بقلم:عميره هاس(تحقيقات الشرطة العسكرية كشفت أن قوة من الجيش الاسرائيلي تلقت تعليمات بضرب صحافيين بالعصي في مظاهرة في كفر قدوم في العام 2012).
الجنود هاجموا صحافيين فلسطينيين بالعصي واعتقلوهم حسب تعليمات قادتهم، بهدف واضح وهو التشويش على تغطية الاحتجاجات الاسبوعية في كفر قدوم في الضفة الغربية. هذا ما يتبين من ملف تحقيق الشرطة الذي وصل لـ "هآرتس". حسب ما جاء في التحقيق والذي تناول مهاجمة صحافيين التي حدثت في القرية في آب 2012 فان التعليمات جاءت في اطار تشديد سياسة التعامل مع المظاهرات "الممنهجة" حسب تعريف الجيش.
في تلك المهاجمة كسر احد الجنود بعصا يد مصور وكالة الانباء الفرنسية جعفر اشتية، عندما حاول حماية وجهه من الضرب. مصور آخر على الاقل اصيب بيديه وساقيه بضرب الجنود، وعدد من الكاميرات كسر.
في الوقت الذي كان اشتية فيه يتلوى من الالم على الرصيف، احد الجنود قام بركله، صحافيون، باستثناء اشتية تم تكبيلهم، 5 صحافيين، تم توقيفهم نحو ساعتين في مستوطنة كدوميم، وعندما اطلق سراحهم صورهم احد الجنود وقال لهم، حسب شهاداتهم "محظور عليكم المجيء مرة اخرى الى كفر قدوم".
الجندي قال لاشتية "اذا رأيتك مرة اخرى في كفر قدوم فسأقوم باعتقالك". المهاجمة وثقت جزئيا من قبل مصور متطوع من "بتسيلم"، والذي تم فصله عن باقي الصحافيين. في اعقاب طلب نقابة الصحافيين الاجانب اجراء تحقيق.
عمري، أحد الجنود الثلاثة الذين قاموا بالضرب اعترف في التحقيق بأن "الصحافيين لم يرشقوا الحجارة ولم يكونوا مسلحين ولم يركضوا ولم يشوشوا عمل الجنود ولم يصوروا اعمال الجيش بسرية، بل فقط ساروا في الشارع نحو منطقة المظاهرة". لقد صادق على أنه في المظاهرات السابقة لم يعتقل صحافيون، هذه المرة قال إن تعليمات قائد الكتيبة كانت اعتقال من يخلون بأوامر قائد المنطقة الوسطى باغلاق المنطقة، وبمن فيهم صحافيون، ومن يقاوم – يضرب بالعصي.
بعد اكثر من اربع سنوات على الحادث، في تشرين الثاني 2016، كتبت النيابة العامة العسكرية للمحامي ايتي ماك، ممثل اشتية، بأن مشاركين اثنين قدما للمحاكمة الانضباطية. عنار، قائد الفصيل الذي كسر يد اشتية قدم لمحاكمة انضباطية بسبب مخالفة الخروج عن الصلاحيات الى درجة تعريض الحياة أو الصحة للخطر. المقدم رومان غوفمان، الذي كان قائد الكتيبة، تم تقديمه لمحاكمة انضباطية بسبب الخروج على التعليمات بشأن اعتقال مصورين وتوزيع عصي على الجنود الذين لم يتم تدريبهم على استخدامها، هؤلاء الاثنان ادينا ووبخا. في رده على هآرتس قال المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي بأن النيابة العسكرية قررت ايضا انهاء خدمة قائد الفصيل. غوفمان يواصل الخدمة في الجيش الاسرائيلي، وفي هذه الاثناء تمت ترقيته الى رتبة عقيد وهو يخدم الآن كقائد للواء 7. ملف التحقيق قدم مؤخرا للمحامي ماك، الذي قدم باسم الاثنان دعوى مدنية ضد الدولة.
