بقلم: إسماعيل مهرة
أطلس للدراسات
في مشروع فرض السيادة الاحتلالية على المستوطنات، كما في بدايات النقاش حول قانون تشريع البؤر الاستيطانية، وجد نتنياهو نفسه في أزمة تظهر الفجوة بين نتنياهو الأيديولوجي والسياسي الطامح لاستمرار زعامته لليمين وبين رئيس الوزراء نتنياهو الذي يقدر بأن للأمر مضاعفات على علاقات الدولة الخارجية؛ لكنه دومًا كان يتغلب على مثل هذه التناقضات لديه بحيل المناورات، وهو المناور البارع، فقد كان يلجأ عادة إلى التخفي خلف الموقف الأمريكي أو إلى تفجير أزمات داخل الائتلاف أو الدفع بمشاريع قوانين مختلف عليها، المهم بالنسبة لنتنياهو ألا يظهر موقف مخالف أو أقل صهيونية من منافسه على أصوات اليمين رئيس "البيت اليهودي" بينت. وعندما كانت مناورته لا تنجح، كان ببساطة يركب الموجة ويقود عملية التصويت، فالمعادلة بالنسبة له سهلة: عند حدوث تناقض بين مصالح الدولة من جهة وبين مصالحه الحزبية من جهة أخرى، يختار مصالحه الحزبية، والسبب في ذلك يعود ربما إلى تقديره الذي ثبت صحته دومًا أنه لا الفلسطينيين ولا أمريكا ولا أوروبا ستخرج عن المألوف في رد فعلها، وأنهم في النهاية سيتفهمون، والضرر لن يعدو كونه بيانًا خجولًا ومتحفظًا، وفي النهاية سيكتب التاريخ بحسب تقديره أنه هو القائد الأول الذي تجرأ على تحدي وتحطيم ثوابت الشرعية الدولية المتعلقة بتسوية الصراع.
نتنياهو منذ أن شق طريقه السياسي لتزعم "الليكود" وحتى اليوم، وعلى مدار حكوماته الأربع التي ترأسها، حافظ على الركوب على أجنحة التطرف والتقرب من المعسكر الأكثر تطرفًا في "الليكود"، ليس هذا فحسب؛ بل هو من حافظ دومًا على إشعال وإنعاش الأيديولوجية اليمينية التوراتية داخل "الليكود" ونفخ فيها روح التطرف الصهيونية التوراتية، لأسباب أيديولوجية وأخرى لسحق المعارضة السياسية.
عندما اجتمع مركز "الليكود" قبل أسابيع ليصوت على تبني قرار يلزم "الليكود" بالعمل على ضم أراضي الضفة وتطبيق السيادة والقانون الإسرائيلي عليها دون ان يشمل الفلسطينيين، تغيب نتنياهو عن حضور المؤتمر وملأ فمه بالماء، فلا أعلن تأييده ولا رفضه للقرار، لكنه أدرك ان الأمر لن يتوقف عند ذلك، وأن لوبي الاستيطان الكبير القاطع لكل الأحزاب سيأخذ الأمر على محمل الجد ليصل إلى التشريع القانوني في الكنيست، وهو ما قام به كل من يؤاف كيش من "الليكود" وسموتريتش من "البيت اليهودي"، حيث قدما مشروع ضم المستوطنات وفرض السيادة الإسرائيلية عليها إلى لجنة التشريع، وكان من المفترض أن يتم نقاش الأمر والتصويت عليه الأحد الماضي؛ إلا أن الأحدث المتعلقة بالعدوان على سوريا وإسقاط الطائرة لعبت دورًا في تأجيل أمر التصويت، فضلًا عن ان نتنياهو دفع من خلف الكواليس لتأجيل الأمر. وفي لقائه مع نواب "الليكود" في الكنيست حاول ان يشرح لهم ويقنعهم بضرورة تأجيل أمر التصويت لأسباب فنية، وأخرى سياسية ليس لها علاقة بمبدأ الضم من عدمه.
