شكلت التغيرات على الجبهة السوري وتعزيز التواجد الإيراني على الساحة السورية واللبنانية من الجهة الشمالية أكثر التغيرات الملحوظة على المشهد الإسرائيلي للعام 2017، إلى جانب غياب تواصل الإسرائيليين مع الفلسطينيين بشكل رسمي، وتحول أمريكا من وسيط بين الجانبين إلى طرف معادي للفلسطينيين.
جاء ذلك خلال تقرير مركز مدار الاستراتيجي 2018، (المشهد الإسرائيلي للعام )2017، والذي يرصد مجمل التغيرات التي حدثت في العام 2017 في إسرائيل.
ويرصد التقرير أهم المستجدات والتطورات التي شهدتها الساحة الإسرائيلية خلال العام المنصرم، ويحاول استشراف وجهة التطورات في الفترة المقبلة، خاصة من جهة تأثيرها على القضية الفلسطينية وعلى ديناميكيتها.
ويتناول التقرير المشهد الإسرائيلي في سبعة محاور أساسية هي: محور إسرائيل والملف الفلسطيني، المحور السياسي الإسرائيلي الداخلي، محور العلاقات الإسرائيلية الخارجية، المحور الأمني-العسكري، المحور الاقتصادي، المحور الاجتماعي، وأخيرًا محور الفلسطينيين في إسرائيل.
وبحسب هنيدة غانم، محررة التقرير، والمديرة العامة لمركز "مدار" فقد تأثر المشهد الإسرائيلي عام 2017 بمجموعة من المستجدات والتطورات الدولية والإقليمية والداخلية، والتي من المتوقع أن يتعمقتأثيرها في المديين القريب والمتوسط.
وعلى رأس هذه المتغيرات، كان تنصيب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة في كانون الثاني حدثا دولي2017 والذي شكل حدثا مفصليا ذا أبعاد استراتيجية على المسألة الفلسطينية، ليس فقطبسبب دعم ترامب غير المشروط لإسرائيل، بل أيضا بسبب تركيبة الإدارة الجديدة التي أحاط ترامب نفسه بها.
فقد ترافق تنصيب ترامب تنصيب شخصيات ذات توجهات انجيلية- صهيونية (الافنجيلية) في مناصب مفتاحية والتي شكلت أحد اللحظات الفارقة لإسرائيل ولسياساتها اليمينية الاستيطانية وكان إعلان ترامب في السادس من كانون الأول "الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل" تماهي رسمي و علني من الحكومة الأمريكية مع أسرائيل.
وبحسب غانم فإن وجود إدارة أميركية متماهية مع اليمين الصهيوني من خلال انجراف حكومة اليمين والأحزاب الداعمة له باتجاه حسم المسألة الفلسطينية من خلال مسارين متوازيين: أولا مسار الخطابالسياسي، وذلك عبر تصعيد غير مسبوق لخطاب الضم ونزع شرعية خطاب حل الدولتين بمسوغات أيديولوجية مرة ومنفعية وأمنية مرة أخرى، ومسار تشريعي يتم عبره تنفيذ الضم الزاحف، وتطبيقالسيادة الإسرائيلية على المستوطنات في الضفة الغربية والقدس.
فيما شهد العام 2016 بعض المحاولات لإحياء العملية السياسية، تميز العام 2017 بغياب المحاولات الدولية عامة، وتلك الأميركية خاصة، وسط حديث عام عن وجود خطة أميركية غير معلن عنها لحلحلة ما يعرف بـ "صفقة القرن".
هذه الحكومة الأمريكية شجعت إسرائيل على الحديث عن وجود صيغ مختلفة للدولة الفلسطينية الممكنة غير الصورة التقليدية للدولة. حيث أشار نتنياهو إلى أن تجربة الدولة في الشرق الأوسط فشلت في الكثير من النماذج.
