بتاريخ اليوم يكون قد مرَّ شهران ونصف تقريبًا على توقيع وثيقة المصالحة السياسية بين حركتي فتح وحماس في القاهرة (12/10-25/12/2017). رغم ذلك لازالت الأمور الحياتية السيئة والصعبة في قطاع غزة على حالها، بل بعضها ازداد سوءًا وصعوبة. لم يلمس المواطنون أي تغير إيجابي على أرض الواقع يدفعهم إلى التفاؤل بإمكانية نجاح وتحقيق المصالحة وطي صفحة الانقسام اللعين. لازالت عقوبات الرئيس سارية المفعول، لازالت مشكلة الكهرباء تراوح مكانها بل ساءت أكثر، ـ أربع ساعات وصل مقابل عشرين ساعة قطع ـ، لازال معبر رفح مغلقًا عدا أيام معدودات في الشهر لا تتجاوز أربعة أيام على أبعد تقدير. أما الموظفين موظفو رام الله منهم مَن أحيل إلى التقاعد المبكر قسرًا ومنهم مَن ينتظر، موظفو حكومة غزة لازال مصيرهم مجهولًا كـ(المعلقة) رغم الحديث عن تشكيل لجنة إدارية وقانونية لدراسة حالتهم ودمجهم في السلم الوظيفي للسلطة. المستشفيات لازالت تعاني من نقص الأدوية والمعدات الطبية. الوعود وتصريحات الطمأنة التي صدرت عن قادة حركتي فتح وحماس بقيت مجرد لغو (إبر تخدير للشارع الغزي). أي تصرف أو تصريح من أحد طرفي (التصالح/الانقسام) يمكن أن يعكر الجو السياسي العام، فتتحول لغة التخاطب بينهما من (الإخوة) في حركة كذا، إلى لغة التكذيب وإلقاء الاتهامات واللائمة على الطرف الآخر في عرقلة عجلة المصالحة دون وازع من ضمير. ألا يخجل أحدهم من نفسه وهو يتقلب تقلب الحرباء في المواقف السياسية والتصريحات الإعلامية؟! في يوم يتحدث بلهجة تحمل معاني الأخوة والحفاظ على وحدة الوطن، من شدة حرصه تشعر أحيانًا أنه ناطق باسم الحركة الأخرى (خصمه). في اليوم التالي إن لم يكن في آخر اليوم يتحدث بأسلوب آخر بنكهة التهجم، والاتهام، والتخوين، والاستفزاز!
في أجواء عدم الثقة تلك بين طرفي (التصالح/الانقسام) من جهة، وعدم ثقة الشعب بتحقيق المصالحة من جهة أخرى. حلت على فلسطين طامة سياسية جديدة تمثلت في اعتراف الرئيس الأمريكي « دونالد ترامب » بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، تمهيدًا لنقل السفارة الأمريكية إلى المدينة المقدسة.
لا يختلف اثنان أن القدس تحمل معاني عظيمة ودلالات رمزية مقدسة في نفوس الفلسطينيين خاصة والمسلمين عامة، رغم أنف المطبعين والمتصهينين العرب وأدعياء الفكر والثقافة المشككين في ثوابتنا الدينية والعربية. لا يوجد أدنى شك بأن الفلسطينيين لن يدخروا جهدًا ولا وقتًا ولا مالًا في الدفاع عن المدينة المقدسة، ويقدموا في سلبيها كل نفيسٍ وغالٍ. فأي شيء أغلى من أرواحهم التي قدموها ولازالوا يقدموها في سبيل الدفاع عنها!
على إثر القرار الأمريكي خرجت الجماهير الفلسطينية الغاضبة في مسيرات حاشدة، وأشعلت إطارات السيارات تعبيرًا عن الرفض والسخط، وعمَّ الإضراب كافة المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، ووقعت المواجهات مع جيش الاحتلال عند نقاط التماس فسقط الشهداء والجرحى، ـ المعاقون والأصحاء ـ. واعتقل الأطفال والكبار.. الشباب والفتيات. لكن الملاحظ أن التحرك الشعبي بدأ يخفت شيئًا فشيئًا، وقل وهجه عما كان في أيام الأولى. وهذا له ما يبرره.
التصرف الطبيعي والصحي على قرار ترامب أن تكون ردة الفعل الرسمي الفلسطيني (الرئيس والحكومة) تعزيز الجبهة الداخلية لتحقيق مزيدًا من الوحدة والصمود، أدناها رفع العقوبات عن القطاع، والبدء بالتطبيق الفعلي والجاد لبنود المصالحة الوطنية دون تلكؤ أو تلاعب في المصطلحات، وتغيير لغة التخاطب الإعلامي لتعزيز الوحدة الوطنية، وعقد مؤسسات منظمة التحرير بشكل طارئ وعاجل لوضع إستراتيجية موحدة لإدارة الأزمة. لكن لم يحدث أيًا من ذلك فخابت الآمال والظنون فتجرع المواطنون جرعة إحباط جديدة. لازالت العقوبات مفروضة، والمصالحة تراوح مكانها، وإذاعة التصريحات المتشائمة والشاذة من هنا وهناك.
الرئيس فضَّل أن يبدأ تحركاته بجولات خارجية (إقليمية ودولية) لحشد التعاطف الدولي وجمع أعلى قدر من الأصوات عقب مهرجانات خطابية في مؤتمرات دولية هي أشبه بتفريغ نفسي. لا نقلل من أهمية هذا الجهد لما له من آثار معنوية جيدة على نفسية الجهات الرسمية في السلطة. لكن الخطوة الأهم والأَولى قبل البدء بالجولة الخارجية هي اتخاذ قرارات جريئة لتقوية الجبهة الداخلية، ولاصطفاف الشعب الفلسطيني بكل أطيافه خلف رئيسه كي يحصن نفسه وموقفه بهم ليلهموه روح القوة والتحدي في مواجهة التعنت الصهيوـ أمريكي.
إن تراجع وخفوت التفاعل الشعبي لاسيما في الشارع الغزي له مبرراته، ليس تقصيرًا بحق المدينة المقدسة بقدر ما هي هموم كثيرة شغلت بال وتفكير الناس، مشكلات معقدة تمس حياتهم اليومية. لم يفيقوا بعد من صدمات ثلاث اعتداءات صهيونية في فترات متقاربة. الموظف واحد من اثنين إما لم يتلق راتبه أو مهدد بتقاعد مبكر بالإكراه، المريض لم يجد علاجه، العاطل عن العمل لم يستطع الحصول على قوت عياله، الشباب مبشرون بمستقبل سوداوي أشد من سواد الليل. في هذه الأجواء المحبطة أنّى تتوفر لأولئك الدافعية للمشاركة في المظاهرات والاحتجاجات نصرة للقدس؟! قبل أن نطالبهم بالمشاركة الفاعلة والمستمرة للنصرة يجب أن تلب احتياجاتهم الرئيسية.