شهادات متناقضة
في الشهادات التي قدمت لقسم التحقيق في الشرطة كانت تناقضات بين شهادات قائد اللواء وقائد الكتيبة وممثل الشرطة. قبل المظاهرة تم تشكيل طاقم استخباري للمهمة يضم كل القوى العاملة في الميدان. قائد لواء شومرون في حينه، العقيد يوآف يروم، قال في شهادته في قسم التحقيقات في الشرطة إن الطاقم الاستخباري هو جزء من الاستعداد الخاص لتقديم حلول للمشكلة المتكررة في المنطقة، التي يشارك فيها الشباك (كلمة محيت من التحقيق ع.ه) والذي في الاساس يتعامل مع الفوضويين، الشرطة ضابط قسم الاستخبارات وحرس الحدود وقائد كتيبة الون وأنا ممثل الفرقة، أنا المسؤول عن الطاقم الاستخباري. قائد اللواء يروم قال "توجد لنا رغبة بأن تتم تغطية المظاهرة بمستوى منخفض، لأن المظاهرة تضر بشرعية الجيش والدولة". ولكنه نفى أنه اصدر تعليمات لقائد الكتيبة غوفمان لاعتقال صحافيين وقال إنه لم يعلم بنيته تسليح جنوده بالعصي.
غوفمان شهد على عقد جلسة تخطيط جرت قبل المظاهرة مع ممثل الشرطة، نائب المفتش العام رافي، وبتوجيه قائد اللواء. حسب اقواله، نائب المفتش العام أمر باعتقال الصحافيين، اليساريين، الفوضويين الاجانب واسرائيليين وراشقي حجارة. قائد الكتيبة غوفمان سأل في لقاء التخطيط هذا لماذا يجب اعتقال اليساريين والصحافيين. وحسب اقواله، اجابه نائب المفتش العام "بعد جلسة الطاقم هناك نية لتطبيق أمر منطقة عسكرية مغلقة على هذه المجموعات". واضاف نائب المفتش العام أن هذه الجهات تزيد قوة المظاهرة". غوفمان قال للمحقق الذي حقق معه في الشرطة العسكرية "لقد تلقيت اقواله كواقع، من جهتي هو ممثل الطاقم الاستخباري للمهمة". الجنود الذين قاموا بضرب واعتقال الصحافيين شهدوا أن الامر تم حسب تعليمات قائد الكتيبة. خلافا لاقوال غوفمان فان نائب المفتش العام للشرطة رافي قال في شهادته إنه اصدر تعليمات لتوقيف اجانب وفحص اذا ما كانوا صحافيين، لكنه لم يصدر تعليمات لاعتقال صحافيين فلسطينيين. وقال رافي "لقد اتخذ قرار في قسم العمليات حسب توجيهات وزير الامن الداخلي لتفيذ نشاطات عملية يتم فيها اعتقال نشطاء اليسار والفوضويين الاجانب الذين يؤججون المشاعر. هذا القرار اتخذ في مستوى قائد فرقة يهودا والسامرة".
قائد اللواء يروم قال في شهادته "أنا لا أغلق منطقة لمنع تغطية صحفية، فقط اذا كان وجود وسائل الاعلام يعرض القوات للخطر، أطلب منهم أن يصوروا ويغطوا اعلاميا في مكان آخر. القرار هو بصورة دائمة أنه مسموح التصوير، والطاقم الاستخباري للمهمة لم يغير هذا القرار". عندما شاهد فيلم "بتسيلم" قال "ما اشاهده ليس الاستخدام المسموح للعصي، وحسب الفيلم يمكنني القول إن الجنود لم يتصرفوا حسب القواعد، لكنهم تصرفوا ضمن الاطار الذي حدده قائدهم". وقال لو أن قائد الكتيبة غوفمان طلب منه ذلك، فانه كان سيصادق على استخدام العصي. واضاف "على كل الاحوال، مجرد وجود العصي هو اشكالي لأنه في النهاية يؤدي الى اتخاذ قرار باستخدامها".
قائد السرية عنار قال مرات كثيرة في تحقيقات الشرطة إنه قبل المظاهرة نفسها ان قائد الكتيبة غوفمان أمر باعتقال صحافيين. في احدى المرات قال إن ذلك كان "توجيه لقادتي"، واضاف "كعبرة من مظاهرات سابقة كانت محاولات لمنع مشاركة صحافيين". عن سؤال هل الصحافيين شوشوا عمل الجنود اثناء القيام بوظيفتهم قال "لا، هم فقط تواجدوا في المنطقة العسكرية المغلقة". جندي باسم يوسي قال في بداية التحقيق معه إنه ركض باتجاه صحافي رشق الحجارة، "طلبت منه الجلوس". بعد ذلك قال إن الصحافي أمسك حجر بيده، عندها قال "اعتقد أنني رأيته مع حجر".
