جدوى الإجراء الرئاسي في اسقاط حكومة غزة

الساعة 10:30 م|12 ابريل 2018

كتب: د. محمد أبو يوسف المختص بالشئون الاقتصادية والمالية

الة من الصدمة تضرب ما يربو عن تسعين ألف أسرة فلسطينية من عوائل موظفي حكومة رام الله المقيمين في غزة، بالإضافة للعديد من الشرائح الأخرى التي بدأت تتحسس حالة الفصل الفعلي في عملية تمويل فاتورة الرواتب بين كل من الضفة وغزة، حيث أن عملية البدء بصرف رواتب الموظفين في الضفة قبل غزة من الحالات نادرة الحدوث في الأوضاع الطبيعية.

تأتي عملية الفصل هذه المرة في أجواء مشحونة سياسيا وعقيمة ماليا، فالسلطة الفلسطينية غارقة في الديون حتى أخمص قدميها وقد أشارت تقاريرها المالية بوقوعها تحت طائلة ديون البنك الدولي والبنوك المحلية ومتأخرات مالية للمؤسسات الوطنية وللقطاع الخاص تفوق في مجملها العشرين مليار شيكل وبحسبة بسيطة يصبح نصيب المواطن الفرد ما يزيد عن أربعة آلاف شيكل، في ظل موازنة مهلهلة بفعل تجميد التمويل الأجنبي. لذلك يصبح الجو السياسي خادما ودافعا رئيسا لمزيد من التضييق على غزة وبلغة أكثر بساطة بدأ الحديث عن غزة كمنقذ والتحول بها من مركز تكلفة إلى مركز إيراد في الموازنة العامة لحكومة التوافق.

السلطة الفلسطينية شرعت بالفعل بتقليص نفقات الموازنة التشغيلية المرتبطة بغزة في حين تسعى للاستحواذ على أهم بنود إيراداتها المتمثلة في المقاصة الضريبية الواردة من الموانئ والمعابر الإسرائيلية والتعليات الضريبية والجمركية التي يدرها المعبر التجاري الوحيد في قطاع غزة وهذا ما يمكن تلمسه أيضا من خلال اعلان نية السلطة التوسع في الاستثمار في حقل الغاز الموجود في ساحل غزة.

إن مبرر تنفيذ العقوبات المعلن هو اسقاط حكومة غزة أو إخضاعها لحضن السلطة باستخدام الأدوات المالية، غير أن هذا الأمر من الناحية العملية من الصعب التكهن بجدواه، إذ أن حكومة غزة لن تكون المتأثر الرئيس والمباشر من هذا الاجراء، رغم ما سيطالها من آثار غير مباشرة، تتمثل في القدرة على تسيير أعمال الحكومة باحتواء الموظفين المستهدفين بانقطاع الرواتب أو الإحالة للتقاعد وتمويل فاتورة رواتبهم.

يتمثل هؤلاء في الموظفين العاملين في دوائر حكومة غزة من الناحية الفعلية والمحسوبين على كادر رام الله من الناحية المالية والتي سعت رام الله على توسيع رقعة تواجدهم في كل جولة من جولات الحوار والمصالحة وبالتدريج، هذا الكادر مركز في وزارتي الصحة والتعليم وعدده الإجمالي لا يتجاوز عشرة آلاف موظف مما يعني أن حكومة غزة سوف تكون ملتزمة أخلاقيا بدفع رواتبهم إذا رغبت في استمرارية قطاعي الصحة والتعليم بما يمثلاه من عمود فقري للحكومة إذا ما قامت حكومة رام الله بوقف رواتبهم أو إحالتهم للتقاعد المبكر بالجملة.

عددهم حال قبولهم سوف يزيد كادر حكومة غزة بالربع مما يعني أن سوف تحتاج حكومة غزة لاحتواء الموقف ودمجهم ضمن المنظومة الحكومية الغزية إلى مبلغ تمويلي لا يتجاوز خمسة عشر مليون لتغطية ما نسبته 30 % من رواتبهم والتي جرت عادة حكومة غزة صرفها على شكل 45% من فاتورة الرواتب كل خمسة وأربعين يوم. 

هذا المبلغ يعتبر متواضعا إذا ما طرح لاستيعاب الضربة ومن ثم السير في إدارة غزة بوتيرتها المتعثرة والمعتادة حال تم اتخاذ بوقف الرواتب بشكل قطعي والأمر سوف يكون أسهل على حكومة غزة لو تم اتخاذا قرار بإحالتهم للتقاعد بدلا من الفصل بما يعني أن الحكومة في غزة سوف تأخذ بالاعتبار مدفوعات القاعد عند احتساب الرواتب.

هذا التحليل البسيط بمعزل عن العوامل الأخرى وبمعزل عن ما سوف تتعرض له كل شرائح المجتمع سوف يكون مبررا كافيا لتمسك حكومة غزة بخياراتها الحالية وعدم الانصياع لقرارات السلطة برام الله.

أما على مستوى باقي شرائح المجتمع يمكن النظر إلى الأمر بصورة تكاملية فالمجتمع آيل للسقوط من الناحية المالية والاقتصادية دون أدنى شك, وسوف يدفع المواطنون ثمنا باهظا لتداعيات وقف الرواتب أو إحالة الموظفين إلى التقاعد والذي يبدو من الناحية النظرية أمرا مستحيلا وغير وارد في الحسبان وكل ما أتوقعه أن الأمر وفي أسوء الاحتمالات سوف يمر بعملية تدريجية تحتاج لأفق زمني وليست قرارات بالضربة القاضية إذ أن الأمر وبعيدا عن التحليلات السياسية لم يتخذ بعد ، فعدم صرف الرواتب طال الموظفين والمتقاعدين الممولين من وزارة المالية في حين استثنى المتقاعدين المحملين على الهيئة.

ما من شك بأن القرارات العقابية سوف تتواصل وسوف تطال كل مناحي الحياة في غزة, ولكن في النتيجة النهائية  قرار وقف رواتب موظفي رام الله او احالتهم للتقاعد لن ينجح في تحقيق مآرب متخذيه.