أما في اليمين الاستيطاني الذي يقوده حزب البيت اليهودي، فقد تمت مطالبة نتنياهو بإعلان نهاية حل الدولتين والعمل على تطبيق السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وقال التقرير إن إسرائيل عملت منذ صعود حكومة نتنياهو الثانية بخطى ثابتة من أجل تطبيق ضم زاحف وفرض السيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو أجزاء منها، إضافة إلى التشريعات التيتهدف إلى السيطرة على المجتمع المدني وخطابه والفلسطينيين في الداخل وتعزيز هوية الدولة القومية اليهودية.
وكشف التقرير أنه ومنذ بدء الولاية البرلمانية الـ 20، يوم 7 أيار 2015، وحتى نهاية شباط 2018، تم تقديم 41 قانونا ومشروع قانون، تخدم هدف ضم الضفة والمستوطنات إلى ما يسمى "السيادة الإسرائيلية".
وعن التحديات على المستوى المتوسط ذكر التقرير أن اهم هذه التحديات كانت تقابَل سيرورة التقارب بين اليمين الجديد في إسرائيل واليمين في أميركا بسيرورة مقابلة من تآكل دعم إسرائيل بين منتخبيالحزب الديمقراطي الذين يتميزون بانتمائهم لفئات متنوعة عرقيا وطبقيا، والتآكل المستمر في دور الولايات المتحدة ومكانتها في المنطقة والعالم مقابل تعزز دور روسيا بسبب دورها الفاعل في دعم النظام السوري- من تعزيز مكانتها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط،
وفيما يتعلق بالتقديرات الإسرائيلية للتغيرات على الجبهة السورية قال التقرير إن تعزز التواجد الإيراني في سورية بحسب الادعاء الإسرائيلي، أحد أهم المتغيرات في عام2017، حيث اعتبرته اسرائيل بمثابة تطور استراتيجي جديد، و"فرصة لتشكيل تهديد مستقبلي تقليدي خطير، يتم من خلال نشر ميليشيات شيعية على حدود إسرائيل وسورية في الجولان".
وفيما تشكل الجبهة الفلسطينية أكثر الجبهات القابلة للانفجار وفق التقديرات العسكرية الإسرائيلية التي عبرت عنها وثيقة "استراتيجية الجيش الإسرائيلي" التي وزعت أواخر العام 2017، إلا أنها أدرجت كثاني التهديدات التي يستعد لها الجيش، إذ يسبقها من وجهة نظر هيئة الأركان العامة تهديد المحور الشيعي الذي تؤسسه إيران، والذي يضم في السنتين الأخيرتين سورية إلى جانب حزب الله فيلبنان.
وعن التغيرات الداخلية، فإن الأمور تركزت بين قضايا الفساد وتعزز هيمنة اليمين حيث شهد عام 2017 تطورات جديدة بخصوص قضايا الفساد التي يواجهها بنيامين نتنياهو، وتصاعدت هذه الأزمة مع إعلان الشرطة الإسرائيلية، يوم 13 شباط 2018، توصيتها بتقديم لائحة اتهام ضد رئيس الحكومة بتهمة تلقي رشوة في ملفي 1000 و2000.
وتوقعت غانم ان تواجه حكومة نتنياهو مخاطر بسبب قضايا الفساد المتراكمة، وخشية اليمين الجديد من انتخابات مقبلة قريبة، من شأنها أن تدفع في ظل التوافق الأيديولوجي مع إدارة ترامب إلى التسريع في الخطوات التشريعية والعملية الهادفة إلى ضم كتل استيطانية، وإعادة ترسيم حدود القدس، وقطع الطريق المستقبلي أمام حل الدولتين وفق قرارات الشرعية الدولية.
بالمقابل، وعلى الرغم من التحديات التي تفرضها التطورات الدولية والإقليمية والإسرائيلية، تبقى فرص الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل والاحتلال قائمة كما قالت غانم، بسبب كل التناقضات التي يفرزها اصطفاف إسرائيل مع اليمين الترامبي والعالمي، ودخول لاعبين دوليين جدد كروسيا وشرائح واسعة من الفاعلين في المجتمع المدني العالمي.