تغيير في السياسات
الصحافيون ساروا في مجموعة في قرية كفر قدوم مبتعدين عن المنطقة التي جرت فيها المظاهرة الاسبوعية ضد اغلاق الشارع الذي يؤدي الى نابلس، بسبب توسع مستوطنة كدوميم. سكان القرية ومؤيدوهم بدأوا في التظاهر قبل سنة، والمظاهرات الثابتة تواصلت حتى اليوم. حسب فيلم "بتسيلم" القصير، في اللحظة التي سار فيها الصحافيون لم تكن أي مواجهة مع الجيش. جيبان عسكريان مصفحان سارا في الشارع في الاتجاه المعاكس للصحافيين، توقفا. ثلاثة جنود نزلوا، من بينهم قائد الفصيل، واقتربوا من الصحافيين الذين كان مكتوب على سترهم "صحافي"، وبدأوا بمهاجمتهم بالعصي.
في 30 آب 2012، بعد ايام من تحقيقات قائد الكتيبة، النقيب عميحاي، قدر قائد قسم التحقيقات في الشرطة أنه لا يوجد اساس جنائي في سلوك الجنود "لا يوجد أي عيب في تصرفهم لأنهم اعطوا تعليمات بتنفيذ اعتقالات للصحافيين حسب الحاجة، اذا وجدت معارضة، وأن يتم ضربهم بالعصي على الجهة الخارجية من الفخذ". في البداية كتب للمسؤولين عنه، الامر يبدو غريبا، "لأن سياسة الجيش الاسرائيلي هي عدم ضرب/ اعتقال الصحافيين و/أو نشطاء اليسار الذين يأتون للمظاهرات التي يبدو أنها شرعية". كما كتب عميحاي "عندما وصلنا الى قائد الكتيبة اكتشفنا عدة امور هامة. أولا، قائد الكتيبة وبواسطة تقدير وضع تم القيام به من قبل قائد اللواء، تلقى تعليمات بلقاء ممثل شرطة اسرائيل استعدادا للمظاهرة آنفة الذكر، وتنسيق التوقعات معه استعدادا لها. على هامش هذه الاقوال، قال قائد الكتيبة، أبلغه الاخير بأنه حدث تغيير في سياسة الجيش الاسرائيلي بالنسبة للتعامل مع المظاهرات الممنهجة هذه...". قائد الكتيبة ايضا قال "لقد اعطيت تعليمات من قبل ممثل شرطة اسرائيل لتوجيه جنوده لتنفيذ اعتقال لكل صحافي/ نشيط يساري – فوضوي يتواجد هناك ويتواجد في المنطقة العسكرية المغلقة..."
اضافة الى المعلومات التي اعطاها المتحدث بلسان الجيش الاسرائيلي عن ابعاد قائد الفصيل عنار من الخدمة العسكرية، كتب في رده لهآرتس بأن العصي اعطيت لعدد من الجنود بهدف تقليص استخدام وسائل ذات امكانية كامنة قاتلة، "الى جانب فرض قيود على استخدامها. مع ذلك في نهاية المطاف تم استخدام قوة زائدة عن المطلوب اثناء الاعتقال والتي كانت مخالفة لتعليمات اعتقال صحافيين. الادعاء الذي يقول إنه اعطيت تعليمات من قبل الطاقم الاستخباري لاعتقال صحافيين لم يتم اثباتها في التحقيق. الجيش الاسرائيلي يحترم حرية الصحافة في مناطق يهودا والسامرة، ولكن ليس هناك اساس للادعاء بأن الجنود يعملون على منع الصحافيين من تأدية وظيفتهم".
"مادا"، وهي مؤسسة فلسطينية مستقلة من اجل حرية الصحافة تجمل شهريا الاضرار في حرية الصحافة سواء من جانب السلطات الاسرائيلية أو السلطات الفلسطينية. في التقرير السنوي للعام 2017 الذي نشر في بداية شباط قامت باحصاء 139 مهاجمة جسدية لجنود ضد صحافيين فلسطينيين في الضفة الغربية والقدس. المهاجمات تشمل اطلاق الرصاص المعدني المغطى بالمطاط، الغاز المسيل للدموع، واطلاق قنابل الصوت والضرب بالعصي. كذلك يورد التقرير 38 حالة منعت فيها القوات الاسرائيلية التغطية الصحافية، و30 حالة صودرت فيها معدات، و16 حالة تم فيها تخريب المعدات والسيارات، و39 حالة تم فيها اعتقال لمدة قصيرة، اضافة الى اعتقال طويل وابعاد من القدس وانواع اخرى من المس بالصحافيين الفلسطينيين وعملهم. في الاجمال تم اعداد 376 حالة مست فيها السلطات الاسرائيلية في العام 2017 بحرية الصحافيين الفلسطينيين.