بقلم: اودي سيغال
أعترف اني متوتر. حقا. فالاحساس بانه في كل لحظة قد تنشأ معركة عسكرية كبرى في الشمال يخلق اضطرابا اساسيا. أكثر من هذا، اجدني ملزما بالاعتراف: عندي أحاسيس مختلطة، غريبة، لم تكن لي في الماضي. فأنا أقرا تهديدات الرئيس الامريكي دونالد ترامب، فاشهد مسيرة جسدية غريبة: من جهة ينفغر الفاه، تمتد اليد الى الجبين واكرر المرة تلو الاخرى فأهمس لنفسي: "لا يحتمل أن يكون قال هذا". من جهة اخرى اشعر باحساس غريب من الفرح، بل وربما ابتهاج بالحديث الفظ، فليس أديبا ولا لطيفا ولكن فيه شيء ما حقيقي ومنعش. مثلما حين يشاهد المرء أزعرا يضرب أزعرا آخر. خليط من الصدمة والاشمئزاز يترافقان واحساس بالانتقام والفرح.
الحقيقة هي ان الرئيس السوري بشار الاسد هو حقا حيوان، نذل، مجرم حرب. والاسناد الذي يتلقاه من لاعبي "الاخلاق" روحاني، بوتين واردوغان مقلق ومنثر على حد سواء. حلف المزدوجين الاخلاقيين والقتلة الذين لا يخجلون من المزايدة الاخلاقية. تصوروا رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو يتجرأ فيقول لبوتين ما يريده حقا ان يقوله له: "يا فلاديمير، انت تخجل التراث الروسي ودولتك، التي كانت لاعبا مركزيا في صد قوة العنصرية والشر المطلق قبل 75 سنة. أنتم، الذين الى جانب الولايات المتحدة انقذتم العالم من النازيين ومن هتلر. اصبحتم الان جزء من الاشرار مع ايران، التي هي قوة اجرامية. الاسد، مجرم حرب؛ واردوغان، الدكتاتور المتخفي. أهذا ما اصبحت عليه روسيا؟".
كان يمكن لنتنياهو أن يضيف بضعة امثلة اخرى، كأحد الزعماء ذوي الوعي التاريخي الاكثر تطورا في العالم. ولكن نتنياهو لن يقول هذا، لانه ليس مقبولا، ليس اديبا وليس حكيما أيضا. هذا هو الجميل لدى الرئيس الامريكي دونالد ترامب. فهو لا يزال يمكنه أن يكون شيئا كهذا. احيانا يكون مجنونا حقا، واحيانا يمنح الرضى. والان سنرى ما سيفعل، هذا هو السؤال الكبير.
ترامب ملزم بالرد. فقد سبق أن قال، سبق ان غرد، سبق ان حدد خطا أحمر، سبق أن هدد. واذا لم ينفذ، فسيكون بالضبط مثل سلفه في المنصب باراك اوباما. أداة فارغة، زعيم يبث ضعفا ووهنا بلا فكرة مرتبة للشرق الاوسط. الحقيقة هي أن ترامب هو في كثير من المعاني مثل اوباما: ليس له خطة، ليس له استراتيجية، وبقوة فانه يواصل الخطوة الامريكية التي هدفها فك الارتباط والعودة الى الديار من الشرق الاوسط. اوباما وترامب يريدان العودة الى الديار بسلام ودحرجة المشكلة الى الاخرين. وفي حالة الاخرين، فهؤلاء هم نحن ايضا. وعليه، فيمكن ان نسمع وزراء في الكابنت الاسرائيلي يصلون الا يتراجع ترامب وأن يرد.
رئيس الولايات المتحدة يمكنه ان يريد موضعيا. يمكنه ايضا ان يرفع المستوى ويتوجه نحو خطوة شاملة حيال بوتين ايضا بحيث يسرع التصعيد والتسخين الذي يؤثر علينا ابضا. فضلا عن مواضيع الاستراتيجية والامن، هناك موضوع الاخلاق. فماذا يختلف القتل بواسطة غاز كيماوي عن القتل بوسائل تقليدية؟ لا يختلف، ولكن هل العالم يمكنه أن يمر مرور الكرام عن خطوات الاسد، هذا سؤال يشد حدود الاخلاق والمنطق.
