بقلم: ناحوم برنياع
(المضمون: صيغة التوصيات تجعل من الصعب جدا على مندلبليت اغلاق الملف، ولكن يصعب علي أن اصدق بانه سيتبناها كما نصت عليه - المصدر).
في 29 ايار 1996 جرت في اسرائيل لاول مرة انتخابات شخصية لرئاسة الوزراء. بيرس، رئيس وزراء قائم، مقابل نتنياهو، رئيس الليكود. لقد كانت هذه هي الانتخابات الاكثر شحنا في تاريخ الدولة: صدمة اغتيال رابين من جهة، واهانة القطاع الذي اتهم بالاغتيال من جهة اخرى. وكانت الفرضية العامة ان بيرس سينتصر. هذا ما قالته الاستطلاعات ايضا. وجرت بين الرجلين مواجهة كانت مخصصة للبث في التلفزيون، مثلما في أمريكا تقريبا.
سجلت المواجهة في صباح يوم الاحد 26 ايار قبل ثلاثة ايام من الانتخابات. وبثت مثلما هي في ذاك المساء. جرت في استديو تلفزيون العمل، في تل أبيب. ودعيت حفنة من الصحافيين لمشاهدتها من خلف الزجاج الكتيم في الاستديو. والى جانب الصحافيين جلس في الغرفة بعض من العاملين في حملتي الانتخابات للحزبين. وقد هتفوا لاجوبة مرشحهم وردوا باحتقار لاجوبة المرشح الخصم. وكانت الاجواء تشبه مباراة كرة قدم في بلومفيلد.
بعد انتهاء التسجيل طلبت مشاهدتها مرة اخرى. اجلسوني امام جهاز تلفزيون بيتي ورفعوا التسجيل الى الشاشة. وكان الانطباع مختلفا تماما عما كان في الاستديو. وعندما انتهى البث اعتذرت عن الحاحي وطلبت ان اشاهده مرة اخرى، للمرة الثالثة. وكانت النتيجة مذهلة: رغم أن التسجيل كان هو ذات التسجيل، فمن بث الى بث بدا بيرس وسمع على نحو اسوأ، فيما بدا نتنياهو وسمع على نحو أفضل.
ركضت الى مقر الصحيفة وعلى لساني بشرى: نتنياهو انتصر في المواجهة. كان نوني موزيس في حينه محرر الصحيفة الفعلي، في فترة انتقالية بين محررين. وكان رئيس دائرة الاخبار ميكي روزنتال، وهو نائب بارز اليوم في المعسكر الصهيوني. طلبت الصحيفة من د. مينا تسيمح، التي كانت في حينه رئيسة معهد داحف، اجراء استطلاع هاتفي فور بث المواجهة في ذاك المساء. وكانت نتيجة الاستطلاع هي العنوان الرئيس للعدد الذي سيصدر في الغداة. العنوان، على عرض كل الصفحة، صيغ على النحو التالي: "الاستطلاع: بيبي أقنع أكثر". 45 في المئة من المستطلعين اقتنعوا باقوال بيبي، 41 في المئة باقوال بيرس.
بعد يومين فتحت صناديق الاقتراع. فاز نتنياهو بفارق اقل من 30 الف صوت. 15 الف صوت انتقلت من جهة الى جهة اخرى حسمت المعركة. علق بيرس الذنب على العنوان الرئيس وعلى المقال الذي كتبته في هامش الصفحة، تحت عنوان "انتصار الخوف". كلمتان، انتصار وخوف، خدمتا نتنياهو. وقد كرر حجته حتى نهاية حياته. قصة غرام نتنياهو مع "يديعوت احرونوت" كانت أقصر بكثير.
حضرت الحدث اياه بعد أن نشرت الشرطة التوصية في ملف 2000. نتنياهو ونوني موزيس يلتقيان مرة اخرى معا، تحت عنوان واحد. غير أن العنوان في "يديعوت" هذه المرة كان "رشوة". في المقال الذي نشرته في الصحيفة في ذاك اليوم، دعوت نتنياهو وموزيس الى تجميد نفسيهما حتى قرار المستشار القانوني للحكومة. لاسفي، لم اقنعهما.