فنيًا - حسب نتنياهو - فإن هذا المشروع التاريخي المهم ذا المغزى الكبير يجب أن يقدم من قبل الحكومة وباسمها، وليس باسم اشخاص، وقد طالب مقدمي المشروع بسحبه على ان تقوم الحكومة بتبنيه، وهو يدرك ان الأمر لن يكون يسيرًا داخل الحكومة، حيث ان مثل هذه القوانين تحتاج إلى إجماع رؤساء الكتل المشكلة للحكومة، وربما هو يراهن على ان كحلون سيتحفظ على القانون، الأمر الذي سيعني التأجيل أو إجراء تغييرات تخفف من تأثيره.
أما في سياق تأكيد تأييده لمبدأ الضم ولكن مع تأجيله لبعض الوقت، فأعلن أنه "في موضوع إحلال السيادة في يهودا والسامرة، يمكنني أن أقول لكم بأنني منذ وقت وأنا أجري محادثات مع الأمريكيين"، وأشار إلى أن هذه الخطوة لا يمكن أن تتم إلا بالتنسيق وبالتوافق مع إدارة ترامب، مضيفًا "علينا أن نحافظ على المبدأ الذي يرافقنا في هذا الموضوع: التنسيق بأكبر قدر ممكن مع الأمريكيين، فالعلاقة معهم ذخر استراتيجي لدولة إسرائيل، وللاستيطان أيضًا".
لكن نتنياهو الذي تعود على التذرع بالأمريكان كلما أراد ان يخفف من حدة جموح المتطرفين، صُدم هذه المرة بأن الأمريكان ولأسبابهم رفضوا الأمر وطالبوه بنفي ما صرّح به، فأصدر مكتبه بيانًا جاء فيه ان "رئيس الوزراء يتحدث منذ زمن بعيد مع الإدارة الأمريكية عن المصالح القومية لإسرائيل في إطار كل تسوية سلمية ومستقبلية، رئيس الوزراء لم يعرض على الولايات المتحدة مشاريع ضم محددة. وعلى أي حال لم تعرب الولايات المتحدة عن موافقتها على الاقتراحات المختلفة التي تطرح في الكنيست، وأعربت الولايات المتحدة عن موقفها الواضح بأنها تسعى إلى الدفع إلى الأمام بخطة السلام للرئيس ترامب. أما موقف رئيس الوزراء نتنياهو فإنه إذا واظب الفلسطينيون على رفضهم المفاوضات للسلام؛ فإسرائيل ستطرح بدائلها".
ولكن حتى هذا النفي لم يرضِ واشنطن، التي نشرت بعد نحو ساعة من ذلك بيانًا خاصًا نفت فيه صراحة أقوال نتنياهو "التقارير التي تحدثت عن مباحثات بين الولايات المتحدة وإسرائيل عن خطط لضم مناطق من الضفة الغربية كاذبة، الرئيس يواصل التركيز على مبادرته السلمية".
وصف البيت الأبيض لأقوال نتنياهو بالكاذبة أو المختلقة في بيان علني هو أمر غير مسبوق، حتى في أسوأ الأزمات التي عصفت بعلاقة نتنياهو مع أوباما، والأمر وصف في تل أبيب بمثابة صفعة علنية لإسرائيل من أقرب أصدقائها، صفعه أذهلت نتنياهو، وربما فاجأته وأحرجته كثيرًا، لا سيما وأنها ممّن يصفه بأكبر أصدقائه وأصدقاء إسرائيل. صفعه ستجعل نتنياهو أكثر حذرًا في العلاقة مع ترامب، وربما أراد منها ترامب ان يوصل رسالة خاصة لنتنياهو توضح له انه برغم ان إسرائيل هي الصديقة والحليفة الأكبر لأمريكا، لكن لأمريكا وفي الشرق الأوسط ثمة أصدقاء آخرين لا يمكن لأمريكا ان تتجاهل مصالحهم كليًا، ولا يمكن لأمريكا ان تتجاهل مصالحها هي في المنطقة، التي ربما قد تتضرر إذا تجاهلناهم تمامًا ولم نأخذ بعض مصالحهم بعين الاعتبار.