ماذا تغير
مرة اخرى السؤال كيف يسمح لنفسه زعيم ان يعمل بمثل هذه الشكل بعد أن نكون على ما يبدو قد تعلمنا دروس الكارثة وصدمة ابادة الشعب اليهودي. ليس لهذا السؤال جواب، توجد فقط علامات استفهام اخرى. احداها ثارت عندي بعد أن شاهدت الفيلم الممتاز "يوم الاحد الاخير في آب" باخراج ايلي غرشيزون. منتج الفيلم هو تسفي برتسر، يهودي اسرائيلي من منتاي في ليتا. يجلب الفيلم قصة ابادة اغلبية يهودية في ليتا، قتل معظمهم الجمهور الليتاوي، بجملة من اللاسامية، والقومية المتطرفة. فور الاحتلال الالماني بادر الليتاويون الى خطوات مستقلة أدت الى إبادة نحو 90 في المئة من يهودا ليتا في بضعة اشهر، النسبة الاعلى في اوروبا.
نقل اليهود الى الكنيس وبعدها الى حفر القتل، حيث قتلوا باطلاق النار عليهم. واحدة من ابطال الفيلم الوثائقي الذي بث في يوم الكارثة في مهرجان تورينتو، قالت ان النجاعة المحلية لليتاويين أعطت النازيين الفكرة عن "الحل النهائي". وتصف الشهادات في الفيلم اعمال السلب والنهب وتوزيع الغنائم على الجيران، الذين لم يحركوا ساكنا لانقاذ اليهود، ومنها يتبين أن يهودا قتلوا حتى لقاء زوج من الاحذية.
يثير الفيلم نقاشا داخلية في ليتا. لانه يكشف توثيقا دقيقا لاعمال الذبح ويعرضوا من كانوا يعتبرون ابطالا، شاركوا في تحرير ليتا من ربقة الروسي والسوفياتي، كمجرمي حرب متعطشين للدماء. تذكر الفوضى التي يصفها الفيلم فيما يحصل في جزء من كل المنطقة، ولا سيما في سوريا، حيث تعمل عصابات القتل التابعة للاسد. وهذا يحصل بجوارنا. قبل اسبوعين سألنا: "ماذا تغير هذه الليلة؟". هذا السؤال علينا ان نسأله اليوم ايضا ونفحص اين نحن نوجد في المعادلة. الاجوبة ليست لطيفة دوما.
ان مشاعر الثأر والعدل حيال افعال الاسد تطرح السؤال الواضح من تلقاء نفسه: هل رد اسرائيلي سيرد اسرائيل الى حرب؟ صحافي الـ "نيويورك تايمز" توماس فريدمان، قال هذا الاسبوع: "الحل للوضع الحالي في سوريا، الذي في اطاره توجد صدامات بين فصائل عديدة في الميدان، هو وضع اتفاق كاتفاق "الطائف" الذي وضع حدا للحرب الاهلية اللبنانية. هذا الاتفاق، الذي وقع في العام 1989 تضمن توزيع المقاعد في البرلمان اللبناني على نحو متساو بين المسيحيين والمسلمين. اتفاق من هذا النوع أنتج قيادة متساوية ووصلت الاطراف الى التسليم".
يؤمن فريدمان بان نموذج سينجح في سوريا اليوم ايضا، وهو لا يرى حلا آخر للوضع. هذه نظرة مثيرة للاهتمام، بتقديري لا يمكن أن تتم قبل هزيمة احد الطرفين وهي تعزز فقط الاحساس بان الحرب قريبة. وكرر فريدمان في المحاضرة قاعدة انه "في الشرق الاوسط لا تصدق ما يقوله لك الزعماء في الغرف الخاصة – صدق ما يقولونه بلغتهم لشعبهم. وهذا يختلف عن الولايات المتحدة التي يكذب فيها الزعماء على الجمهور، ولكنهم يقولون الحقيقة في الغرف المغلقة".
الاهم هو الاستماع الى الرسائل العلنية. وفي هذه الاثناء هذه تبشر بالمواجهة. صحيح أنها ليست مؤكدة وليست يقينا، ولكن لعله من الافضل المواجهة الان من تأجيل الصدام الى ظروف تكون جيدة اقل لاسرائيل.