ها هي المؤامرة
بيان الشرطة الذي يجمل تحقيقاتها في ملف 1000 و 2000 صاغه الناطق بلسان قسم التحقيقات والمباحث، باشراف المسؤولين عنه. وكان القرار هو معاملة نتنياهو بادب اقصى. وفي الشرطة تذكروا الصياغات الحماسية لاوري كورب، محامي الادعاء في محكمة اولمرت، وطلبوا الامتناع عنها. وعلى طول البيان لا يذكر نتنياهو باسمه بل بلقبه فقط: رئيس الوزراء. والحرص على اللقب يعظم انطباع الاتهامات. ليس المواطن نتنياهو يوصم بالاعمال الجنائية – بل المؤسسة ايضا.
صعد نتنياهو الى البث في التلفزيون فور نشر البيان. شاهدت الخطاب مرتين وثلاث مرات. كان مذهبه مرتبا. ولكن من بث الى بث سمع هشا اكثر، مريرا اكثر، منشغلا بنفسه أكثر. لقد اختص نتنياهو على مدى حياته المهنية بتشويه صورة الخصوم، الحقيقيين او الوهميين. وهو مقتنع بان كل نقد عليه هو مؤامرة يسارية، كل ذكر غير مثن على زوجته هو خيانة للوطن. ولكن ماذا يقول عن مفتش عام هو الذي عينه، مفتش عام تزين رأسه كيباه، عاش في الماضي في مستوطنة، جاء من المخابرات، أراؤه السياسية مغروسة عميقا في اليمين.
هو بحاجة ماسة لنظرية مؤامرة، لحبكة سرية، ظلامية تسحب دفعة واحدة الارض من تحت اقدام خصومه وتضمن له النصر. وفي ضيقه، تمسك بجملة قالها المفتش العام لايلانا دايان عن جهات لاحقت ضباط شرطة مشاركين في تحقيقات نتنياهو. النظرية هي أن الملاحقة اغاظت المحققين، والغيظ ترجم الى رأي مسبق من الشرطة ضد نتنياهو. أردتم مؤامرة؟ ها هي المؤامرة.
في الشرطة يدعون انه كانت ملاحقة. شخص هويته معروفة، وصلته بنتنياهو ايضا معروفة، شغل محققين عرضوا على جيران ومعارف ضابط الشرطة أسئلة على سلوكهم الشخصي بما في ذلك احداث قبل سنوات جيل. والاسئلة أصبحت استجوابات من صحافيين مقربين من المملكة. لقد كانت المحاولة غير لطيفة بل وربما مزعجة ومهددة ولكنها ليست جنائية.
توقع نتنياهو من ألشيخ ان يدافع عنه. ليس لانه وعد بتعيينه لاحقا رئيسا للمخابرات – ليس معقولا ان من قاد 30 الف شرطي ويكاد يكون مشاركا في كل حدث في الدولة سيغريه العودة لان يتقلص في الزاوية شبه السرية التي تعمل فيها المخابرات، بل وان يرى بذلك رفعا لمستواه. توقع ان يدافع ألشيخ عنه لانه رجل المعسكر، واحد منا. ماذا يظنني، تساءل ألشيخ. أنا جئت من المخابرات. في المخابرات يربوننا على الرسمية، ليس لحماية مصالح أحد ما، مهما كانت أهميتها.
حصل لـ ألشيخ ما حصل لمئير داغان الراحل ولخريجين آخرين من مكتب نتنياهو ومن القيادة الامنية، بمن فهم وزراء في الحكومة: لقد التقوا الملك وهو في ملابسه الداخلية، نظروا وشعروا بالاهانة. ولكن مشكوك ان يكون شعور ألشيخ بالاهانة أثر على توصيات الشرطة.
