتها تقريبا، وهذا فعل ايديهم.

لكن كل هذا خفي مخفي عن عيون الطيارين. فهم يعملون عملهم فقط كما يقولون، وينفذون الاوامر مثل الة قنابل فقط. في الايام الاخيرة يأتون بالعجب وتبدو النتائج لنظر العالم كله: فغزة تلعق جراحها مثل لبنان قبلها بالضبط، ولا يكاد احد يقف لحظة ليسأل هل هذا ضروري حقا؟ اهو غير ممتنع؟ ايسهم في امن اسرائيل وصورتها الاخلاقية؟ هل يعود طيارونا حقا بسلام الى قواعدهم او يعودون اليها أناسا متبلدي الاحساس وعميان وقساة؟

انشر عبر