خطأ في توجيه الدفة
بزعم المحققين، فان قيمة الخيرات التي تلقاها نتنياهو من أرون ميلتشن وجيمس باكر وصلت الى مليون شيكل. الحجم، واكثر من هذا المطالبات بتجديد المخزون والتي طرحت المرة تلو الاخرى، تجعل تيار الهدايا خط توريد ثابت للكحول، السيجار، المجوهرات. سطحيا، هذا عمل جنائي، يبرر لائحة اتهام على الغش وخرق الثقة.
الفصول التي يتحدث فيها المحققون عن المقابل مقنعة أقل. وعدت، درج ليفي اشكول على أن يقول. لم أعد بالايفاء. اشكول قال الجملة في دعابة ذاتية؛ اما نتنياهو فجعلها ايديولوجيا. هو عنيد كبير في تحقيق الوعود التي اعطاها لنفسه. اما للاخرين فهو يعد بالكثير ويفي بالقليل. طلب نتنياهو التمديد لعشر سنوات للترتيب المشكوك فيه الذي يسمى قانون ميلتشن كان مدحوضا. وهو لم يصر عليه.
ان فشل محاولاته لتحقيق أماني ميلتشن تأثر أيضا بالطريقة المتعثرة التي يتميز بها عمله كمدير. ما هو واجب في جدول الاعمال والا تنهار الدولة، ينسى في الغداة. قرارات كثيرة تولد على عجل: مع وضد البث العام مثلا؛ مع وضد تصدير القنب. الرجل الاخير الذي يهمس في اذنه، هو الذي يقرر، على الاقل في تلك اللحظة.
المفاوضات مع موزيس وصفها في تحقيقه كعرض عابث، كمناورة خداع. واثار الوصف العجب: الجمهور يقبل رئيس وزراء يكذب من أجل بلاد اسرائيل. ولكن يجد صعوبة في أن يقبل رئيس وزراء يكذب حول كمية نسخ النشرة الاعلامية. وعليه فقد استدعي يعقوب فينروت، المحامي لكل حين، بتقديم المساعدة. وشرح هذا يقول: "هو بالاجمال فحص الخيارات".
وكانت النتيجة ان نتنياهو وموزيس على حد سواء وعدا بما كان محظورا عليهما أن يعدا به، ما لم يكن بوسعهما ولم يكونا ينويا الايفاء به. وهما لم يكبدا نفسيهما شرح دوافعهما حتى اليوم.
جلب افراد الشرطة الى التحقيق عالم مفاهيمهم. هذا العالم مبني على الاخذ والعطاء: شخص ما يعطي شيئا ما ويتلقى شيئا ما في المقابل. في عالم المفاهيم الذي يعمل فيه نتنياهو يوجد فصل تام بين العطاء والتلقي. فهو يتلقى الاشياء لانه يستحقها؛ لا يدور الحديث عن رشوة بل عن احقاق العدل؛ وهو يتدخل من أجل احد ما لانه مسموح له. احيانا يسمي نتنياهو هذا قدرة الحكم. ما ورت نتنياهو كان هوسه في كل ما يتعلق بوسائل الاعلام. عندما عين نتنياهو نفسه وزيرا للاتصالات، حذرت هنا بان هذا سينتهي بتحقيقات شرطية: ما كان لهذا ان ينتهي بشكل مختلف. وزارة الاتصالات زائدة مثلما عادت واوصت اللجان على انواعها، يجب أن تقام بدلا منها سلطة نظامية، فنية في أساسها، تحرص على أن توفر لنا اتصالات الكترونية بسعر وجودة معقولين. اما نتنياهو ففكر في الاتصالات بتعابير اخرى. هو سيفتح سوق التلفزيون لعشرات القنوات، مالكوها يكونون متعلقين بارادته؛ وهو سيغير وجه مواقع الاخبار في الانترنت ووجه الصحافة المطبوعة. فكره كان قديما: فقد توقف هذا الفكر في العقد الماضي؛ جوهره كان فاسدا. واستعارة من وثيقة الشرطة في قضية ملف 1000، فان الخليط بين ما يمكن للمدير الاداري ان يقره، وزير الاتصالات، وبين ما يتوقع رئيس وزراء ان يتلقاه، خلق شبكة علاقات رشوية. لشدة الحظ، هو فشل، على طول كل الطريق.
صلة المغامرة الاعلامية لنتنياهو تعود الى نتائج تحقيقات الشرطة في ملف 1000 و 2000. تدخله في فتح واغلاق قنوات تلفزيونية تجارية؛ محاولاته لنقل ملكية القنوات الى أيدي ارباب المال الذين يرى فيهم مقربين؛ الهدية الاكبر، اقامة نشرة دعائية تسمى "اسرائيل اليوم"؛ المحاولة للتوسط في بيع "يديعوت احرونوت". قضية بيزك التي لم تنضج بعد الى تحقيق شرطي رسمي، تجسد عمق السقطة. نتنياهو ربما لن يتضرر بنا ولكن الوفيتش، رب المال الصديق، حرمته من أهم أملاكه.
ملياردير يهودي أمريكي من مؤيدي الحزب الجمهور، التقى نتنياهو ذات مرة، وسأله نتنياهو: لماذا لا تشتري "نيويورك تايمز". فأجابه الرجل: ولماذا أحتاج الـ "نيويورك تايمز". فقال نتنياهو، "كي يكون لك تأثير".
يؤمن نتنياهو بان الطريق الى السيطرة على الاعلام هو السيطرة على المالكين. وهو مخطيء. في الدولة الحرة ليس المالكون هم المسيطرون على المضامين بل المهنيون – الصحافيون، المحررون، المدراء. اما الانترنت فهي قصة اخرى، ولكن هناك ايضا ليس المالكون هم المسيطرون. كان له خطأ جسيم في توجيه الدفة.
ماذا لديه ليعرضه
لكل هذه الاسباب، وغيرها، يفترض بانه الى أن يصل المستشار القانوني للحكومة مندلبليت الى القرار، ستختفي مادة الرشوة. وسيكتفي المستشار بالغش وخرق الثقة. اما نتنياهو فكفيل بان يفكك الحكومة في موعد ما في اشهر شتاء او ربيع 2019، بين قرار المستشار رفع لوائح اتهام وبين الاستماع الذي سيعطى لمحاميه. وهو سيتوجه الى الانتخابات كي يعود منها مع تفويض من الجمهور لمواصلة منصبه. هذا ما يتوقع أن يحصل، ولكن في الشرق الاوسط لا تحصل الامور بشكل عام وفق التوقعات. والنسغ الذي يجمع الائتلاف معا يظهر مؤشرات التراخي. ودوما توجد امكانية للحرب. صيغة التوصيات تجعل من الصعب جدا على مندلبليت اغلاق الملف، ولكن يصعب علي أن اصدق بانه سيتبناها كما نصت عليه.
لبيد هو شاهد هام في قضية ميلتشن. نتنياهو اراد تمديد القانون. اما لبيد، كوزير للمالية فعارض وعرقل. في هذه الحالة كان لبيد في الطرف الصحيح من الجدال. ومع ذلك فان الصداقة القريبة بينه وبين ميلتشن خلقت تضاربا للمصالح. نتنياهو وهو خرجا عن المسموح به. والان أسمى النائب دافيد امسلم لبيد "الواشي" و "الفتان" ويكرر نحوه لعنة "لن يكون أمل للواشين". وهي لعنة قيلت ليهود سلموا يهودا آخرين للاغيار، توجه الان تجاه من يشهد قانونيا امام شرطة اسرائيل. هذا سلم قيم رئيس الائتلاف، هذا هو وجهه.
لبيد سيخرج كاسبا من تعزز قوة الاصوليين وتحقيقات نتنياهو. هذا يلزمنا جميعنا لان نعود ونفحص ما الذي لديه ليعرضه. فهو عارض ممتاز، أخ فقط لنتنياهو. ويسأل السؤال، ما الذي يمكنه أن يعرضه أكثر من ذلك.